|
للحصول على تحديد واضح لِحَدَث " اليوبيل " لا بدّ من
اللجوء إلى الكتاب المقدس ( العهد القديم ) لأنه، أي
العهد القديم، نّص على وجوب الاحتفال باليوبيل .
كلمة : يوبيل " آرامية الجذور وتعني قرن الكبش ….
اعتاد الشعب اليهودي أن يحتفل كل (50) خمسين سنة،
بطقوس دينية ذات معنى خاص … والإشارة إلى بدء الاحتفال
كان النفخ في البوق المصنوع من قرن الكبش، وذلك لجمع
الناس من كل صوب ولإعلامهم بأن هناك حدثاً هاماً يجب
الاحتفال به .
في اللغة العربية نجد فعل " وَبَلَ " ويعني حَزَمَ
وجمع … غير أن الاصطلاح العربي وإن لم يقصد به الأداة
للجمع، إنما يعطينا النتيجة ألا وهي التّجمّع .
وفي اللغة اللاتينية نجد الاصطلاح
" JUBILAEUM "
ويعني الفرح والابتهاج في عيد . فإذا جمعنا المعاني
معاً نجني مفهوماً واضحاً للحدث ألا وهو: تجمّع الناس
للاحتفال والابتهاج بهذا الحدث .
لا بد من لفت الانتباه إلى أنّ اليوبيل حصراً له علاقة
بالإله، أو بأمر له علاقة وطيدة ووثيقة بالإله .
الشعب الإسرائيلي هو أول من احتفل باليوبيل وأعطى
الاصطلاح " يوبيل " معنى جديداً هو سنة الاحتفالات
بالعلاقة مع الله للتذكر بأنه سيّد الأكوان وصاحب
الأرزاق ولرفع آيات الشكر إليه من أجل النعم الجمّة
التي أسبغها على الشعب .
فخلال هذه السنة، كان من حقّ الأرض أن تستريح من عناء
تعب الإنسان ومن عطاءاتها، لكي ينصرف الناس إلى بناء
المنازل وصناعة مستلزمات البناء . والذين اضطرّوا أن
يبيعوا ممتلكاتهم كانت تعود إليهم في هذه السنة . كانت
الاحتفالات تجري كل سبع سنين وسميت بالسنة السبتية أي
سنة الراحة .
إليك ما ورد في الشريعة في صدد هذه السنة السبتية
واليوبيل الخمسيني :
" فلتسترح الأرض سبتاً للرب، ست سنين تزرع حقلك وست
سنين تقضِّب كرمك وتجمع غلالها وفي السنة السابعة يكون
للأرض سبت راحة، سبت للرب فلا تزرع حقلك ولا تُقضِب
كرمك، وخِلْفةَ حصيدك لا تحصِد وعنب كرمك غير المقضوب
لا تقطِف لأنها سنة راحة للأرض . وليكن سبت الأرض
طعاماً لك ولخادمك وخادمتك وأجيرك وضيفك المقيمين معك
وتكون جميع غلاتها طعاماً لبهائمِك وللوحوش التي في
الأرض .
وانفخ في بوق الهتاف في اليوم العاشر من الشهر السابع،
في يوم التكفير تنفخون في البوق في أرضكم كلها …
وقدسوا سنة الخمسين ونادوا باعتاقٍ في الأرض لجميع
أهلها فتكون لكم يوبيلاً، فترجعوا كلُّ واحدٍ إلى
مِلكِه وتعودوا كل واحد إلى عشيرته … سنة الخمسين تكون
لكم يوبيلاً، فلا تزرعوا فيها ولا تحصدوا خِلفَةَ
زرعكم ولا تقطفوا ثمَرَ كرمكم غير المقضوب . إنها
يوبيل، فتكون لكم مقدسة ومن غلال الحقول تأكلون . وفي
سنة اليوبيل هذه ترجعون كل واحد إلى ملكه " .
مهما يكن، إن أهمية اليوبيل لدى اليهود هي الإحساس
بالارتباط مع الله والخضوع له .
المسيحية في القرون الأولى اعتمدت اليوبيل مُضفية عليه
معنىً آخر ألا وهو: العودة إلى الله والتوبة ونيل
الغفران، فكان المسيحيون يؤمّون، سيراً على الأقدام،
أماكن العبادة التي اغتسلت بدم الشهداء، وكانوا
يبتهلون إلى الله لكي يغفر لهم خطاياهم التي اقترفوها،
ويتباركون من المكان المقدس ايماناً منهم أن هذا
التبريك هو زاد لهم في حياتهم يحفظهم في حال النعمة
التي كسبوها، وكان البعض يعبّر عن توبته بشعائر
وعلامات مازالت منقوشة فوق أبواب منازلهم التي نشاهد
آثارها في أماكن شتى في بلادنا، ولا سيما في منطقة جبل
سمعان وباريشا والشيخ بركات وأخصّ بالذكر إحدى المنازل
في الأندرين حيث :
نقرأ هذه العبارة التي مازالت واضحة : " بعد أن
ابتهلتُ، أنا يوحنا، ونلتُ ما كنت أبتغيه، أشكر الله
على مغفرته لخطاياي، أقدّم له هذا المنزل كفارة عن
ذنوبي " .
وقد نقل إلينا المؤرخون الكنسيون السريان، ما كان يكمن
في قلوب المؤمنين، لدى تنقلهم من بلدهم إلى الأمكنة
التي كان يتواجد فيها الناسك، ليس فقط للتبارك بل
للصلاة وطلب المغفرة وكسب الغفران، وكيف كانوا يسكبون
الزيت على ضريح الشهداء ليجمعوه بعد أن كان قد سال فوق
الذخائر المحفوظة في الضريح، وينقلوه بركة إلى أهل
بيتهم ومرضاهم !
لا نستغرب من هذا الصنيع، لأن الإنسان الشرقي يؤسس
إيمانه على حواسه، ولا يطمئن إلا بعد اشتراك الحواس
كلها في ممارسة ايمانه .
هذه الممارسة حافظ عليها ابن الشرق بعنصريه المسيحي
والإسلامي، فالحج إلى الأماكن المقدسة الإسلامية
(الكعبة) والوقوف على جبل عرفات غايته ليس التبارك فقط
من زيارة هذه الأماكن، بل التكفير عن الذنوب ونيل
الغفران " من زار قبري نال شفاعتي " . كما وأن هذه
الممارسات الإيمانية انتقلت إلى بلاد الغرب مع انتشار
الديانة المسيحية . الأنظار كانت متوجهة في العصر
الأول إلى الأماكن المقدسة في فلسطين، فمنذ زمن القديس
ييرونيموس(القرن الخامس) انتشرت هذه الممارسة في
الإمبراطورية الرومانية .
المسيحيون كانوا يؤمّون، أفواجاً ووحدانا، الأماكن
المقدسة غير عابئين بالأخطار المحدقة بهم أثناء السفر،
لا للسياحة حصراً وإنما للتكفير عن الذنوب ونيل
الغفران . بالاضافة إلى الأماكن المقدسة في فلسطين،
كثيرون كانوا يقصدون أماكن العبادة المنتشرة في الغرب
مثل قبر القديس يعقوب في كومبوستيلا وضريح المجوس في
كولونيا (المانيا) وضريح القديس توماس بيكيت في
كانتيربوري ( انكلترا ) .
بين كل هذه الأماكن، روما كانت المفضلة والمقصودة أكثر
من غيرها لعدد أضرحة الشهداء الكبير ولقبريْ القديسيْن
الرسولين بطرس وبولس . كثيراً ما كانت غاية الحج فريضة
للتكفير عن خطيئة جسيمة ارتكبها صاحبها .
عام 1300 باشر البابا بونيفاس الثامن بالاحتفال بسنة
اليوبيل أو السنة المقدسة على أن تتكرر كل مئة عام،
فهرع الحجاج باعداد ضخمة لزيارة أماكن العبادة في روما
بغية نيل الغفران أما البابا اكليمانضوس الخامس فقد
خفض المدة من مئة عام إلى خمسين عام وأعلن عن اقامة
اليوبيل عام 1350 بالرغم من أنه كان منفيّاً في
أفينيون . وبهذه المناسبة كان إقبال المؤمنين للتبارك
من أماكن العبادة في روما ولنيل الغفران ضخماً جداً
ويقال أنه بلغ 200000مئتي ألف .
أوريانس السادس ( 1378 – 1389 ) قرر أن يحتفل باليوبيل
كل 33 سنة احياءً لعمر السيد المسيح غير أن هذه المدّة
استقرّت على كل 25 عاماً واستمرت حتى عصرنا هذا . |