جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - حلب تلاقي الثروات والحضارات للأرشمندريت أغناطيوس ديك
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2002 - 2003

 

الأرشمندريت اغناطيوس ديك

حلب تلاقي الثروات والحضارات

النهضة المسيحية في القرنين السابع عشر والثامن عشر

 
 

أرض أخصبها التاريخ

تحمل حلب في طياتها خمس ألفيات من التاريخ

إنها إحدى كبريات المدن القلائل التي بوسعها أن تفخر بمثل هذا الماضي

عرفت حضارات مختلفة مرت عليها تباعا من دون أن تفقد هويتها وميزتها.

خلال هذه المسيرة الطويلة هناك ثلاث ثوابت :

- الموقع الجغرافي:(من الشرق إلى الغرب) هي في وسط الطريق بين المنعطف الغربي للفرات والبحر المتوسط، (ومن الشمال إلى الجنوب) على الطريق المؤدي من الأناضول إلى قلب سوريا.

- تعلق الحلبيين بمدينتهم وولائهم لها.

- الطابع الديني العميق للمدينة.

وهناك تغيرات من جراء تبدل الحدود(الشرقية و الشمالية)ومن جراء تقلب الأوضاع السياسية والأمنية.

ومن ميّزات حلب:

  • أنها طريق الغزوات ونقطة مجابهة بين قوات المنطقة المتصارعة.

  • أنها طريق المبادلات التجارية والمواصلات ونقطة التلاقي بين الحضارات .

وفي تاريخها الطويل ثلاث حقبات كبيرة:

1- الحقبة السامية القديمة حيث كان اسمها حلبو.

2- الحقبة الهلينية والرومانية حيث تسمت بيرية واكتسبت مسحة من الثقافة اليونانية

3- الحقبة العربية حيث استعادت اسمها حلب .

1- الحقبة القديمة :

حلب معاصرة لمدينتي ايبلا وماري وكان بالإمكان أن يحل بها ما أصابهما وأن لا تعرف إلا من خلال الحفريات.

  • العصر الذهبي فترة الدولة المستقلة (يمحاض):

وأوجها من القرن الثامن عشر حتى القرن السادس عشر قبل المسيح وكانت حلب مدينة ذات سيادة تتعامل على قدم المساواة مع بابل وايبلا وماري. وكانت المركز الرئيس لسوريا الشمالية من الفرات إلى أوغاريت تخضع لها عشرون مدينة ثانوية. وشغلت حلب الفراغ الذي تركته ماري على أثر تدميرها على يد حمورابي البابلي واشهر ملوكها ياريمليم.

  • عصر الانضمام إلى الإمبراطوريات الكبرى:

- النفوذ الحثي منذ القرن السادس عشر قبل المسيح. ملك حلب يقتل في معركة الحثيين الشهيرة ضد الفرعون  رعمسيس الثاني (معركة قادش 1295 قبل المسيح).

- النفوذ الميتاني:غزوة "شعوب البحر"الذين قضوا على اوغاريت عام1186 ق.م.

- الممالك الآرامية: من القرن الحادي عشر حتى التاسع قبل المسيح تخضع حلب لمملكة ارفاد. (تل رفعت)

- لآشوريين يقضون على الممالك الآرامية وعلى مملكة اسرائيل( السامرة).

   تلميح في سفر اشعيا :أليس كلنو مثل كركميش وحماة مثل ارفد والسامرة مثل دمشق (اشعيا10/9).

   ساد الآشوريون على حلب ويأتي ملك آشور إلى حلب ليقوم بواجبات العبادة في هيكل الإله حداد.

- وتنتقل حلب إلى حكم البابليين ثم الفرس الأخمينيين. ولم تكن حلب المركز الإداري الأهم وأصبحت بلدة صغيرة.

2- الحقبة الهللينية و البيزنطية :

إن تأسيس مستعمرة بيرية المقدونية على يد جنود الاسكندر المقدوني كانت انطلاقة جديدة لحلب.و العمران الذي تمتاز به المدن الهللينية التي تتقاطع شوارعها بخط مستقيم يبقى ظاهرا في أسواق المدينة القديمة،و أصبحت اللغة اليونانية لغة الثقافة لفترة ألف عام.

أصبحت حلب مدينة متوسطة الحجم و الأهمية ترتبط مباشرة بإنطاكية و كانت هذه عاصمة إمبراطورية مستقلة في العصر السلوقي و عاصمة إقليم سوريا المرتبطة برومة في العصر الروماني وبالقسطنطينية في العصر البيزنطي.

في الفترة الرومانية ظهرت المسيحية و عم انتشارها شيئا فشيئا.

وأول أسقف معروف لحلب هو القديس اوسطاتيوس الذي نقل إلى الكرسي الانطاكي عام 324 و اشترك بهذه الصفة في المجمع النيقاوي عام 325.

جوليانوس الجاحد الذي مر بحلب عام363 في طريقه لمحاربة الفرس يتمرمر لملاحظته أن أغلبية المجلس البلدي اصبحوا مسيحيين.

القديس ايرونيموس يمارس الحياة النسكية قرب حلب و يتصل بيهود المدينة و بشيعة الناصريين.

القديس باسيليوس الكبير يوجه ثلاث رسائل لأسقف بيرية و سكان بيرية يمتدح فيها غيرتهم على التقوى والإيمان المستقيم.

اشهر أسقف عرفنه حلب في تلك الحقبة هو اكاكيوس الذي ظلَّ يرعى أبرشيته اكثر من نصف قرن(378-432)و صديقه ثاوذوريطوس أسقف قورش كان يكثر من زيارته و يمر في طريقه من قورش إلى حلب أمام عمود سمعان العامودي الشهير وقد كتب سيرته. وامتلأ جوار حلب من الكنائس و الأديرة التي لا تزال آثارها باقية إلى الآن.

كان سكان حلب خليطا ،فالمنحدران من المستعمرين المقدونيين كانوا يمتزجون بالسكان القدامى من أصل آرامي و القبائل العربية الرحل كانت مضاربها على مقربة من المدينة و ما عتمت أن اعتنقت المسيحية بفضل الرهبان وبالأخص مثال وعظ القديس سمعان العامودي.هذه العناصر كلها كانت تحت رعاية أسقف واحد.بعد المجمع الخليقيدوني تنبه الشعور القومي السوري و سانده الأمير الغساني العربي فانشطرت الجماعة المسيحية بحلب إلى فرعين الجماعة الخلقيدونيية أو الملكية المعترف بها رسميا من قبل الدولة البيزنطية ،و الجماعة اللاخليقدونية التي تسمت بالسريانية أو اليعقوبية.

3- الحقبة العربية :

مع الفتح العربي عام 637استعادت المدينة اسمها السامي القديم حلب وحلت اللغة العربية محل اليونانية والآرامية.

وانتشر الإسلام شيئا فشيئا على حساب الجماعة المسيحية التي حافظت مع ذلك على كيانها بفضل معاهدة الفتح التي أقرت بحرية العبادة للمسحيين مقابل دفع الجزية، وأصبح المسيحيون من أهل الذمة ينعمون بحماية الدولة المسلحة،وحافظ رؤسائهم الدينيون على ميزاتهم وكان لهم الحق في القضاء وإصدار الأحكام بموجب قوانينهم الخاصة عندما لا يكون أحد الطرفين مسلماً.

سقطت الحدود الشرقية القديمة مع المملكة الفارسية ونشأت حدود جديدة في الشمال تفصل المنطقة عن العالم اليوناني،ولم يعد المتوسط بحرا آمنا فتقلصت العلاقات التجارية مع الغرب.

وأصبحت حلب مدينة حدودية لا بل مدينة في الجبهة بذلت أكبر مجهود حربي ضد البيزنطيين والفرنجة.وبعد أن كانت مدينة ثانوية أخذت أهمية كبرى لا سيما مع الأمير سيف الدولة الحمداني في أواسط القرن العاشر فأصبحت عاصمة الجزء الشمالي من بلاد الشام.وكان يحكمها أمراء محليون بشكل وراثي (الحمدانييون،المرداسييون،الزنكيون والأيوبيون) ثم فقدت استقلالها عام 1260فأصبحت تخضع لحاكم تعينه السلطة المركزية بالقاهرة في عهد المماليك،ثم استنبول في عهد العثمانيين،وظلت ايالة حلب مستقلة عن ايالة دمشق.

في المرحلة الأولى من الحقبة العربية،من القرن السابع حتى أواخر القرن الحادي عشر،كانت السلطة بيد العناصر العربية الصرف،وكان المسيحيون لا يزالون يشكلون الأغلبية السكانية،ولعبوا دورا هاما في المجتمع.

وكانت نخبة من الأطباء وكبار الموظفين المسيحيين تشكل حماية للكنيسة وأبناءها.وكانت الكاتدرائية البيزنطية العظمى ملاصقة للمسجد الأموي الكبير ويتجاور المسيحيون والمسلمون في المدينة القديمة بدون اصطدام.

يتزامن آخر القرن الحادي عشر مع احتلال السلاجقة الأتراك الأقل تسامحاً من العرب ومع استيلاء الفرنجة على إنطاكية عام 1098.فتهمّش المسيحيون شيئا فشيئا وأقصوا عن وظائف الدولة.وعام 1124 استولت السلطات الإسلامية على أربع كنائس كانت لا تزال قائمة لا سيما على الكاتدرائية البيزنطية التاريخية وحولتها إلى مساجد كردة فعل على انتهاكات الفرنجة لحرمة مدافن المسلمين.

وعاث هولاكو المغولي فسادا في المدينة عام 1260،والمماليك الذين قضوا على تواجد الفرنج في سوريا وفلسطين وحكموا البلاد قسوا على المسيحيين الذين ما عادوا يشكلون أكثر من عشرة في المئة من سكان المدينة.ومن جراء غزوتيمورلنك عام1400 هلك معظم السكان والمسيحيون الذين نجوا لاقوا ملاذا في مناطق أخرى.

إلا أنه لم يحلّ بحلب ما حلّ بأفاميا والرصافة،وعادت الحياة إلى المدينة وعاد إليها المسيحيون وعاشت عصرا ذهبياً جديدا مع قدوم العثمانيين.

نهضة القرن السابع عشر

بدأت ملامحها في القرن السادس عشر وتتابعت في القرن الثامن عشر حتى خمودها في أواسط القرن التاسع عشر.

العوامل :

استولى السلطان سليم الأول العثماني على حلب عام1516.وضمت المدينة إلى إمبراطورية واسعة.وتباعد الحدود صانها من الغزوات وجعلها تحتل موقعا مركزيا.فهي أقرب مدينة عربية كبرى من العاصمة استنبول.وعاد اتصالها شرقا مع العراق(والعجم)وشمالا مع الأناضول ووراءه العالم اليوناني.وإن المرافئ السورية(طرابلس أولا ثم الإسكندرون)التي تخدم حلب أصبحت من جديد منفتحة على المبادلات التجارية الكبرى مع الغرب والمرافئ اليونانية.

إن وضع حلب الجديد جعلها في قلب المبادلات التجارية الدولية.مع الرخاء الاقتصادي انفتحت على الغرب وعلى العالم اليوناني الشرقي.هذا الانفتاح فجّر الانتعاش الثقافي والروحي والفني الذي يعود إلى الحلبيين أنفسهم.

الانفتاح على الغرب :

التجارة:

عقدت فرنسا عام 1535(فرانسوا الأول) مع الإمبراطورية العثمانية معاهدة تجارية تجددت عامي1569ثم1581 كرست إزاحة البندقية لصالح مرسيليا منذ أواسط القرن السادس عشر.

وعام1580 وقعّت إنكلترا معاهدة تجارية مع العثمانيين (تأسست شركة الهند عام1581) وحصلت هولندا عام 1612على بعض الامتيازات.وفي أواخر القرن السابع عشر خف اهتمام إنكلترا وهولندا بشوؤن الشرق الأدنى ليهتموا بالأحرى بالهند والشرق الأقصى.كانت إنكلترا تفوقت على فرنسا تجاريا من جراء الحروب الدينية مع البروتستان إلا أن التجارة الفرنسية انتعشت مجددا مع الوزير كولبير في عهد الملك ليس الرابع عشر.ثم إن الثورة الفرنسية وحروب نابليون أضعفت النفوذ الفرنسي.وأخذت الموانئ الإيطالية ليفورنو ومسينا تنافس مرسيليا.ثم دخل على الخط دولة سردينيا والنمسا وروسيا والسويد والدانمرك وبروسيا.

كانت حلب المركز الأهم للمبادلات التجارية بين مرافئ المتوسط والشرق الأقصى.كانت القوافل القادمة من البصرة على الخليج العربي الفارسي تنقل السلع الواردة من الشرق الأقصى حتى حلب.ومنها كانت تتوجه نحو الأناضول واستنبول ومرافئ البحر المتوسط.وهذه المرافئ كانت تستقبل السلع الواردة من أوروبا فتتجمع في حلب لتتوزع منها على سائر الأقطار(الأناضول والشرق الأقصى...)

أهمية حلب التجارية جذبت إليها جالية من الأوروبيين.وسكن "الفرنج"في الخانات في المدينة القديمة قرب الأسواق حيث كانت تعقد الصفقات التجارية.وكانوا هناك في مأمن أكبر وكان من الأسهل مراقبة تحركاتهم وكان المسيحيون الحلبيون وسطائهم المفضلون لدى أصحاب القوافل والتجار المحليين .

القناصل والدبلوماسيين.

إن المعاهدات المبرمة بين الدول الكبرى الغربية.والإمبراطورية العثمانية منحت لهذه الدول الحق في افتتاح قنصليات في أهم المدن تتمتع بامتيازات لحماية مصالح رعاياها.

افتتحت قنصلية البندقية في حلب عام 1548وقنصلية فرنسا عام1562 قنصلية إنكلترا عام 1583وقنصلية هولندا (الفلمنك)عام1613،وسائر الدول التي لها مصالح في حلب افتتحت لها قنصليات خلال القرن الثامن عشر.

المرسلون اللاتين:

وصل الفرنسيسكان إلى حلب عام 1571لخدمة معبد قنصلية البندقية وأوكل إليهم رعاية التجار اللاتين المستقرين في حلب.

وبإيعاز من مجمع انتشار الإيمان وبدعم ريشوليو الدبلوماسي وصلت إلى حلب ثلاث مجموعات من المرسلين اللاتين خلال العقد الثالث من القرن السابع عشر الكبوشيون عام 1623والكرمليون عام1625(وقد أخذ اللعازريون مكان اليسوعيين بعد أن حُلّت الرهبنة اليسوعية عام 1773)كانت غايتهم إعادة وحدة الكنائس الشرقية مع الكنيسة الرومانية والإنعاش الثقافي والروحي لهذه الطوائف.وكانت حلب إشعاع المرسلين باتجاه دمشق ولبنان (صيدا،طرابلس،عينطورة،حريصا).

الانفتاح على العالم المسيحي الشرقي:

في عهد المماليك كان مسيحيو حلب يتصلون بصعوبة مع بقية العالم المسيحي الشرقي.الفتح العثماني وصل بين المسيحيين العرب والكتلة المسيحية الشرقية.اليونان المتنفذون في استنبول وضعوا يدهم على بطريركية القدس،وأعيد اعمار دير مار سابا بعناصر اغلبها يونانية.وجذب هذا الدير العديد من الحلبيين الذين تأثروا بالثقافة الأورثوذكسية اليونانية.بقيت البطريركية الإنطاكية بيد العناصر العربية (أقله إلى غاية 1724 حيث الفرع الاورذكسي أصبح بيد اليونان) إلا أن عناصر عديدة لا سيما من قبرص وساقز(كيو) تشغل مناصب خدمة في بطريركية إنطاكية المضيافة،وتبوأ بعضهم رئاسة أبرشيات هامة.والعديد من الحلبيين استقروا للتجارة في استنبول والعديد من المدن الأناضولية حيث كانت تقطن جاليات كبيرة من اليونان .كما أن تجاراً يونان لا سيما من قبرص استقروا في الإسكندرون وفي حلب.وهكذا انفتح الحلبيون على الثقافة اليونانية المعاصرة.

شخصيات محلية مرموقة:

ما عدا هذا الانفتاح والتأثير الخارجي عرفت حلب في هذه الحقبة عدة شخصيات مرموقة:أحبار لامعون (ملاتيوس كرمة، مكاريوس زعيم اندراوس اخيجان، اثناسيوس دباس،جرمانوس فرحات...) لاهوتيون،شعراء،فنانون ونخبة برجوازية من الأعيان ساندت الفنون والمشاريع وحامت عن الكنيسة.

ظواهر النهضة

1- النمو الديمغرافي :

تضاعف عدد المسيحيين أربعة أضعاف خلال ثلاثة قرون.إحصاء عام 1537يعطي للمسيحيين 553خانة أو بيت على مجمل 10270فتكون نسبتهم 5.4 في المئة.عام 1584 كان التعداد 638خانة أو بيت على مجموع9361 نسبة6,6 في المئة وفي القرن السابع عشر ارتفع عدد المسيحيين الخاضعين للجزية (الذكور البالغين 15عاما) من 2500 عام 1640إلى 5391 عام 1695.

هذا التزايد يعود جزئيا إلى نسبة الولادة المرتفعة لدى المسيحيين وإلى شروطهم الصحية ولكن بالأخص إلى تدفق المسيحيين من المناطق الأخرى مجذوبين بازدهار المدينة ورقيها الثقافي.موارنة من لبنان وأرمن من العجم سريان من طور عبوين،روم ملكيون من المناطق الجنوبية حماة،حمص،حوران. الحلبيون الجدد كان لهم عام 1653وضع خاص بشأن الجزية ثم دمجوا مع بقية السكان.وأصبح المسيحيون في حلب يشكلون20 بالمئة من السكان.

2- التوسع العمراني :

يقطن المسيحييون خاصة خارج الأسوار. ومركزهم الأهم حي الجديدة وهو ضاحية مقابل الزاوية الشمالية الغربية للمدينة القديمة يرد ذكره لدى ابن شحنة في مطلع القرن الخامس عشر.في هذا الحي تتجمع الكاتدرائيات، الأرمنية العائدة إلى عام(1455)والمارونية (قبل عام1489) الملكية (أواخر القرن الخامس عشر)السريانية(1510).

وإن تزايد عدد المسيحيين حملهم على التوسع باتجاه الضواحي الشرقية الشمالية التي انسحب منها المسلمون شيئا فشيئاً.والخط الفاصل بين الأحياء المسيحية والأحياء المسلمة هو الشارع الممتد حاليا من باب الحديد إلى بوابة اقيول ويذكر الشيخ كامل الغزي في كتابه "نهر الذهب في تاريخ حلب" أن المسيحيين مازالوا يشكلون أغلبية السكان في 27 حياً حيث يعيشون جنبا إلى جنب مع الأقلية المسلمة.بعض الأحياء مسيحية مئة بالمئة كحي الصليبة والجديدة حيث يقطن المسيحيون المرفهون.هناك نجد بيوتا واسعة ومنمّقة دخلت في عداد الآثار (بيت وكيل،بيت غزالة، بيت دلال، بيت باسيل،بيت اجقباش....)

3- الازدهار الاقتصادي :

إن غنى حلب يعود إلى التجارة وإلى الصناعة الحرفية. وللمسيحيين حظ كبير في هذه النشاطات.وقد أثروا أكثر من عامة المسلمين .وبما أن الأراضي الزراعية محصورة في المسلمين فهم يتعاطون التجارة والصناعة.

تدربوا على التجارة مع الغرب بفضل اتصالاتهم مع الفرنج كتراجمة وسماسرة أو مستخدمين.وبعد نزوح الأوروبيين عن حلب في أواسط القرن التاسع عشر حلوا محلهم وفتحوا بيوتا تجارية في أوروبا(مرسيليا،ليفورنو،مانشستر...) وبيدهم التجارة الداخلية نجد في مطلع القرن الثامن عشر تجارا حلبيين لهم نفوذ واسع في استنبول ويعنون بشؤون طوائفهم لدى السلطات. وفي القرن التاسع عشر توزعوا في أهم مدن الأناضول وكانوا استلموا مراكز تجارية هامة في مصر منذ القرن الثامن عشر.

العديد من المسيحيين ناشطون في مختلف الحرف:الصياغة،البناء،الخبازة،العطارة وبيع الخضرة ولكن لا نجد بينهم قصابين وهذه المهنة كانت محصورة خاصة بالانكشارية.وصناعة الصابون والدباغة كانت محصورة خاصة بيد المسلمين.أما مهنتهم المفضلة فهي النسيج.هناك مذكرة لعام1777 تذكر أن صناعة الخام والأقمشة المزهرة والأطلس خاصة بيد المسيحيين (5000نولا).القنصل الفرنسي روسو في مطلع القرن التاسع عشر يقدر عدد أنوال النسيج بـ12000 وجزء كبير منها في الضاحية الشمالية ذات الأغلبية المسيحية.وهذه الأنوال مجمعة في أمكنة خاصة تسمى قيصريات أو هي منصوبة في المنازل الخاصة.وكان عدد من الكهنة يتعاطون هذه المهنة أيام الأسبوع.ولما نشأ النسيج الآلي في أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر كان ذلك ضربة قاسية لصناعة حلب ولتصدير النسيج.لكن الأنوال العربية كانت لا تزال لها أهميتها في الثلاثينات من القرن العشرين في المصانع كان المسيحيون يستخدمون بعض العمال المسلمين. و"المعلمون"و"الصناع"كانوا منتظمين في جمعيات شبيهة بالنقابات وكان المسيحيون ممثلين فيها.وكانت التجارة تضع المسيحيين في اتصال مع أصحاب القوافل والتجار والزبائن المسلمين. ومن جراء الجوار والعمل عرف المسيحيون والمسلمون كيف يعيشون في سلام ونشأت بينهم أحيانا صداقات أدت في بعض الأحوال إلى قيام حوار ديني.

4- النهضة الثقافية :

فتح المرسلون الغربيون مدارس بتشجيع من الأساقفة الشرقيين وأخذوا يعلمون اللغات الأجنبية ومبادئ الحساب.وفتحت الطوائف الشرقية أيضا مدارس تعلم القراءة والحساب (المدرسة المارونية أسسها الدويهي الذي أصبح بـطريركا والخوري بطرس التولاوي،وقامت مدارس مماثلة لدى الروم والسريان والأرمن).

وتوجه عدد من الحلبيين إلى روما حيث درسوا الفلسفة واللاهوت في المعهد الأورباني.


وعادوا إلى حلب حيث فتحوا مدارس لتعليم اللغات وقاموا بترجمة العديد من المؤلفات الروحانية واللاهوتية عن الإيطالية أو الفرنسية.وإن عددا من المرسلين تعلموا العربية بحيث تمكنوا من ترجمة أو تأليف كتب تقوية استعانوا أحياناً لتنقيح لغتها ببعض الحلبيين المختصين.ونظمت دروس لاهوتية معمقة للمرشحين الى الكهنوت على يد كهنة شرقيين كالخوري ميخائيل بجع (وهو ملكي،علم المرسلين اللغات الشرقية)والخوري بطرس التولاوي (ماروني تلميذ روما).

وإن مجموعة من الشبان تدربت على العلوم اللغوية والعربية الفصحى على يد أشهر المشايخ المسلمين في المدينة الشيخ سليمان النحوي.وكانت هذه العلوم التي تدرس في المساجد حكرا على المسلمين وكان المسيحيون يكتبون بلغة العامة.وهؤلاء الشبان أصبحوا كتابا وشعراء مرموقين في مطلع القرن الثامن عشر:جرمانوس فرحات،عبد الله زاخر،نيقولا الصايغ،ميخائيل(مكسيموس)حكيم،مكرديج الكسيح،توما نعمة...

إن غزارة حركة الترجمة والتأليف نجم عنه ازدهار صناعة النسخ، وكان النساخ ينشرون المؤلفات الجديدة وينسخون القديمة.وإن الأسر الثرية أخذت تهتم بحيازة مجموعتها من المخطوطات.

وإن البطريرك اثناسيوس الدباس قام بمساعدة الشماس عبد الله زاخر بإنشاء مطبعة في حلب هي أول مطبعة عربية في الشرق.وقد أخرجت عدة كتب دينية من عام 1706الى1711.ولما أرغم عبد الله زاخر على مغادرة حلب أنشأ مطبعة جديدة هي الأولى في لبنان في دير مار يوحنا الشوير الذي أسسّه الحلبيون.

5- النهضة الروحية :

قدّم المرسلون الغربيون قدوة صالحة بأمانتهم لنظامهم الرهباني،وتفانيهم في خدمة المرضى لا سيما المطعونين ومواظبتهم على الصلاة والدراسة.وانصرفوا إلى تعليم الأولاد مبادئ الديانة والوعظ والإرشاد الروحي بمناسبة الاعتراف وزيارة البيوت.وأسسوا أخويات مريمية للأحداث والبالغين وادخلوا العبادات الحديثة كالوردية وثوب العذراء التي أخذت رواجا كبيرا.وترجموا كتبا روحانية ولاهوتية لمؤلفين غربيين معاصرين متجاهلين التقليد الشرقي.والتف حول الرهبان الفرنج مجموعة من المتعبدين والمتعبدات جمعوا بين الممارسات التقوية اللاتينية تعلقهم بروحانية الشرق وليتورجيّته.ظل معظمهم في العالم وطبعوا جماعة حلب المسيحية بهذا التعلق بالدين والتقوى الذي مازال حيا حتى اليوم.وغيرهم أسسوا في لبنان جماعات رهبانية منتظمة هي الأولى من نوعها في معظم الطوائف، الرهبنة اللبنانية لدى الموارنة،الرهبنة الشويرية لدى الملكيين،دير مار أفرام الرغم ثم الشرفة لدى السريان،دير الكريم ثم بزمرّ لدى الأرمن.والعابدات الحلبيات أسسن لهن دير البشارة في زوق ميكائيل.

6- إعادة العلاقات مع روما :

كان مسيحيو حلب موزعين على أربع طوائف أو ملل تعترف الدولة العثمانية بكل منها كقومية مصغرة لها استقلاليتها الداخلية.الروم أو الملكيون، السريان،الأرمن والموارنة.كان الروم أكبر طائفة عدداً.وكان على رأس كل طائفة أسقف مرتبط ببطريرك يعيش خارج حلب (وفي القرن السابع عشر فضّل العديد من البطاركة الإقامة في حلب).وحدهم الموارنة كانوا في شركة كاملة مع رومة،السريان والأرمن كانوا في قطيعة معها(ومع الكنيسة البيزنطية) منذ رفض المجمع الخليقدوني المنعقد عام451.ولم يكن من مبرر لاهوتي أو قانوني للقطيعة التي نشأت فعلاً بين الروم الملكين وروما.وحاول المرسلون إحياء اتفاقات المجمع الفلورنتيني الذي أعاد عام 1439لفترة الاتحاد بين روما والكنائس الشرقية.

الكثلكة الشرقية مرت بثلاث مراحل:

كانت أولا تياراً بين الجماعات التقليدية. فالكاثوليك الذين يقرون بالإيمان الكاثوليكي أو يعترفون لدى المرسلين ما زالوا مرتبطين بالجماعة الأم ويشاركون بالليتورجيا ويمارسون الأسرار لدى الأرثوذكس.

ثم كان للكاثوليك سلطتهم الكنسيّة الخاصة واكليروسهم.فانقطعوا عن الاشتراك بالقداس لدى الارثوذكس ولكن تجاه السلطات العثمانية كانوا لا يزالون خاضعين للسلطة الكنسيّة الارثوذكسية.وشكلوا جماعة متخفية واضطر الأساقفة الكاثوليك إلى اللجوء إلى لبنان.

ولم يعترف بالكاثوليك كجماعة خاصة مستقلة عن السلطة الأرثوذكسية،إلا عام1830 إن الغالبية الساحقة من الحليين اعتنقوا الكثلكة وهم يفكرون بالحفاظ على الشركة مع الأرثوذكسية.

تألموا ولحقتهم خسارات مادية فادحة ليظلوا أمينين لقناعاتهم.وليس هنا المجال لتقيم هذا الاتحاد الجزئي ولا التوسع في عرض تاريخه.

7- النهضة الفنية :

أصبحت حلب في القرنين السابع عشر والثامن عشر مركز مدرسة ايقونوغرافية خاصة معروفة بمدرسة حلب.هذه الظاهرة حصيلة أوضاع حلب العامة المنفتحة على التقليد الشرقي وعلى الغرب.

كان متروبوليت حلب الملكي ملاتيوس كرمة اصطحب معه من حلب الى دير مار سابا الراهب ملاتيوس الصاقزي الذي سيخلفه على الكرسي البطريركي. وكان يتقن فن رسم الأيقونات.وأخذ عنه هذا الفن الكاهن الحلبي يوسف الملقب بالمصور وأعطاه لونا محليا.وخلفه ابنه نعمه الذي بلغ بهذا الفن أوجه.وابن نعمه حنانيا وابن حنانيا جرجس المصور تابعا تقليد الأسرة.مع جرجس أصبح التأثير الغربي أكثر وضوحا إذ كان الملكيون تقربوا أكثر من الغرب في عهده.

في هذه الأيقونات نجد المقوّمات الثلاثة للتقليد الملكي الكاثوليكي.التقليد البيزنطي التقليد العربي والانفتاح على الغرب,الأيقونات الملكية الحلبية لا تزّين فقط كنائس حلب بل هي منتشرة في أهم مراكز سوريا ولبنان الدينية وهي مكرمة في بيوت الأسر القديمة.

إن انحسار الازدهار الاقتصادي في حلب في أواسط القرن التاسع عشر يعود إلى الثورة الصناعية الغربية وإلى افتتاح قناة السويس.إنما هذا لم يفقد جماعة حلب المسيحية قوتها.وتحافظ حلب على تقليد حياة مسيحية متأصلة وتبقى المركز الأكثر حيوية للمشاريع المسيحية ومنبعا للدعوات الكهنوتية والرهبانية التي تشع في الشرق الأدنى وبلاد الاغتراب.وهي في طليعة العمل المسكوني ومثال للعيش المشترك بين جميع المواطنين.

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati