جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - رسالة البابا يوحنا بولس الثاني إطلالة الألف الثالث للأرشمندريت أغناطيوس ديك
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2001 - 2002

 

الأرشمندريت إغناطيوس ديك

رسالة البابا يوحنا بولس الثاني
إطلالة الألف الثالث
( القسم الأوّل )

 
 

تمهيد

 أصدر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في 6 كانون الثاني 2001 عقب الانتهاء من الاحتفالات بالذكرى الألفين للميلاد رسالة عامة يقيّم فيها ثمار اليوبيل ويضع فيها الخطوط لانطلاقة جديدة في مطلع الألف الثالث.

ليس يوبيل الألفين نهاية المطاف بل اندفاع إلى الأمام لبدء جديد.

كان اليوبيل نعمة كبيرة لربما لم نستفد منها في العمق في بلدنا. على كل كنيسة محليّة أن تستعيد ما قاله لها الروح في حقبة اليوبيل وفي الفترة الأطول التي بدأت منذ نهاية المجمع الفاتيكاني الأخير. لتفكّر بوضعها لتجد انطلاقة جديدة روحية ورعوية. وأحب البابا من منصبه كخليفة بطرس أن يقدم مساهمته في هذه الرسالة العامة كي تزدهر الكنيسة في اختلاف مواهبها ووحدة طريقها. وتشتمل الرسالة على أربعة فصول ويمكن تقسيمها إلى قسمين. القسم الأول مراجعة الماضي ثمار اليوبيل (فصل1) والنظرة إلى المسيح(فصل 2). القسم الثاني الانطلاقة مع المسيح: الاتحاد بالله (فصل 3) والتوجه بالمحبة نحو القريب (فصل4).

1 - ثمار اليوبيل اللقاء مع المسيح

 يقول قداسة البابا: في وثيقة إعلان اليوبيل تمنيّت أن يكون الاحتفال بالألفية الثانية للتجسّد نشيد حمداً غير منقطع للثالوث وطريق مصالحة وعلامة رجاء لكل الذين يتطلعون إلى المسيح وكنيسته.

التسبيح

 المسيحية نعمة. لم يكتفِ الله بخلق الإنسان بل جاء إليه ألفا سنةلم تخفّف من هذا الفرح الذي انفجر يوم أعلن الملائكة: اليوم ولد لكم مخلّص ... وتزامُن الاحتفالات مع نهاية العشرين قرناً يظهر أن المسيحية مغروسة في الزمن والتاريخ. فالمسيح جاء لما تمّ ملء الزمن وهو هو أمس وإلى الأبد. هو الألف والياء. وإننا مع تأملنا في المسيح قدمنا السجود معه للآب والروح مكرمين الثالوث الواحد وغير المنقسم الذي يجد فيه كل شيء بدايته وكماله.

 تنقية الذاكرة

 ولكي تبقى نظرتنا أكثر نقاء لتأمل السّر اتسمت هذه السنة بالعودة إلى الذات وطلب المغفرة ليس فقط على المستوى الشخصي بل أيضاً الجماعي. الكنيسة تحوي بين أعضائها الكثير من الخطأة وهي مقدسة وفي الآن نفسه بحاجة إلى التنقية. وكيف ننسى ليتورجيا 12 آذار 2000 حيث مثلت الكنيسة في طلبها الغفران لأبنائها. إن تنقية الذاكرة ثبّتت خطانا نحو المستقبل وجعلتنا أكثر إتضاعاً وحرصاً في تقبلنا الإنجيل.

 شهود الإيمان

 إن الإحساس بالتوبة لم يحل دون إسداء الشكر على قافلة القديسين والشهداء الذين زيّنوا الكنيسة ومنهم من كانت سنة اليوبيل مناسبة إعلان طوباويتهم وقداستهم. باباوات أو علمانيين. القداسة هي البعد الذي يمثل بشكل أجلى سرّ الكنيسة. وكان اليوبيل مناسبة لاستعراض قافلة شهداء القرن العشرين في الكوليزيه.

 الحجّ – مسيرة الكنيسة

 توافد المؤمنون إلى قبر الرسل لإعلان إيمانهم والاعتراف بخطاياهم. كنت أشهد طوابير الزوار ينتظرون دورهم لعبور الأبواب المقدسة وأتخيّل مسيرة حياتهم الممزوجة بالفرح والهموم والآلام مسيرة اقتحمها المسيح وأخذت من خلال الحوار معه طريق الرجاء. من يعرف مفاعيل النعمة التي تحققت في القلوب.

الشبيبة

إن احتفالات اليوبيل جمعت مختلف الفئات التي تجاوبت بشكل مؤثر و أربكت أحياناً المسؤولين عن التنظيم (الكنسيون منهم والمدنيون). و استفيد من هذه الرسالة لأوجه للجميع آيات شكري ولكن ما أثر فيَّ أكثر من العدد هو عمق الالتزام والصلاة. كيف لا أذكر لقاء الشبيبة العالمي الذي انطبع في الذاكرة أكثر من سواه. إلتقيتهم في اللاتران وفي الاحتفال الإفخارستي في تور فرغاتا. عندما نرى مشاكل الشبيبة والأخطاء التي تتعرض لها في عصرنا قد نتشاءم لكن يوبيل الشبان أرانا شبيبة تسعى رغم بعض الالتباسات إلى القيم الحقيقية التي تجدُ ملئها في المسيح. أليس المسيح سر الحرية الحقّة وفرح القلب العميق أليس الصديق الأوفى. إذا قدمنا المسيح للشبان بوجهه الحقيقي يرون فيه جواباً مقنعاً وهم يتقبلون نداءه وإن كان متطلباً وموسوماً بالصليب.

 الحجّاج من مختلف الفئات

 لا أستطيع أن أتوقف عند تفاصيل ثائر احتفالات اليوبيل ولكن أذكر خاصة لقاء الأطفال، المسنّين، المرضى المعاقين العمال الرياضيين الفنانين أساتذة الجامعة الأساقفة والكهنة والمكرسين رجال السياسة والإعلام وحتى الجنود.

كان لتجمع العمال في 1 أيار زخم خاص وطلبت من العمال أن يعيشوا روحانية العمل على مثال القديس يوسف والمسيح نفسه. وكان يوبيلهم مناسبة للدعوة إلى تصحيح التفاوت الاقتصادي والاجتماعي وإلى التعامل مع ظاهرة العولمة بشكل يحترم كرامة على إنسان.

وعاد الأولاد في لقاء العائلات التي جاءت تنعش على ضوء المسيح رسالتها في مجتمع بدأ يفقد معنى الزواج والمؤسسة العائلية وكان أيضاً لقاء مع المساجين ثم مع محترفي فنّ التمثيل الذين من واجبهم ليس فقط الترفيه بل إعطاء الثقة ومحبة الحياة.

 المؤتمر القرباني الدولي – والتكريس للعذراء

 إبراز دور القربان المقدس والعذراء في حياة الكنيسة.

 البعد المسكوني والشمولي

 لم يقم اليوبيل فقط في روما بل في سائر الكنائس المحلية والأبرشيات. مع ذلك شعر الكثير من الأبرشيات أهمية القدوم إلى روما مع عدد من المؤمنين. وتبين هكذا شمولية الكنيسة.

وحرصت على أن يلحظ في الاحتفالات اليوبيلية البعد المسكوني. جهود كبيرة بذلت وأهمها اللقاء في كنيسة القديس بولس في 18كانون الثاني 2000 حيث للمرة الأولى في التاريخ فتح الباب المقدس رمز اليوبيل من قبل خليفة القديس بطرس ورئيس الشركة الأنكليكانية ومتروبوليت من البطريركية القسطنطينية بحضور ممثلي كنائس وجماعات كنسية من العالم أجمع.

 الحج إلى الأرض المقدسة

 وكيف لا أذكر حجي الشخصي على طرق الأرض المقدسة. كنت أود أن أبدأ بأور الكلدانيين لأسير حسياً على خطى إبراهيم أبينا في الإيمان ولكني اضطررت إلى الاكتفاء بوقفة روحية في ليتورجية الكلمة في قاعة بولس السادس (23 شباط) ثم تبع ذلك حالاً الحج الفعلي متخذاً مسيرة تاريخ الخلاص. وتوقفت باغتباط في جبل سيناء حيث أعطيت الوصايا وأبرم العهد الأول. وبعد شهر تابعت المسير وصعدت إلى جبل نابو ثم ذهبت إلى الأمكنة ذاتها التي سكنها المخلص وقدسها. ولا يسعني أن أصف التأثر الذي غمرني عند تكريمي أمكنة مولد المسيح وحياته في بيت لحم والناصرة واحتفالي بالإفخارستيا في مكان تأسيسها، وتأملي مجدداً في سر الصليب عند الجلجلة حيث بذل يسوع حياته من أجلنا. في هذه الأمكنة التي تعاني من العنف لقيت استقبالاً خارقاً ليس فقط من قبل أبناء الكنيسة بل أيضاً من قبل السلطات والجماعات الإسرائيلية والفلسطينية. هذا الحج كان لحظة تآخي وسلام اعتبره من أجمل هدايا الحدث اليوبيلي ولا يسعني إلا أن أجدد تمنياتي بالبلوغ إلى حل سريع وعادل للمشاكل التي لاتزال عالقة في هذه الأمكنة التي يقدسها اليهود والمسيحيون والمسلمون على السواء.

 الدَين الدولي

 وكان اليوبيل أيضاً مدعاة للمساعدات الخيرية ونوَهت خاصة بمعضلة الديون الدولية المترتبة على البلدان الفقيرة. وإني لسعيد لأن عدة برلمانات صوّتت بشأن تقليص ديون الدول الأكثر فقراً.

إن اليوبيل ترك فينا أثراً عميقاً وذكريات أهمها تأمل وجه المسيح والآن يجب أن ننطلق إلى الأمام ولا نتوقف. وقبل أن أعرض عليكم بعض توجيهات عملية أريد أن نتعمق في سر المسيح الذي هو الأساس المطلق لكل عمل رعوي.

2 - التأمل في وجه المسيح

 "نريد أن نرى يسوع"، هذه الرغبة التي أبداها بعض اليونانيين للرسول فيليبوس لا تزال ترن في أذننا. مثل هؤلاء الحجاج لألفي سنة خلت رجال اليوم، أحياناً بشكل غير واعٍ، يطلبون من المؤمنين اليوم ليس فقط أن يحدثوهم عن المسيح ولكن نوعاً ما أن يروهم إياه. ألم تتقبل الكنيسة مهمة إعلان وجه المسيح في سائر مراحل التاريخ ولجيلنا هذا في مطلع هذه الألفية. وإن شهادتنا تبقى ضعيفة إن نحن لم نتأمل في وجهه مثبتين نظرنا إليه في نهاية هذا اليوبيل.

شهادة الأناجيل

 الإنجيل يكشف لنا وجه المسيح فهو شهادة الرسل الذين اختبروا المسيح كلمة الحياة وسمعوه بآذانهم ولمسوه بأيديهم، وتأيدوا بالروح القدس لفهم كلامه.

والأناجيل رغم تعقيدات تدوينها وهدفها التعليمي توصل إلينا نظرة إيمانية مستندة إلى شهادة تاريخية دقيقة وأهلاً للتصديق.

أجل لا تدّعي الأناجيل أنها سيرة كاملة ليسوع وفق مقاييس العلم التاريخي المعاصر. بيد أنه من خلالها يتجلى وجه يسوع الناصري بشكل تاريخي ثابت لأن الإنجيليين توخوا جمع المعلومات الجديرة بالثقة مستندين إلى وثائق أقرت بها الكنيسة. واستناداً إلى هذه الشهادات علموا حدث ميلاده البتولي وحياته في الناصرة كنجار وتردده إلى الهيكل سنوياً وإلى مجمع الناصرة (لوقا 4/16) وتزداد التفاصيل في حقبة رسالته العلنية ابتداء من معموديته على يد يوحنا وشهادة السماء له: "أنت الابن الحبيب". وباشر وعظه بإعلانه مجيء ملكوت الله داعماً إياه بقوة الكلام وعلامات نعمة الله ورحمته. ويرينا إياه الإنجيل يجوب المدن والقرى يحيط به الرسل الاثنا عشر الذين اختارهم. ومجموعة من النساء يقمن بالخدمة وجماهير تبحث عنه وتتبعه ومرضى يلتمسون الشفاء ومحاورون يصغون إلى كلامه.

ويظهر لنا الإنجيل التوتر المتزايد الذي نشأ بين يسوع والجماعات الدينية المتنفذة حتى الأزمة النهائية التي أدّت إلى فاجعة الجلجلة. إنها ساعة الظلام التي تبعها فجر جديد مشرق. فالنصوص الإنجيلية تنتهي بإبراز الناصري يقهر الموت وتؤكد على وجود القبر فارغاً وتروي سلسلة الظهورات التي أثارت القلق والدهشة في التلاميذ ثم ملأتهم فرحاً لا يوصف إذ اكتشفوه حياً مشعاً وتقبلوا منه عطية الروح القدس ومهمة إعلان الإنجيل لكافة الشعوب (متى 28/19).

 طريق الإيمان

 رغم معاينتهم يسوع وتعايشهم معه لم يدرك الرسل سرّ يسوع إلا بالإيمان. تبيّن ذلك في حدث قيصرية فيليبوس لما سأل يسوع تلاميذه: "ماذا تقول عني الناس"؟ لاحظوا في هذا المعلم شأناً خارقاً إلى أنهم لم يتمكنوا من أن يعتبروه أكثر من رجال الله الذين أثروا في تاريخ إسرائيل. إن يسوع أمرٌ آخر وينتظر من أخصائه خطوة إضافية في المعرفة تبلغ إلى عمق شخصه: وأنتم من تقولون إني هو (متى 16/15). أجاب بطرس: أنت المسيح ابن الله الحي (متى 16/16). كيف وصل بطرس إلى نظرة الإيمان هذه؟ يشير المسيح إلى ذلك في جوابه لبطرس: ليس اللحم والدم كشف لك هذا ولكن أبي الذي في السماوات. طرق المعرفة العادية لا تكفي لا بد من نعمة خاصة من الله. ويشير القديس لوقا إلى أن حوار يسوع هذا مع تلاميذه تمّ بينما كان يسوع يصلّي على انفراد (لوقا 9/18). وحدها خبرة الصمت والصلاة تؤمن لنا الإطار الذي فيه معرفة هذا السر يمكنها أن تتعمق وتنضج. وذروة التعبير عن هذا السر إعلان الإنجيلي يوحنا: والكلمة صار جسداً وسكن بيننا وقد رأينا مجده المجد الذي حازه من الآب كابن وحيد مملوء نعمة وحق (يوحنا 1/14).

 عمق السر

الكلمة والجسد. المجد الإلهي والسكنى بين الناس. ففي الاتحاد الصميم غير المنفصل لهذين القطبين تكمن هوية المسيح وفق التعبير القديم للمجمع الخلقيدوني أقنوم واحد في طبيعتين. الأقنوم هو أقنوم الكلمة الأزلي. الطبيعتان بدون امتزاج ولا انقسام هما الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية. إننا نعي الطابع المحدود لمفاهيمنا وتعابيرنا. بيد أن العبارة موزونة بدقة وتتيح لنا أن ندرك عمق سر المسيح. نعم يسوع إله حق وإنسان حق. مع توما نسجد له بعد أن عاينّا جروحه "ربي وإلهي".

الكلمة صار جسداً! إن العهد الجديد بأكمله يؤيد هذا التصريح المدهش ليوحنا. والقديس بولس هو على الخط نفسه عندما يقول أن ابن الله ولد بالجسد من نسل داود (روم 1/3، 6/5). إن كان في عصرنا من جراء العقلانية المنتشرة تشكل ألوهية المسيح مشكلة ففي محيطات ثقافية وتاريخية أخرى كانوا يقللون من الحقيقة الحسية والتاريخية لناسوت المسيح. ولكن في نظر إيمان الكنيسة لا بد أن نؤكد أن الكلمة أصبح حقيقة جسداً وأنه اتخذ جميع الأبعاد الإنسانية ما عدا الخطيئة (عبرانيين 4/15). ومن هذا الملحظ يصبح التجسد من قبل ابن الله إفراغ الذات والتخلي عن المجد الذي كان له من الأزل (فيليبي 2/6-8، 1بطرس 3/18). بيد أن هذا التنازل ليس غاية بحد ذاته إذ يؤول إلى تمجيد المسيح حتى في بشريته. لذلك رفعه الله فوق الجميع ومنحه اسماً يفوق كل اسم ليجثو لاسمه كل ما في السماوات وتحت الأرض ويعترف كل لسان بأن يسوع رب لمجد الله الآب (فيليبي 2/9-11).

إن توق صاحب المزامير " ابتغي وجهك" (مزمور27 (26)/8) يتحقق بشكل أكمل في التأمل في وجه المسيح الذي فيه باركنا الله وأضاء علينا بوجهه (مزمور 67 (26)2). وفي الوقت نفسه بما أنه إله وإنسان معاً فهو يكشف للإنسان عن حقيقة ما هو الإنسان.

يسوع هو الإنسان الجديد الذي يدعو الإنسان المفتدى لتجاوز حدوده وتناقضاته ليشارك الله في حياته الحميمة ويركز الآباء على البعد الخلاصي لسر التجسد. لأن الله أصبح إنساناً يستطيع الإنسان أن يصبح من خلاله حقيقة ابن الله.

 وجه الابن

هذه الهوية الإلهية الإنسانية تبرز بوضوح في الأناجيل التي تتيح لنا أن ندخل إلى ضمير المسيح لنعرف كيف يعي ذاته. كلماته الأولى لما دخل الهيكل في سن الثانية عشرة تظهر أنه يعي علاقاته الخاصة مع الله. لما عاتبته أمه على غيابه أجابها: أما تعلمين أنه يجب لي أن أكون لما هو لأبي.

واتضحت تصريحاته في حياته العلنية متى 11/17، لوقا 10/22 لاسيما يوحنا 10/38 "الآب فيّ وأنا فيه ويوضح" يوحنا أن إدانته في آخر المطاف كانت من جراء ذلك. كانوا يبغون قتله ليس فقط لأنه كان ينقض راحة السبت بل لأنه كان يقول أن الله أبوه مساوياً نفسه بالله (يوحنا 5/18). في جتسماني والجلجلة تعرض ضمير المسيح الإنساني لأقسى المحن بيد أن مأساة الآلام والموت لم تزعزع قناعته بأنه ابن الآب السماوي.

 وجه الألم

إن تأمل وجه المسيح يقودنا إلى أكبر مفارقة في سره تظهر في الساعة الأخيرة ساعة الصليب سر في قلب السر لا يستطيع الكائن البشري إزاءه إلا أن يجثو ويسجد.

إن مشهد النزاع في بستان الزيتون يرتسم بقوة تجاه أعيننا. يسوع يرزح أمام المحنة التي تنتظره ويخاطب أباه كعادته بكل ثقة: "أبّـا" ويطلب منه أن يزيح عنه كأس العذاب إن أمكن (مرقس 14/36) ولكن يبدو أن الآب لا يصغي إلى صوت ابنه. فيسوع كي يعيد للإنسان وجه أبيه لم يكتف باتخاذ وجه البشر بل أراد أن يحمل على عاتقه وجه الخطيئة: "ذاك الذي لم يعرف الخطيئة جعله الله خطيئة من أجلنا كيما نصير فيه برّ الله" (2 قور 5/21).

لن ننته من سبر أعماق هذا السر. إن قساوة هذه المفارقة تتجلى في صرخة الألم، صرخة اليأس ظاهرياً، التي أطلقها من على الصليب: إلهي إلهي لـمَّا شبقتني، أي إلهي إلهي لِمَ تركتني؟ هل من الممكن أن نتصور عذاباً أعظم وظلمةً أكثر ادلهماماً؟ ولكن هذه الصرخة: "لماذا؟" التي وجهها يسوع لأبيه مستخدماً مطلع المزمور 22 مع كونها تنمّ عن ألم لا يوصف فإنها تتضح على ضوء مجمل الصلاة التي يمزج فيها صاحب المزامير بشكل مؤثر عواطف الألم والثقة. يتابع المزمور: عليك توَّكل آباؤنا، توكلوا فنجيتهم إليك صرخوا فنجوا وعليك توكلوا فلم يخزوا... لا تتباعد عني فقد اقترب الضيق ولا معين (مزمور 22 (21) 12،6،5).

إن صرخة يسوع على الصليب ليست صرخة يائس بل صلاة ابن يقدّم حياته لأبيه بملء الحب لأجل خلاص الجميع. لا يزال ينعم برؤية أبيه ولذا يتألم بحدة في نفسه من جراء الخطيئة. ويتساءل اللاهوتيون كيف من الممكن أن يجمع يسوع في نفسه في آن واحد اتحاده العميق بأبيه ينبوع الفرح والسعادة والنزاع حتى صرخة الانخزال. إن تزامن هذين العنصرين اللذين يبدوان متنافرين متأصل في عمق الاتحاد الأقنومي الذي لا يسبر غوره.

تجاه هذا السر نجد بعض التفسير ليس فقط انطلاقاً من البحث اللاهوتي بل من اللاهوت المعاش للقديسين الذين تقبلوا أنواراً خاصة من الروح القدس أو اختبروا في نفسهم هذه المحنة الرهيبة التي يسميها تقليد الصوفيين "الليل المظلم" كثيراً ما عانى القديسون ما يشبه خبرة المسيح على الصليب. إنه مزيج مذهل من السعادة والألم. وفي "حوار العناية الإلهية" يظهر الله الآب للقديسة كاترينا السيانية أن في النفوس القديسة يمكن أن تتواجد السعادة مع الألم: تتألم النفس من جراء خطايا البشر وهي سعيدة لاتحادها مع الله وفيض المحبة الذي قبلته. هؤلاء يتشبهون بالحمل البريء ابني الوحيد الذي كان على الصليب سعيداً ومتألماً. وشهدت القديسة تريزيا الطفل يسوع لخبرتها في نزاعها إذ كتبت: كان ربنا في بستان الزيتون يتمتع بكل أطايب الثالوث ورغم ذلك لم يكن نزاعه الأخير أقل قساوة. إنه سرّ ولكني أؤكد أنني أفهم شيئاً منه بفضل ما أعانيه (الدفتر الأصفر 6 تموز، الأعمال الكاملة ص 1007).

ويظهر الإنجيليون أن يسوع في قمة الألم لا يزال المحب للبشر ولأبيه فهو يغفر لصالبيه ويتوجه لأبيه باستسلام بنويّ إلى أقصى الحد: يا أبتاه، بين يديك أسلم روحي (لوقا 23/46).

 وجه القائم من الموت

إن التأمل بوجه المسيح لا يقتصر على وجه المصلوب. لقد قام وإلا فكرازتنا باطلة وإيماننا باطل (1 قور 25/14). كانت القيامة جواب الآب على طاعته: في أيام حياته البشرية رفع الدعاء والابتهال بصراخ شديد ودموع ذوارف إلى الذي بوسعه أن يخلصه من الموت فاستجيب لتقواه وتعلم الطاعة وهو الابن بما عانى من الألم. ولما بُلغ به الكمال صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبديّ (عبرانيين 5/7-9).

ومن ثم فالكنيسة تشخص إلى المسيح القائم من الأموات وهي تتبع بطرس الذي أكد له حبه بعد بكائه لنكرانه: أنت تعلم أني أحبك، وترافق بولس الذي صعق بلقائه المسيح على درب دمشق "أما أنا فالحياة عندي هي المسيح والموت ربح" (فيليبي 1/22).

ألفا سنة بعد هذه الأحداث لا تزال الكنيسة تعيشها وكأنها حدثت اليوم وهي العروس تتأمل في وجه المسيح كنزها وفرحها. ما أعذب ذكرى المسيح الفرح الحقيقي للقلب. والكنيسة وقد تشددت بهذه الخبرة تستأنف مسيرتها لإعلان المسيح للعالم في بدء الألف الثالث. "يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد" (عبرانيين 13/8).

 

الجزء الثاني من رسالة البابا

 

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati