جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - الحضور المسيحي في الشرق: شهادة ورسالة للأب بسام آشجي
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2001 - 2002

 

الأب بسام آشجي

الحضور المسيحي في الشرق: شهادة ورسالة

قراءة في الرسالة الثانية لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك

 
 

مقدمة

 سوف أستعرض في معالجة هذا الموضوع بعض أفكار ونصوص الرسالة الثانية الصادرة عن " مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك " CPC، وهي تحمل العنوان نفسه: "الحضور المسيحي في الشرق، شهادة ورسالة" (فصح 1992) ، كما أستعرض أيضاً، بعض فقرات الخطابات التي ألقيت في أثناء الزيارة التاريخية التي قام بها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني إلى دمشق السنة الماضية، ونصوصاً ومواقف أخرى. لن نتمكن من قراءة كل ما هو مكتوب، ولكنني نقلت الكثير من النصوص في سياق هذه المحاضرة لأقدّمها لكل من يود التعمّق في الموضوع.

 1- الحضور المسيحي: تجسُّدٌ لسرّ الكنيسة..

إن الكنيسة هي تعبير الرسمي عن الحضور المسيحي ليس في الشرق وحسب بل في جميع أصقاع المسكونة. والكنيسة، لاهوتيّاً، هي سرٌّ، كالمسيح، يجمع الإلهي والبشري في آن. إنها استمرارٌ لحضوره في الزمان والمكان، ومتابعة تجسدّه عبر العصور. تقول رسالة البطاركة: إن تجسد الكنيسة هو وجه من أوجه سر المسيح المتجسد. فالكنيسة واقع إلهي وإنساني يعاش في نطاق الزمان والمكان بكل ما يرتبط بهما من حيثيات تاريخية وجغرافية واجتماعية وحضارية. تتفرس الكنيسة في هذا الواقع البشري الملموس لتأخذ منه ملامح وجهها المميز وطابعها الخاص، وهذا ما ينعكس على شكل ممارستها لدعوتها ورسالتها، الآن وهنا. (بند رقم27) لقد فهم تلاميذ يسوع يوم العنصرة أن دعوتهم لتحقيق تجسّد الكنيسة كسرّ مقدّس لحضور المسيح الجديد، بعد موته وقيامته وصعوده إلى السماء، لا يتمُّ إلا من خلال انثقافهم في مختلف الحضارات، هذا ما يدلّ عليه التكلّم بلغات "كل أمة تحت السماء" (أنظر: رسل2/1-14). نستطيع القول أن حدث العنصرة هو تعميم للتجسد في الثقافات والحضارات عبر العصور.

تقول رسالة البطاركة: إن الكنيسة حضور، ويتم هذا الحضور عن طريق الكنائس الخاصة (أي المحلية) عندما تتجسد في عالم الإنسان الواقعي "الذي يتحدث بلغة بعينها وله تراث ثقافي معين، كما له نظرته إلى العالم وماضيه التاريخي وتكوين إنساني خاص". "إن البشارة الإنجيلية تفقد الكثير من قوتها وفاعليتها، إن لم تأخذ في الاعتبار واقع الشعب الذي تخاطبه، وتستخدم لغته، وإشاراته ورموزه، وإن لم تجب عن التساؤلات التي يرددها، ولم تندمج في حياته الواقعية"، على ألا يؤدي ذلك إلى تفريغ البشارة من مضمونها أو إلى تحريفها. إن هذا التجسد لهو من متطلبات جامعية الكنيسة وشموليتها، الذي لا يمكن أن يعطي ثماره الحقيقية إلا إذا ظلت الكنائس الخاصة في شركة إيمان عميقة وحية مع الكنيسة الجامعة. (بند رقم27)

وبالمثل، يدعو البابا إلى التعبير عن سر الكنيسة بأن تتجسّد في الواقع الإنساني وتنثقف في حضارات الشعوب منتبهاً، كرسالة البطاركة، إلى خطر ضياع أو تغيير المعنى، فيقول: على مثال بولس، يواجه تلاميذ المسيح تحدياً كبيراً: لزام عليهم أن ينقلوا البشرى السارة بلغة تناسب كل ثقافة، دون أن يضيع منها الجوهر، أو يتغير فيها المعنى. (عظة القداس،3)

 2- الحضور المسيحي في الشرق.. تجسُّدٌ في الثقافات القديمة المتنوّعة

تقول رسالة البطاركة مستقرئة تجسد سر الكنيسة في واقعنا المحلي، فتشير إلى التعددية الثقافية والحضارية التي تميّزت بها بلادنا، كالسريانية بمختلف فروعها، واليونانية، والأرمنية، والقبطية، فتقول:

لا بد لنا من أن نلاحظ أن كنائسنا في الشرق أظهرت عبر التاريخ مقدرة فائقة على التكيف الحضاري، الذي أدى إلى نشوء حضارات وتراثات مختلفة ومتنوعة غذت التراث الكنسي العام والثقافة الإنسانية بغنى عطائها وأصالة مساهمتها. وهو التراث الذي أشار إليه المجمع الفاتيكاني الثاني، وأشاد بغناه، واعتبره ثروة للكنيسة بأسرها. ولا تزال هذه التراثات حية عبر مختلف الكنائس المشرقية تستضيء بها وتضيء، وتجد فيها حافزًا لمواجهة التحديات الثقافية والحضارية الحالية..

وفي الموضوع عينه، يقدّم البابا "الإجلال" لازدهار كنيسة بلادنا لما قامت به من تجسد وانثقاف متعددين ومتنوّعين، فيقول: كيف أستطيعُ أن أنسى المساهمة العظيمة التي أدَّتها سوريا والمنطقة المجاورة في تاريخ المسيحية؟ هنا عاشت جماعات مزدهرة منذ فجر المسيحية. (خطاب الاستقبال، 3).

منذ فجر المسيحية عرفت أرضكم حياة مسيحية مزدهرة. ففي المسار الروحي للقديسين اغناطيوس وأفرام وسمعان ويوحنا الدمشقي والعديد من الآباء والرهبان والنساك والقديسين، الذين هم حقاً مجد كنائسكم، يبقى هذا الازدهار حاضراً في ذاكرة الكنيسة الجامعة. (عظة القداس، 4)..

أود، هنا في دمشق، أن أقدِّم الإجلال للتقليد السوري بكامله مع وحدته الغنية بالتنوع. القديسون بولس واغناطيوس الأنطاكي وأفرام ويوحنا فم الذهب وسمعان العمودي ويوحنا الدمشقي وكثيرون آخرون هم معلمون لامعون نرى فيهم أن طاعة الإيمان وألم الصليب لا يمكنهما إلا أن تثمرا للخلاص.

إن روعة الإبداع في تقليدكم تتجلى في وجهٍ مثل أفرام النصيبيني "كنارة الروح القدس" الذي ما لبثت أن تُرجمت أعماله إلى كل اللغات المسيحية القديمة. عسى ألا ينقطع هذا النوع من تبادل المواهب.. رجائي الحار أن يعود المسيحيون، في كل مكان، فيفتحوا قلوبهم للثروات الروحية والعقائدية الخاصة بكنائس التقليد السوري..
بين العديدين ممَّن تبعوا الحَمَل (أي يسوع) قديسٌ من بلدكم لا يُجارى، هو سمعان العمودي الذي كان في زمانه أيقونة حية للقداسة، وهو اليوم موضوع تكريم الكنيسة في العالم أجمع.. (عظة كنيسة السريان الأرثوذكس، 5)..

لم تتأخر الكنيسة في سوريا عن إظهار ازدهار فائق في الحياة المسيحية...، كيف لا نتذكر عديد الشهداء والمعترفين الذين، بأمانتهم للنعمة حتى سفك الدم، عملوا على إشراق بدايات الكنيسة في هذه البلاد! كم من راهب وراهبة قد انقطعوا إلى الوحدة، مالئين صحارى وجبال سوريا بمناسك وأديرة، ليعيشوا، تمجيداً لله، حياة صلاة وتضحية.. كم من لاهوتي سوري ساهم في نهضة المدارس اللاهوتية في أنطاكيا وفي الرها! كم من مرسل انطلق من سوريا نحو الشرق، متبعاً حركة التبشير التي صارت في ما بين النهرين وما يليها من الأصقاع حتى "كيرالا" في الهند. الكنيسة في الغرب أوليست هي الأخرى مدينة لرعاة عديدين من أصل سوري فكانوا فيها أساقفة، والبعض منهم أسقفاً على روما؟ فليكن اسم الرب ممجداً من أجل الشهادة والإشعاع الذي أدَّته بطريركية أنطاكيا القديمة. (عظة الكنيسة المريمية،2)

وبدوره أيضاً، يُعلن البطريرك اغناطيوس الرابع هزيم أن هذا التجسد لسر الكنيسة في الثقافات الشرقية المحلية، رغم أنه سبب انقسامات مؤلمة في جسد المسيح السري، منح مسيحيي بلادنا التآخي والحوار، واحترام ما وُجد في "ثقافاتنا المختلفة" من "تباعدات مشروعة"، فيقول في خطاب استقباله البابا: في هذه البلاد، أقام المسيحيون أنفسهم على حوار تآخ يومي يعينهم على تخطي العقبات الماضية. وقد وضعنا منذ بضع سنوات أساسات لتفاهم اكبر ولتعاون حقيقي في مجالات التعليم والرعاية. إن الحب الأخوي يحركنا اليوم اكثر مما مضى. رغم التباعدات المشروعة المرتبطة بثقافاتنا المختلفة فإننا نعتقد أن قراءة واحدة للتقليد لا تزال ممكنة. إننا لهذا السبب نشعر إننا نشكل حضوراً مسيحياً واحداً في استقبال قداستكم هنا فيما بيننا. هذا الحضور المرتبط بحضور بطرس وبولس وربوات القديسين الانطاكيين يجعل منكم اليوم حاجّاً أمام الله وحاجّاً لأنكم تحملون في شخصكم كل كاثوليك العالم إلى ينابيع إيمانهم إلى انطاكيا هذه التي دُعي فيها التلاميذ مسيحيين أولاً (أع 26:11).

3- الحضور المسيحي في الشرق: تجسُّدٌ في الثقافة العربية..

 تبرز رسالة البطاركة أهمية انثقاف الحضور المسيحي المشرقي في الحضارة العربية: إن التفاعل الحضاري لكنائسنا لم يتوقف في وقت من الأوقات، بل احتفظ بحيوية متجددة عبر الأجيال والمراحل التاريخية المتعاقبة التي مرت بها منطقتنا. وهنا لا بد من الإشارة إلى الحيوية الثقافية التي امتازت بها كنائسنا بعد الفتح العربي، حيث لم تقف الكنائس الشرقية المختلفة متفرجة، سجينة ماض ولى، بل راحت تعمل جاهدة للتعبير عن ذاتها، وفق الظروف الثقافية الجديدة. فدخلت اللغة العربية تدريجيًا في مجالات حياتها الطقسية والفكرية واليومية. وبهذا نجحت كنائسنا في اجتياز تلك العتبة التاريخية بنجاح، بالرغم من جميع الصعوبات والعقبات، فاكتسبت أوراق اعتمادها، وأصبحت جزءًا لا ينفصل عن المسيرة الحضارية في هذه البقعة من العالم، التي أرادها الله حيزًا لإيمانها وعمقًا لتجسده الحضاري. ولهذا فإن المقولة السائدة: "أبت العربية أن تتنصر والنصرانية أن تتعرب" تناقضها الوقائع التاريخية الدامغة.

  أ- الانـثقاف اللاهوتي العربي :

 أحب، على سيل المثال، أن أتأمل إليكم نصاً من التراث العربي المسيحي يساعدنا في فهم كيفية الانثقاف اللاهوتي الذي قام به أجدادنا ابتداءً من القرن التاسع الميلادي، إبّان الفتح العربي ودخول الإسلام إلى بلادنا، هذا النص هو من "مقالة في التجسد" لحبيب بن خدمة أبو رائطة التكريتي (825م) : "قالوا: وما الذي دعا الله (سبحانه) إلى أن يتجسّد ويصير إنساناً؟.. يقال لهم: إن الذي دعاه (سبحانه) في البدء إلى أن يخلق آدم وذريته من التراب، بعد أن لم يكن شيئاً، فنفخ فيه من روحه ، ومن مَلَكَة تصرف فعاله، وجلب إليه جميع حالاته، وخوّله ما في البحر والبر والهواء، وأمره بمنافعه ونهاه وحذّره مضارّه، وأسكنه جنّته، وأوعده ملكوته، هو الذي دعاه إلى التجسد والتأنس، التماساً بذلك إنقاذه وذرّيته، وتخليصهم من ضلالة تسلّطت عليهم بتضعُّفهم أنفسهم بطول أُلفَتهم بها، وإنهاضهم من صرعتهم، وردهم إلى مرتبتهم الأولى. فإن قالوا: وما الذي دعاه إلى أن يخلق آدم وذريته؟.. يقال لهم: الذي دعاه إلى ذلك صلاحه وتفضله!.. فالذي دعاه إلى أن يتطأطأ إلى ما ليس بموجود، لا عبثاً ولا غرضاً، فيصيّره شيئاً ذا قدر وخطر، هو دعاه إلى أن يجدّد خلْقَتَهُ لما أخْلَقَتْهُ الخطيئة، وأعاد بريّته إلى حالها الأولى، كسابق علمه (له الحمد لم يزَل!) "

 ب- التجسُّد المسيحي العربي في الحياة اليومية والحضارية:

 نتابع مع رسالة البطاركة: لم يكتف المسيحيون في الشرق باتخاذ اللغة العربية كأداة تعبير في طقوسهم وثقافتهم ومعاملاتهم اليومية، بل تعدوا ذلك إلى الاهتمام بالشأن الثقافي والحضاري العام. لم يقف المسيحيون متفرجين إزاء التبلور التدريجي للحضارة العربية، بل أسهموا فيها مساهمة فعالة، سواء عن طريق الترجمة أو التأليف، خالقين بذلك صيغة رفيعة للتعاون الحضاري مع اخوتهم المسلمين تعتبر نموذجًا حضاريًا نفخر به بحق، وصورة من الصور المشرقة للعيش معًا. وهذا هو التعاون الذي أدى إلى تفتح حضارة عربية أصيلة مدت الثقافة الإنسانية بديناميتها وغناها لقرون عديدة. وبذلك نشأ التراث الثقافي الواحد.... ولم يقتصر الأمر على تلك الحقبة المبدعة للحضارة العربية، بل تعداه إلى الفترات التاريخية اللاحقة. ففي عصر النهضة الحديثة كان المسيحيون، أسوة بإخوتهم المسلمين، من رواد تلك النهضة الثقافية والسياسية في العالم العربي التي لا نزال ننهل من معينها حتى اليوم. وهذا هو الحوار الحضاري الخلاق الذي ندعو الجميع في بلداننا إلى المضي به قدمًا، مما يقتضي التواصل المستمر بينهم في ظروف تاريخية جديدة تفتح الباب أمام المستقبل. (بند رقم27-31)

 4- الحضور المسيحي في الشرق: من الانغلاق إلى الشهادة

لا شك أن الحضور المسيحي في الشرق لم يكن، على المستوى العام، متألقاً في جميع العصور، خصوصاً، وبكل أسف، عندما اعتبر نظام "الذمّة"، ومن بعده نظام "الملّة"، المسيحيين في مواطنيّة الدرجة الثانية، مما سبب، في تلك العصور الغابرة، شيئاً من واقع الانغلاق. أما اليوم، ومنذ عدّة عقود ساهم المسيحيون الشرقيون في نهضتها، وقد عادت المواطنيّة مشتركة ومتساوية بين جميع فئات شعوب المنطقة، وجب على هذا الحضور العودة إلى انفتاحه المعهود والتخلي عن انغلاقه البغيض، لذلك تدعو رسالة البطاركة عن أهمية تمسك المسيحي بشهادته لإيمانه في الحياة اليومية والالتزام بشؤون وطنه، وخدمته، وبعدم "الانعزال أو الذوبان". وتتحدّث الرسالة أيضاً عن التضامن الإنساني خصوصاً مع المتألمين، فتقول: إن حضورنا المسيحي لا يريد أن يكون حضورًا من أجل ذواتنا، لأن السيد المسيح لم يؤسس كنيسته كي تبقى في خدمة نفسها، بل لتكون شاهدة وصاحبة رسالة هي رسالة مؤسسها ومعلمها بالذات... إن المسيحيين والجماعات المسيحية يندمجون في صميم حياة شعوبهم. وهم "آيات" إنجيلية بأمانتهم لوطنهم وشعبهم وثقافتهم الوطنية، ومع الاحتفاظ بالحرية التي أكسبهم إياها المسيح. (راجع متى 13: 44 ـ 46). إن الشهادة للتطويبات الإنجيلية تبقى الطريق الأول للإنجيل نحو قلوب البشر وضمائرهم. وإذا كانت الجماعات المسيحية في الشرق قد انغلقت في الماضي على ذاتها، وفقدت معنى الرسالة والشهادة بسبب ظروف تاريخية قاهرة، مكتفية بالبحث عن الاستمرار في الوجود فحسب، فإنها مدعوة اليوم إلى التحرر من رواسب الماضي لتحيي معنى الرسالة في حياتها فتنفتح على العالم المحيط بها، وتشهد لذاك الكنز الثمين الدفين، الذي عثرت عليه، والذي يفرح قلبها كما يفرح قلب كل إنسان (متى 5: 14 ـ 16).

إننا نجد في تعليم سيدنا ومخلصنا ما يدعونا إلى مثل هذا الحضور حيث يدعونا إلى أن نكون نورًا (متى 5: 13)؛ وملحًا (متى 13: 33)؛ وخميرة (لوقا 12: 13). فإذا انعزل النور عن البيت فإنه يفقد معنى وجوده، وإذا انتزع الملح عن الطعام فلا فائدة منه، وإذا خرجت الخميرة من العجين تحجرت وفسدت. وعندما لا نكون نورًا وملحًا وخميرة فإننا نتحول إلى كيان جامد متحجر يكون عبئًا على نفسه وعلى مجتمعه.

البابا أيضاً يدعو بدوره الحضور المسيحي في الشرق إلى الانفتاح والشهادة: بتجذُّركم في أرض الأجداد وبقبولكم السخي في عيش إيمانكم عليها، تغدون بدوركم شهوداً لخصوبة الرسالة الإنجيلية التي نُقِلت من جيل إلى جيل. عليكم، مع جميع مواطنيكم، من دون تمييز وبغض النظر عن انتمائهم، أن تواصلوا بلا هوادة، جهودكم من أجل بناء مجتمع أخوي حقيقي متضامن، يلقى فيه كل واحد احتراماً لكرامته الإنسانية وحقوقه الأساسية.... الإنجيل عامل فعال في تطوير العالم. عسى أن يستطيع إنسان اليوم، على نور شهادة حياتكم، أن يجد الجواب لانتظاراته الأكثر عمقاً، ويكتشف قواعد العيش معاً في المجتمع!

 5 – الحضور المسيحي في الشرق: واجب ثقة في المسيح..

"لا تخف، أيها القطيع الصغير".. تحمل الكلمات الإنجيلية الآنفة الذكر بشرى سارة عظيمة للمسيحيين في الشرق. وإذا قرأناها في ضوء وضعنا كأقليات في مجتمعاتنا، فإنها تصبح قادرة على أن تحول هذا الوضع، من واقع اجتماعي يضغط على نفسياتنا ونظرتنا إلى أنفسنا ونظرة الآخرين إلينا، إلى واقع دعوة وشهادة ورسالة نعيشه في فرح الإيمان. إن النور ضئيل في البيت ولكنه يضيء البيت كله، والملح قليل في الطعام ولكنه يعطيه نكهته، والخميرة صغيرة في العجين ولكنها تخمره وتعده لأن يكون خبزًا. إننا نذكركم بما قلناه في رسالتنا الأولى: "إن الكنيسة لا تقاس بالأرقام والإحصاءات، بل بوعي أبنائها الحي لدعوتهم ورسالتهم". لقد حان الوقت لنستوعب هذا الواقع الكمي لنحوله إلى واقع نوعي، حيث يحل حجم القوة الروحية محل الحجم العددي. وبذلك نتحرر من كل ما خلفه وضع الأقلية في التاريخ من رواسب نفسية واجتماعية قاتلة، كتجربة الانكفاء، وعدم الثقة بالنفس وبالمجتمع، والتظلم، والانعزال أو الذوبان: "لا تخف، أيها القطيع الصغير".. لقد كان المسيحيون الأولون، الذين نشأوا في بلادنا، أقلية صغيرة متواضعة. غير أنهم كانوا يمتازون بحيوية الإنسان الجديد وحماسه وفرحه، مما جعل الناس أجمعين ينظرون إليهم بإعجاب واندهاش: وكانوا "ينالون حظوة عند الشعب كله" (1 تيموتاوس 6: 14). إن نظرة الناس إلينا تقررها، بشكل من الأشكال، نوعية حضورنا وكثافته، لا قلة عددنا أو كثرته. (بند رقم18-20).

يقول البابا في الموضوع عينه: أيها الأخوة والأخوات، لا تتوانوا عن البحث عن وجه المسيح الذي يتجلى لكم. ففيه تجدون سر الحرية الحقيقية وفرح القلب! دعوا الشوق إلى الأخوَّة الحقيقية بين جميع الناس، يهتز في أعماقكم! في تأهبكم، بحماس، لخدمة الآخرين تجدون معنى لحياتكم، ذلك بأن الهوية المسيحية ليست في معاداة الآخرين، بل في القدرة على الخروج من الذات والذهاب لملاقاة الأخوة. إن الانفتاح على العالم، بوضوح وبدون خوف، هو جزء من دعوة المسيحي، الواعي لهويته والمتأصل في تقليده الروحي، الذي يعبر عن غنى شهادة الكنيسة. (خطاب القداس 4-5)

 6- الحضور المسيحي في الشرق: حضور من أجل الإنسان..

 أ- احترام الإنسان فعل إيمان :

إن البطريرك هزيم، في خطابه الآنف الذكر، يدعو بشجاعة المسيحيين إلى الالتزام بقضايا الإنسان وخدمته واحترام حقوقه، فيقول: "في كل الأحوال، لا يُرى سلام الإنسان الداخلي إلا من خلال اللطافة الإنجيلية. إن اللطفاء لن يكتفوا بان يرثوا فقط ملكوت السماوات. بل عليهم أن يكشفوا الملكوت للعالم. بعد قرون عديدة من المجازر والتكفير من كافة الأشكال ورفض للآخر فان الجماعة المسيحية مدعوة لان تجسد رسالة يسوع اكثر فأكثر من اجل الفقراء: لا الأفراد فقط بل وكل الشعوب الفقيرة. يجب علينا أن نجد الكلمات والوسائل الملائمة من اجل أن نذكر الأمم الغنية بضرورة توزيع الممتلكات الأرضية لنيل ملكوت السماوات. بهذا سيكتشف المحرومون أن وجه الله انكشف قلب اكتمال الملكوت. الكل لله. ليس العالم إلا الوليمة التي يدعو إليها كل أبنائها دون أي إقصاء لأحد. يجب على المسيحيين على غرار معلمهم أن يغسلوا أرجل كل الناس دون النظر إلى دينهم أو إلى عرقهم. إننا مدعوون إلى أن نمسح دموع كل الذين يبكون.

علينا أن نقوم بهذه المهمة معاً. إنها تشكل شهادة قوية إلى جانب الشهادة التي تحاول كل كنيسة من كنائسنا أن تحملها في حضارة البلاد حيث تعيش. إن حقوق الله على فكر الناس وعلى قلبهم تشكل تمهيداً لحقهم في الحياة والكرامة. من دون أن نهمل الحسنات التي تقدمها العولمة فان واجبنا يقتضي أن نشير إلى مخاطرها وان نعلن سيادة الله وحق كل الناس في اقتسام الطعام الأرضي والخبز النازل من السماء."

ولو تابعنا مع رسالة البطاركة نجد إن الرسالة الروحية للكنيسة لا تنفصل عن رسالتها الاجتماعية، لأن محبة الله التي أفيضت في قلوبنا تتوجه إلى الإنسان في الوقت عينه الذي فيه تتوجه إلى الله.. إن سير الكنيسة نحو خيرات الملكوت السماوي لا يليها عن الشؤون الزمنية والأرضية، بل بالعكس من ذلك يزيد التزامها بكل ما هو إنساني، عزمًا وتصميمًا. فهي "السامري الرحيم" الذي يتوقف ليداوي جراح الإنسان.. وتظل الكنيسة علامة حية وملموسة ومرئية تشهد في التاريخ لهذا التضامن الإلهي بوقوفها إلى جانب الإنسان كي تخفف من آلامه بكل أنواعها وكي تعزز نموه من كل جوانبه.

 ب- الحضور المسيحي حضور تضامن من أجل خدمة الإنسان :

 وإذا نظرنا إلى كنائسنا فإننا نجد أن الخدمة الاجتماعية والإنسانية تشكل أحد جوانب رسالتها البارزة. وتتنوع هذه الخدمة لتشمل مختلف حاجات الإنسان المتألم، المادية والثقافية والاجتماعية والتنموية. وإننا نذكر ذلك لا من باب المفاخرة، بل كي نجدد تضامننا مع كل ألم وعوز، والتزامنا بعمل كل ما في وسعنا للمساهمة في تخفيف حدة ألم الإنسان بكل أشكاله ومظاهره. كما تود كنائسنا أن تلم بما يمكن أن يعلق بهذا العمل من سلبيات كي تنقيه دومًا ليكون بروح المسيح وإنجيله. بالإضافة إلى ذلك فإننا ندعو المؤمنين عامة، والمؤسسات المسيحية الاجتماعية بنوع خاص، إلى أن تتنبه دومًا إلى احتياجات المجتمع لتكتشف ما استجد منها، وتفتح مجالات جديدة لعملها، فيواكب هذا العمل مسيرة المجتمع ومعاناته وتطلعاته واحتياجاته. وهي لا تهدف من ذلك إلا إلى بناء الإنسان، إنسان واع لكيانه وكرامته الإنسانية، انطلاقاً من هذه الحقيقية الأساسية أن كل إنسان مخلوق على صورة الله، وأن كرامته مستمدة من هذا الشبه الإلهي. ولا تقصد كنائسنا من وراء عملها الاجتماعي هذا، تجاه أي محتاج، أية منفعة ذاتية ولا أية مصلحة مهما كان نوعها ولا أية نية مبطنة. فهي تخدم كل إنسان متألم على أنه إنسان، وعلى أنه صورة للمسيح المصلوب والمعذب في تاريخ الإنسانية.

 ج- نداء من أجل التنسيق في عمل الخدمة الإنسانية والاجتماعية :

 وعليه، فإننا نوجه النداء إلى المؤمنين والمؤسسات الاجتماعية في الكنيسة كي يجددوا رؤاهم الاجتماعية، وخدماتهم المتعددة، فتتجاوب دومًا مع المحبة المسيحية الأصلية التي تلهمها وتحييها. ولقد آن الأوان أن يحصل تواصل حقيقي بين جميع من يعملون في هذه المجالات، أشخاصًا ومؤسسات، بغية التنسيق الدائم والتقويم المستمر الذي يدفع هذا العمل إلى الأمام، وفق الحاجات المستجدة. كما تستحثهم على العمل بروح التعاون مع جميع من يعملون في هذه المجالات في مجتمعنا، لأن العمل الاجتماعي والإنساني هو مكان ممتاز للحوار والتعاون بين كافة المسيحيين وكافة أبناء المجتمع الواحد، حيث إن الإنسان المتألم يجمعنا ويوحدنا. (بند رقم36-37)

 د- الإنسان المتألم في الشرق: دعوة رسالة للحضور المسيحي

 وتتطرّق الرسالة بشكل مباشر إلى واقع الإنسان المتألم في منطقتنا وتدعو إلى التضامن معه، فتقول: الإنسان، في منطقتنا، هو إنسان متألم. فقد تألبت عليه المحن من كل جانب في تاريخه المعاصر، حتى بات يعيش تحت علامة الألم والمعاناة، ويسير في درب الآلام وهو يحمل صليبه. إنه يتألم في كيانه الداخلي بسبب القيود النفسية والاجتماعية التي لا يرى في بعض الأحيان لها مخرجًا، وفي ظروف معيشته اليومية التي يصارع من أجل تحسين أحوالها في وضع محدود الإمكانيات،...، إن الظروف التاريخية التي عاشتها المنطقة والمسيحيون في بلادنا، منذ أكثر من قرن من الزمان، أعطت الانطباع بأن المسيحيين يتطلعون إلى الغير طالبين منهم ضمان وجودهم وحمايتهم. أضف إلى ذلك الرغبة الأجنبية في الهيمنة على الشرق مما حمل إلى الظن أن الرهان المسيحي هو الطريق السهل في بعض الأحيان للوصول إلى هذه الغاية. وهذا ما أدى إلى الاعتقاد السائد أن المسيحيين في الشرق فئة غريبة عن المنطقة، مع العلم بما قامت به شخصيات مسيحية، رائدة وفريدة وشجاعة، من نضال في سبيل التحرر القومي والاستقلال الوطني والتطور الثقافي. مهما يكن من أمر فإن كنائسنا ترفض أي تغريب ثقافي أو سياسي، وتؤكد تضامنها واندماجها الملتزم بمجتمعاتها، من منطلق إيمانها وهويتها ودعوتها ورسالتها، في هذا المنعطف الخطير من تاريخ المنطقة. إن آمال هذا الإنسان وأفراحه، وأحزانه وضيقاته، لهي آمالنا وأفراحنا، وأحزاننا وضيقاتنا. لذلك نعرب عن تضامننا الحق والعميق معه (راجع دستور راعوي حول الكنيسة في عالم اليوم، رقم 1).

إن تضامن كنائسنا مع إنسان المنطقة، في آلامه وتطلعاته، يريد أن يكون تضامنًا متواضعًا يستمد من التطويبات الإنجيلية روحه ونهجه ومضمونه. إن كنائسنا تدرك تمام الإدراك أن الإنسان المسيحي في بلادنا يشارك أبناء وطنه سراءهم وضراءهم فهو يعيش الآلام عينها، ويعاني من الحدود والجراح عينها، وتسكنه التطلعات والآمال نفسها. إن تضامننا مع إنساننا الشرقي يود أن يكون تضامنًا نبويًا يتخطى هم الدفاع عن حقوقنا كأقليات وملل، مع كل ما يكتسبه هذا الدفاع من ضرورة وأهمية ومشروعية، ليصل إلى حد المشاركة في الدفاع عن حقوق الإنسان وتحرر الشعوب وحقها في العيش الكريم، والمساهمة في مشاريعها التنموية،...، إن تحرير الإنسان وتطويره بشكل يتجاوب مع الكرامة التي أولاه الله إياها، ومقاومة الظلم أيًا كان مصدره وأيًا كان فاعله، لهي جانب من سر المسيح الكنيسة ومثالنا هو السيد المسيح الذي ضحى من أجلنا كي نضحي نحن أيضًا في سبيل غيرنا: "وإنما عرفنا المحبة بأن ذاك (المسيح) قد بذل نفسه في سبيلنا. فعلينا نحن أيضًا أن نبذل نفوسنا في سبيل اخوتنا" (1 يوحنا 3: 16). وهذا كله يفترض في جماعاتنا المسيحية ارتدادًا عميقًا يسير بهم من مجرد الاهتمام فقط بمشاكلهم وظروفهم ومستقبلهم إلى الاهتمام بكل ما يتعلق بالإنسان الشرقي عامة في كل مجالات حياته... وفي هذا المجال نريد أن نلفت انتباه الجميع إلى وضع المرأة في الشرق، فنعمل على تعزيز مكانتها في الكنيسة والمجتمع، بحيث تأخذ دورها كاملاً في بناء الحياة الإنسانية، وتحتل الموقع الذي لا يستطيع أحد أن يحل مكانها فيه، في مختلف المجالات، انطلاقًا من غنى طبيعتها وأصالة عطائها... (بند رقم 55).

 7- الحضور المسيحي في الشرق وقلق الهجرة..

يعبّر البطاركة عن قلقهم من هجرة مسيحيي بلادنا، فيقولون: إن واقع الهجرة يقلقنا، لكنه ينطوي، في الوقت عينه، على إمكانات جديدة يجدر بنا أن نفكر فيها. إنه يقلقنا لأننا نرى أن الأرض التي نشأت عليها المسيحية تفرغ شيئًا فشيئًا من مؤمنيها، الذين يلجأون إلى الهجرة حارمين بلدانهم وكنائسهم من عطائهم ومشاركتهم وحيويتهم، علمًا بأن مجتمعنا بحاجة إلينا ونحن بحاجة إليه. فهو يعيش منا ولنا ونحن نعيش منه وله. إن هجرة المسيحيين تحرم مجتمعنا من إحدى مقوماته، وتحرم مسيحيتنا من عمقها الحضاري والثقافي. إذا هاجرنا خسرنا وخسر الوطن. وعليه فلا يسعنا إلا أن نعمل كل ما في طاقتنا كي نحد من نزيف الهجرة. (بند رقم58)

ويقول قداسته، في الموضوع ذاته، إلى رؤساء الكنائس (رقم5): لا تنقصُ الرعاةَ همومٌ مختلفة. إلاَّ أن الهمَّ الأكبر هو هجرة العديد من العائلات المسيحية ومن الشباب. كلهم يأملون بمستقبل أفضل يجدونه في الخارج. إنني أكيد أن كلاً منكم طرح على نفسه مراراً هذا السؤال المقلق: ماذا أستطيع أن أفعل؟ تستطيعون فعل الكثير. تستطيعون أولاً أن تسهموا في بنيان البلد المزدهر اقتصادياً، حيث لكل مواطن ذات الحقوق والواجبات أمام القانون، وحيث الشعب كله يهتم بالعيش في سلام عادل داخل حدوده ومع جيرانه. الإسهام في رفع الثقة بمستقبل وطنكم هو إحدى أهم الخدمات التي يمكن للكنيسة أن تؤديها للمجتمع.

هناك وسيلة عمل أخرى هي تشجيع المسيحيين على التضامن بمشاركة صعوبات شعبكم وآلامه. إن تأثيركم على الشبيبة كبير: خاطبوا قلبهم السخي. اشرحوا، صحِّحوا، شجِّعوا، وبالأخص ازرعوا فيهم، بمثلكم الشخصي، القناعة بأن القيم المسيحية، قيم القلب والروح، هي قادرة أكثر من أي خير مادي على إسعاد الإنسان. انقلوا إلى شبيبتكم مثالاً إنسانياً ومسيحياً واجعلوهم يكتشفون، على قول كاتب الرسالة إلى "ديوجينيس"، أنّ "المكانة التي خصّهم الله بها هي من النبل بما لا يسمح لهم بالهروب منها" (6/10).

ويقلق المسلمون أيضاً من واقع هجرة المسيحيين في بلادنا، يقول الأمير السعودي طلال بن عبد العزيز في ذلك (نقلاً عن جريدة "المحرر العربي" / السبت 2 شباط 2002): " يتعرض العالم العربي لنزيف بشري واجتماعي وثقافي وسياسي واقتصادي على جانب كبير من الخطورة: هجرة العرب المسيحيين التي لم تنقطع منذ أعوام عدة. انه واقع صعب ستخرج عنه آثار بعيدة على مصير عالمنا العربي وسيغيّر من طبيعة المنطقة ومن أسس ازدهارها وسلامها واستقرارها الداخليين إن لم يتخذ العرب، مسلمين ومسيحيين، على السواء قرارا بالتصدي لهذه الظاهرة.

وكما في زمن الأزمات الكبرى كالتي يعبرها العالم عموما والعالم العربي خصوصا اليوم، لا بد من وقفة للمراجعة مع أسباب هذه الهجرة القاتلة للنسيج العربي.

لقد شكَّل العرب المسيحيون إحدى ركائز البناء العربي القديم والحديث على السواء. ففي فجر الإسلام كانوا ركناً ثقافيا وسياسيا وعسكريا من الدولة العربية التي توسعت شرقا حتى بلاد السند وغربا حتى إسبانيا وكانوا أحد عناصر القوة الدافعة التي حملت الإسلام إلى خارج جزيرة العرب وبلاد الشام والتي شكلت أحد العناصر الحاسمة في توسع هذه الدولة ونموها وسيادتها على معظم العالم القديم.

في عصر النهضة الممتد طوال القرنين التاسع عشر والعشرين لم يغب العرب المسيحيون عن دورهم في اعادة احياء معالم العروبة ومضمونها الحضاري الجامع والمنفتح على الحضارات الأخرى الناهضة في مرحلة التراجع العربي. شكلوا حلقة وصل واتصال، وعمقا ثقافيا أصيلاً في العروبة ومتقدما في العصرنة والحداثة.

كان العرب المسيحيون ولا يزالون نتيجة لثقافتهم المتنوعة المناهل، يخلقون تحديا مستمرا في الثقافة والفكر، وهجرتهم تلغي هذا المعنى باعتباره تنوعا غنيا وتسلخ فئة كبرى عن أصولها العرقية والثقافية الأصيلة.

عندما نتحدث عن وجود المسيحيين في العالم العربي نعني بقاءهم فيه. فهم من عناصر التكوين الأولى التي يمنع بقاؤها قيام بيئة تفترش التعصب والتطرف وبالتالي العنف المؤدي إلى كوارث تاريخية.

بقاؤهم هو الرد بالفعل لا بالقول على مقولة إسرائيل في دولة الدين الواحد، والعرق الصافي، والشعب المختار. وكسر لأسس الفكر الصهيوني في نتائجه المعروفة والقائمة على الحديد والنار والدماء والدموع. والأهم من ذلك كله على فكرة إلغاء الآخر.

بقاؤهم ترسيخ للدولة العصرية المتعددة العنصر والمتنوعة في وحدتها ونفي قاطع لعنصرية الدولة.

بقاؤهم قوة لقضايا العرب في اتصالهم مع الغرب المسيحي اجتماعيا، ثقافيا واقتصاديا. أما هجرتهم فقوة معاكسة وعرضة لاستغلال بيئة تضيِّق مناخات الحوار والتواصل.

بقاؤهم خيار عربي باعتماد الديموقراطية وانتهاجها في الاحتكام إلى الإنسان والمواطن والعقل والحق والحرية والإبداع وتاليا انه ميل مؤكد لاغناء النسيج الاجتماعي العربي والدولة العربية العصرية، وهو خيار حاسم بتدمير منطق الحروب الأهلية كما حدث في لبنان في الأعوام 1840 ،1860 و1975 . وكما هو حاصل في السودان وكما يُخشى أن يحصل في مصر.

بقاؤهم، أخيراً وليس آخراً، هو منع لاستنزاف قسم مهم من الطاقات العلمية الثقافية والفكرية الخلاقة في العالم العربي، وهو أيضاً حرص أكيد على عناصر قوة اقتصادية في التجارة والصناعة والمال والتخصص المهني.

باختصار، إن هجرة العرب المسيحيين في حال استمرارها هو ضربة عميقة توجه إلى صميم مستقبلنا.

مهمتنا العاجلة منع هذه الهجرة، ترسيخ بقاء هذه الفئة العربية في شرقنا الواحد، والتطلع إلى هجرة معاكسة إذا أمكن."

 8- الحضور المسيحي في الشرق: من الإيمان الموروث إلى الإيمان المثقَّف والملتزم والمُصلّي

أ- كنيسة تُثقّف الإيمان:

إن انتقال الإيمان من مجرد واقع وراثي إلى قبول شخصي رهن، نوعًا ما، بالتعمق في الإيمان وتثقيفه، لأن جهل الإيمان أو السطحية فيه قد يؤدي إلى فقدانه، خاصة في إطار التحولات العميقة في أنماط الحياة في المجتمع الحالي، حتى في شرقنا، حيث تغيرت الأجواء التقليدية التي أسهمت في الماضي في المحافظة على الإيمان ودعمه. إن جهل الإيمان هو جهل المؤمن لنفسه. وعندما يجهل المؤمن نفسه يفقد هويته ودعوته ورسالته، وتفقد الجماعة المؤمنة أصالتها لتتحول إلى مجرد جسم اجتماعي انسلخ عن التفاعل الحي مع أصوله الإلهية. وفي هذا المجال لا يسعنا إلا أن نشيد بكل الجهود المبذولة والمبادرات الرامية إلى نشر الثقافة الدينية والوعي الكنسي والخبرة الروحية لدى المؤمنين البالغين عن طريق الحركات المسيحية المتعددة، والمؤسسات المناسبة، والمراكز والمعاهد المتخصصة. وندعو إلى مواصلة تلك الجهود وتكثيفها، وتوفير الإمكانات البشرية والمادية لها، فتسهم في خلق جيل جديد من المؤمنين المدركين معنى انتمائهم إلى مسيحهم وكنيستهم ومجتمعهم، فتصل رؤية الإيمان إلى كل مجالات حياتهم، العامة والخاصة، لتغنيها وتحييها بنور الإيمان.

ب - كنيسة تربي الإيمان:

أما التربية الدينية فتظل المكان الأساسي الذي فيه يعي المؤمن هويته المسيحية، وانتماءه الكنسي، ورسالته في المجتمع... لا نبالغ إذا قلنا إن الوجه الأصيل للمؤمن وحيوية الجماعات المؤمنة رهن، بشكل من الأشكال، بنوعية التربية الدينية التي يتقبلونها في الكنيسة. إن التربية الدينية حق للمؤمن وواجب عليه، وتنتظر من الكنيسة أن توفر لها الظروف الملائمة، والأدوات الناجعة، والمتابعة المستمرة، فتأخذ أهميتها ودورها في حياة الكنيسة في بلادنا، سواء أكان ذلك في البيت أو المدرسة أو الرعية... من الضروري أن تبقى التربية الدينية مجالاً أساسيًا من التزام كنائسنا ومؤسساتنا كي يصبح الإيمان "حيًا، وصريحًا، وفاعلاً"، في حياة المؤمن والجماعة المسيحية. وهنا نوجه تحية التقدير والمحبة لجميع الذين يكرسون حياتهم لمثل هذا العمل النبيل من كهنة ورهبان وراهبات وعلمانيين. إن كنائسكم تقدر جهودكم وتدعوكم إلى الاستجابة المستمرة لمتطلبات هذه الرسالة السامية بإعداد أنفسكم لها من الناحية العقائدية والتربوية والروحية.

ج - كنيسة تصلي الإيمان:

إن الإنسان الشرقي إنسان يصلي. يقف أمام ربه، في السراء والضراء، في حوار متصل يمجد الله وينقي القلب ويجدد الحياة. ومما لا شك فيه أن الحياة الروحية والليتورجية والافخارستية تشكل إحدى الثوابت البارزة في تاريخ شرقنا العزيز. إن الشرق المسيحي هو "الشرق الذي يصلي" (البابا بيوس الحادي عشر). ومن المعروف أن الصلاة الليتورجية كانت دومًا في كنائسنا الإطار الحي الذي تناقلت فيه الأجيال المتعاقبة وديعة الإيمان وعملت على تنشئته وتنميته في قلوب المؤمنين. إن الصلاة على أنواعها هي أسمى مظاهر الحضور المسيحي. وإذا ما اقترنت بالالتزام في المجتمع لتخصبه ويخصبها فإنها تعطي الصورة الحقيقية للمؤمن، الذي يستمد مخزونه الروحي من الوقوف أمام ربه فيتحول هذا المخزون إلى طاقة عمل والتزام في شتى مجالات الحياة.. (بند رقم22-24)

9- الحضور المسيحي في الشرق.. حوار وعيش مشترك

تقول رسالة البطاركة: الحوار موقف روحي قبل كل شيء يقف فيه المرء أمام ربه محاورًا، فتسمو نفسه، ويطهر قلبه ووجدانه، فينعكس ذلك على حواره مع نفسه وعلى حواره مع الآخرين، أفرادًا وجماعات. إن الحوار روحانية تنقلنا من الاستبعاد إلى الاستيعاب، ومن الرفض إلى القبول، ومن التصنيف إلى التفهم، ومن التشويه إلى الاحترام، ومن الإدانة إلى الرحمة، ومن العداوة إلى الألفة، ومن التنافس إلى التكامل، ومن التنافر إلى التلاقي، ومن الخصومة إلى الأخوة. ويعني الحوار مع الآخر معرفته والتعرف عليه والاعتراف به، معرفته كما يعرف هو نفسه، والتعرف عليه بكامل شخصيته، والاعتراف به كمكمل لنا أكثر منه خصمًا أو منافسًا أو عدوًا، وذلك بعيدًا عن الأفكار المسبقة من أي نوع كانت، والمصالح والأنانيات. في مثل هذه الأجواء يتحول الحوار إلى غنى متبادل من غير أن يتنازل أي من الطرفين عن ذاته أو عن تراثه أو عن شخصيته أو عن كيانه. ولا ريب في أن التعصب، بكافة أشكاله ـ باسم الله أو الدين أو القومية أو الطائفية أو الأرض أو العرق أو اللغة أو باسم الانتماء الحضاري أو الثقافي أو الاجتماعي ـ هو عدو الحوار الأول. (بند رقم46-47)

  أ - حوار من أجل الوحدة بين المسيحيين:

إن الحوار بين المسيحيين من أجل وحدة الكنيسة، في الشرق خصوصاً، هو حقيقة مصيرية، فإما أن "نكون مسيحيين معاً أو لا نكون" كما تقول رسالة البطاركة.. لقد وردت هذه العبارة في رسالتنا الأولى، ونود هنا أن نذكر ما ورد في تلك الرسالة تحت عنوان "إلى اخوتنا المسيحيين": "إن كنائسنا في الشرق تمتاز بقدمها، وغنى تراثاتها، وتنوع تعابيرها الطقسية، وأصالة روحانياتها وآفاقها اللاهوتية، وقوة شهادتها عبر القرون التي وصلت حتى الاستشهاد البطولي في بعض الأحيان. وكل هذا رصيد حي نحمله في قلوبنا، وحافز أمل عظيم، ومصدر ثقة وثبات نستلهمه بينما نتلمس طريق المستقبل. إن التنوع هو السمة الأساسية للكنيسة الجامعة والمسيحية في الشرق. ولقد كان هذا التنوع دومًا مصدر غنى للكنيسة جمعاء عندما عشناه في وحدة الإيمان وبروح المحبة. ولكنه، يا للأسف الشديد، تحول إلى انقسام وفرقة بسبب خطايا البشر وابتعادهم عن روح المسيح. ومع هذا فإن ما يجمعنا أكثر وأهم مما يفرقنا ولا يحول دون تلاقينا وتعاوننا. إن مسيحية الشرق، على انقساماتها، تشكل في أساسها وحدة إيمان لا تتجزأ. إننا مسيحيون معًا في السراء والضراء. فالدعوة واحدة والشهادة واحدة والمصير واحد. وعليه فنحن مطالبون بالعمل معًا، بشتى الطرق والوسائل، لتثبيت جذور المؤمنين الموكلين إلينا، بروح الأخوة والمحبة، في مجالات عدة يدفعنا إليها الخير المشترك لعامة المسيحيين، كما تدفعنا إليها تطلعات جميع المؤمنين من مختلف الكنائس المسيحية، الذين يضعون كبير آمالهم في تعاوننا وتقاربنا. في الشرق، نكون مسيحيين معًا أو لا نكون. وإن لم تكن العلاقات بين الكنائس في الشرق دومًا على ما يرام لأسباب كثيرة، منها الداخلية ومنها الخارجية، فقد حان الوقت أن ننقي ذاكرتنا المسيحية من رواسب الماضي السلبية مهما كانت مؤلمة، كي ننظر معًا إلى المستقبل بروح المسيح وبهدي إنجيله وتعاليم رسله".....

إن الوحدة المسيحية ليست في شرقنا ترفًا أو مجرد حديث أكاديمي، إنما هي جرح يعاني منه المؤمنون يوميًا، ويرجون أن تتكاثف الجهود لمداواة هذا الجرح الذي يشل حيويتنا ويحد من شهادتنا المسيحية.

ويقول البابا في ذلك: أحثُّ جميع المعنيين على مواصلة البحث عن الوحدة، بشجاعة وفطنة واحترام ووضوح، وهم ينهلون من معين الليتورجيا الإلهية القوة الأسرارية والحافز اللاهوتي الضروريين لمسيرة هذا التقارب... على قدر دقة المسائل، يتطلب هذا الحوار جهداً أكبر، فلا نستغربنَّ ذلك، ولا نستسلمنَّ للتراخي. مَن يستطيع أن يمنعنا عن وضع رجائنا في روح الله الذي لا ينفك يوقظ القداسة في تلامذة كنيسة المسيح؟.. تعلَّم مسيحيو سوريا، عن حاجة كما عن قناعة، فنَّ المشاركة والتعايش والصداقة. إنَّ التقارب المسكوني على مستوى العائلات والأطفال والشباب والمسؤولين الاجتماعيين، واعد لمستقبل إعلان الإنجيل في هذا البلد. إليكم يعود، أيها الأساقفة والرعاة، مرافقة دينامية التقارب والمشاركة الحميدة هذه، بحكمة وشجاعة. إنَّ التعاون بين المسيحيين، أكان على مستوى الحياة الاجتماعيَّة أو الثقافيَّة أو على صعيد تنمية خير السلام أو تربية الشبيبة، يُظهر جلياً الشركة الموجودة أصلاً بينهم (رسالة حبرية: "ليكونوا واحداً" رقم 75). (عظة الكنيسة المريمية، 3-5).

الشركة بين مؤسّسات كنائسكم المختلفة لا تقلل البتة عن الشركة الأسقفية في سينودس كلّ كنيسة، لا بل تزيدها قيمة، لأنها تعبير عن شركة شمولية أوسع ، تلك الشركة التي يجب إحياؤها دوماً ووضعها حيّز التنفيذ.

أود التعبير مجدّداً عن إعجابي بالوفاق السائد بين مسيحيي سوريا. إنّ حضور قداسة مار اغناطيوس زكا الأول وغبطة البطريرك اغناطيوس الرابع معنا، هو تعبير بليغ عن ذلك. يا صاحب الغبطة اغناطيوس الرابع، لقد أثّرتْ فيّ بياناتكم الأخيرة عن عمق الشركة الأخويّة الموجودة بين الكنائس المسيحيّة في هذا البلد، التي ترغبون في تقويتها أكثر فأكثر... إنّ الوفاق الحقيقي السائد بين البطاركة والأساقفة والمسؤولين الكنسيين والجماعات الكنسية في بلادكم، هو شهادة جميلة للمحبّة المسيحيّة في بلد أكثريّته مسلمة.

أجل نتذكّر أنّ كنيسة المسيح اكتشفت طابعها المسكوني الحقيقيّ في سوريا، وأنّها تبنت هنا رسالتها الشاملة. لقد عمل الرسولان بطرس وبولس، كلّ وفق النعمة التي نالها، على جمع عائلة المسيح الواحدة، فاستقبلا المؤمنين الآتين من ثقافات ومن بلدان مختلفة. إنّنا نرى بعين الرضى نموّ التعاون بين الكنائس والجماعات الكنسيّة. هذا التعاون يسهم حتماً في خدمة المصالحة والبحث عن الوحدة. ليكن لكم هذا التقارب مساعداً على تأدية شهادة مصداقيتها اكبر، ليسوع المسيح المائت والقائم "ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتتين" (يوحنا 11/52). وليُسِهم هذا التعاون في جعل كنيسة المسيح أكثر جمالا وصفاء، في نظر مؤمني سائر الأديان.

في هذا المضمار أيضا، أحثّكم على حوار حقيقي في الحياة اليوميّة، مطبوع بالاحترام المتبادل وبالضيافة. (خطاب رؤساء الكنائس، 2-4)

ويقول البطريرك هزيم للبابا: في هذه البلاد، أقام المسيحيون أنفسهم على حوار تآخ يومي يعينهم على تخطي العقبات الماضية. وقد وضعنا منذ بضع سنوات أساسات لتفاهم اكبر ولتعاون حقيقي في مجالات التعليم والرعاية. إن الحب الأخوي يحركنا اليوم اكثر مما مضى.. جعل الله مروركم بهذه الأرض توجيهاً لفكرنا ووعينا نحو اخوّة اعمق واصدق. نحن نعرف أنكم شخصياً تريدون أن تفهموا كنائسنا فهماً أفضل. أنكم تعرفون العقبات أمام الوحدة. على كل كنيسة من كنائسنا أن تساهم في تجاوزها كل واحدة بحسب المسؤولية التاريخية المتوجبة عليها. المهم هو أن لا نوصد أبوابنا في وجه نسائم الروح. انه يسرنا أن تسهر كنيسة روما على المحبة في الوحدة المستعادة، المحبة بالطبع بين الاخوة الذين خطايانا فرقتهم بل وأيضاً المحبة لكل إنسان في هذا الشرق العزيز على الله وفي كل العالم وذلك "حتى يؤمن العالم".

 ب- حوار من أجل العيش المشترك مع المسلمين:

 أما حول الحوار مع المسلمين، تضع رسالة البطاركة الثانية خطوطاً عريضة له، لتترك مجال التوسع فيه للرسالة الثالثة:

  1 - العيش المشترك خبرة قديمة :

إن حوارنا هو حوار مع اخوتنا المسلمين قبل كل شيء. إن العيش المشترك بيننا على مدى قرون طويلة يشكل خبرة أساسية لا عودة فيها، وجزءًا من مشيئة الله علينا وعليهم.... ومن المعروف أن الحوار الإسلامي المسيحي تجسد في بلادنا على مستويات كثيرة في التاريخ لعل أهمها هذا الحوار اليومي البعيد عن الشكليات الذي يجري في خضم الحياة اليومية، حيث عملت حكمة الفريقين على تطوير عيش مشترك يمتاز بغنى التواصل والتعاون. كما تجلى أيضًا في حوارات أكاديمية لا يزال نتاجها الأدبي قائمًا حتى اليوم. ومع أن مثل هذه الحوارات اتسمت في بعض الأحيان بالجدل العقيم، إلا أننا نلمس أن الكثير منها جرى من منطلق الرغبة في المعرفة في جو من الألفة والصراحة والانفتاح والموضوعية.

2 - مسؤولية متبادلة :

.. إن المسيحيين والمسلمين تشاركوا في "العيش والملح" قرونًا طويلة. وهذا ما يلقي على الطرفين مسؤولية متبادلة. فالإسلام يتحمل مسؤولية كبرى في هذا المجال إذ إنه مدعو إلى تطمين المؤمنين المسيحيين الذين يعيشون معه في الوطن الواحد. إن المسلم في الشرق لا يستطيع أن يطور أي مشروع لنظام اجتماعي وسياسي من غير أن يأخذ بالحسبان الجماعة المسيحية بشكل يعطيها الثقة، لا بأن حقوقها الدينية محفوظة فحسب، بل أيضًا بأنها جزء لا ينفصل عن حياة المجتمع، وكاملة العضوية في الجماعة الوطنية، بما فيها من حقوق وواجبات (وهذا ما أكدّه الأمير طلال في مقاله السابق الذكر). والمسيحيون، من جانبهم، يتحملون مسؤولية مماثلة تدعوهم إلى التخلص من العقد الاجتماعية والنفسية، التي خلفها لهم التاريخ، فيجدوا في إيمانهم ما يحررهم من كل ما يحول دون قبولهم لذاتهم، ودون تلاقيهم مع الآخر، فيتحول حضورهم إلى التزام إيجابي وصادق وحازم في حياة مجتمعاتهم. بهذا يساعد المسيحيون مجتمعهم على أن يستوعبهم ويلقي إليهم نظرة إيجابية. إن المسيحيين والمسلمين لا يحدون من حرية بعضهم البعض، بل يجدون أنفسهم مدعوين معًا إلى مستوى اعمق من الحرية تتيح لهم لقاء الآخر في الصفاء الروحي ..، كما تمكنهم من مواصلة هذه الخبرة التاريخية، الخصبة والغنية، مع ما يعتريها من صعوبات. إننا مدعوون إلى تغيير تلك الآلية السلبية التي يمكن أن تتحكم بعلاقاتنا المتبادلة، وإبطال مفعولها، وتحويلها إلى آلية تقبل العيش في الاختلاف. لا يكفي أن يكون بعضنا بجانب البعض، بل بعضنا مع البعض، في سبيل خير الإنسان في بلداننا. إن خبرتنا تمتاز بدينامية مستمرة تستوعب المستجدات وتتطلع إلى المستقبل. وحبذا لو تشكلت منابر أو مؤسسات حوارية فيها نلتقي بشكل دوري كي نبلور ونطور معًا نمط تواصل وتبادل وتعاون يعود بالخير على الجميع. (بند رقم48-49)

يقول البابا: المسلمون والمسيحيّون على السواء يكِّرمون ويحترمون أماكن الصلاة، كواحات يلتقون فيها الله الكليَّ الرحمة في رحلتهم نحو الحياة الأبديَّة، كما يلتقون فيها أيضا أخوتهم وأخواتهم في الدين. في الأعراس أو المآتم أو الاحتفالات الأخرى، يقف المسلمون والمسيحيون موقف احترام صامت من صلاة بعضهم البعض، شاهدين بذلك لما يوحِّدهم، دون إخفاء ما يميِّزهم أو التنكُّر له.

في الجوامع وفي الكنائس، يصوغ المسلمون والمسيحيون هويَّتهم الدينيّة. وفيها يتلقَّى الشباب قسماً كبيراً من تربيتهم الدينيَّة. فما مدلول الهويَّة الذي يُلقَّن للشبيبة المسيحيَّة والإسلاميَّة في الكنائس وفي الجوامع؟ رجائي الحارّ أن يقدم المسؤولون الروحيون ومعلمو الدين، المسلمون والمسيحيون، ديانتينا العظيمتين كديانتين ملتزمتين بحوار يسوده الاحترام لا ديانتين متصارعتين. إنه من الأساسي أن يُلقَّن الشباب سبل الاحترام والتفاهم، لئلا يسيئوا استعمال الدين نفسه لإثارة الحقد والعنف وتبريرهما. العنف يهدم صورة الخالق في خلائقه، فحذار من اعتباره ثمرة قناعة دينية.

إنه لمن المهم أن يتابع المسلمون والمسيحيون البحث معاً في القضايا الفلسفية واللاهوتية، حتى يصلوا إلى معرفة المعتقدات الدينية لدى بعضهم البعض بشكل أكثر موضوعية وعمقاً. إن الفهم المتبادل الأفضل سوف يؤدي بالطبع، على المستوى العملي، إلى أسلوب جديد لإظهار أن ديانتينا ليستا متعارضتين،كما حدث مرارا كثيرة في الماضي، بل متفقتين من أجل خير العائلة الإنسانية.

الحوار بين الأديان يكون أكثر فعالية عندما ينبع من خبرة "العيش معاً"، يوما بعد يوم، في نفس الجماعة ونفس الحضارة. لقد عاش المسيحيون والمسلمون في سوريا جنبا إلى جنب، خلال قرون، واستمر بينهم، من دون توقف، حوار حياتي غني. كل فرد وكل عائلة تختبر أوقات تناغم كما تمر بأوقات ينقطع فيها الحوار. الخبرات الإيجابية يجب أن تُشدد جماعاتنا في رجاء السلام؛ ولا يُسمَحَن للخبرات السلبية أن تخيّب هذا الرجاء. علينا أن نطلب الغفران من القادر على كل شي عن كل مرة أهان فيها المسلمون والمسيحيون بعضهم بعضا، كما علينا أن يغفر بعضنا لبعض. يعلّمنا يسوع أنّه يجب أن نغفر إهانات بعضنا البعض إذا أردنا أن يغفر الله خطايانا (متى 6/14).

كوننا أعضاء في العائلة الإنسانية الواحدة ومؤمنين، علينا واجبات نحو الخير العام، ونحو العدالة ونحو التضامن. الحوار بين الأديان يؤدي لا محالة إلى أنواع شتى من العمل المشترك، خاصة في القيام بواجب الانتباه إلى الفقير والضعيف. هذه هي علامة صدق عبادتنا لله. (خطاب الجامع الأموي، 3-4)

بهذه الروحيّة، يغدو الحوار بين الأديان والتعاون المتبادل، لاسيما بين المسيحيين والمسلمين، إسهاما مهما في السلام والتفاهم بين الناس وبين الجماعات. وعلى هذا الحوار أن يوصل أيضا إلى شهادة مشتركة من أجل الاعتراف الكامل بكرامة الشخص البشري. (خطاب رؤساء الكنائس، 5)

خاتمة

أختم حديثي بخاتمة رسالة البطاركة حيث تقول: لقد تأملنا وإياكم في هذه الرسالة الراعوية في شتى المواضيع التي تهم عن قرب حضور الشهادة والرسالة الذي نود أن يدمغ الوجود المسيحي في بلادنا. إن هذا التفكير الذي نعرضه عليكم، أينما كنتم ومهما اختلفت أوضاعكم، لا نعتبره نقطة نهاية، بل منطلقًا لتفكير حقيقي وواسع في كنائسنا. وهذا ما يفرض تواصلاً دائمًا بيننا وبينكم ينشأ عنه مشروع كنسي نصوغه معًا ونهتدي به في هذه الظروف المصيرية من تاريخنا وتاريخ المنطقة. وأملنا أن تفتح هذه الرسالة الجماعية، التي تصدر لأول مرة في التاريخ عن جميع البطاركة الكاثوليك في الشرق، باب التفكير والتبادل والتشاور فيتمخض عن ذلك مبادرات عملية تبلور شيئًا فشيئًا طبيعة حضورنا وشهادتنا، مجدًا لله وخدمة للناس أجمعين.

إن السيد المسيح هو "الألف والياء، والأول والآخر، والبداية والنهاية"، وهو يرافقنا، كما رافق تلميذي عماوس ليفسر لنا الكتب، ويهدينا سواء السبيل، ويسير بنا إلى مجد قيامته. إنه نقطة الارتكاز التي تجمع بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وتتيح لنا، انطلاقًا منها، أن نتحرك في كل الاتجاهات بحرية وثقة وفرح وجرأة وحماس. وهو الذي نتعرف عليه في كل إفخارستيا نحتفل بها فيسندنا ويشجعنا ويقوينا ويقدسنا. إنه السيد الذي به ومعه ومن أجله نسير بقوة الروح القدس لمجد الله الآب. ونعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الآب وشركة الروح القدس تكون معكم جميعًا. آمين (بند رقم59-60).

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati