جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - مدخل إلى اللاهوت الشرقي للأب ايلي طوبجي
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2002 - 2003

 

الأب ايلي طوبجي

مدخل إلى اللاهوت الشرقي

 
 

تعريف

- كلمة "Theologìa" لاهوت وباخـتصار تعني: كلام على الله أو كلام عنه. لذلك هذه الكلمة تأخذ معنى: معرفة، حديث، تأكيد، حول الألوهية ومواضيع الإيمان المسيحي عامة .. والكلمة العربية "لاهوت" اتُخذت من كلمة الإله وتدل على المعنى المعرفي حول الإله.

- كلمة "الشرق" نسبة إلى الغرب في الإمبراطورية الرومانية القديمة الواحدة، التي انقسمت إداريا إلى قسمين: غربي وشرقي، عندما أحدث ديوقليسيانوس (284-305) تغييرات جذرية في تنظيم الإمبراطورية الرومانية الواسعة بحيث تتلاءم أكثر مع متطلبات الشعوب العرقية والجغرافية في ولايات إمبراطوريته والتي أكملها قسطنطين فيما بعد، فالقسم الشرقي من الإمبراطورية ضمّ: ولاية الشرق (أي سوريا)، ولاية آسيا، ولاية البنطس، ولاية تراقيا، مصر؛ ثم أضيفت إليها داقيا ومقدونية واليونان والبلقان. فكلمة "شرق" سياسيا كانت تعني هذه المساحة من الأراضي كلها.

ثم أخذت الكنيسة الواحدة الجامعة هذه التعابير الإدارية فأصبحت تعابيراً كنسية بعد مجمع نيقية (325)، فكل كنائس وبطريركيات هذه المنطقة كانت تعني كنيسة الشرق، لكن فيما بعد ولانحسار بطريركيات إنطاكية والإسكندرية غدت كنيسة القسطنطينية في عاصمة الإمبراطورية الرومانية هي الكنيسة الشرقية بعيون الغرب وبعينيها هي ذاتها. لكننا في هذا الحديث نقصد "بالكنيسة الشرقية" المفهوم الأصلي أي كنائس القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، وأيضاً الكنيسة التي تقع خارج الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية وهي الكنيسة الآشورية-الكلدانية. مع العلم أن ولا كنيسة "شرقية" تصف نفسها عادة بأنها كنيسة شرقية بل تصف نفسها بأنها الكنيسة السريانية أو الكنيسة الملكية أو الكنيسة الأرمنية أو الكنيسة القبطية والمارونية والكلدانية..

وهكذا فان كلمة "الشرق" التي كان لها بُعداً إداريا في الإمبراطورية الرومانية الواحدة، غدت كلمة ذات بُعد جغرافي وتاريخي نسبة إلى الغرب الذي تطور تاريخيا في منحى آخر..

- "فاللاهوت الشرقي" إذاً هو نتاج فكر شعوب القسم الشرقي من الإمبراطورية الرومانية القديمة والتي آمنت بالمسيح يسوع، فعبّرت عن إيمانها المسيحي وما يتضمّن من عقائد مسيحية بحسب ثقافاتها المتنوعة وبأسلوبها المميز، وهذا ما ورثناه نحن اليوم في سوريا ومصر والعراق الخ..

فاللاهوت الذي نتكلم فيه الآن هو لاهوتنا، إنه إيماننا وإيمان آبائنا وأجدادنا ونتاج فكرهم وأسلوبهم في فهم الإله والمسيح وكل العقائد المسيحية وقد عَبَّروا عنها من خلال ثقافتهم، أي ثقافة سوريا القديمة المتنوعة.

"لاهوتنا الشرقي" سرياني ويوناني

السريانية واليونانية هما ثقافتا سكان سوريا القديمة منذ دخول الاسكندر المقدوني إليها حوالي 333 ق.م واندماجهما في حضارة واحدة هي الهلّينية، لكن دون أن تفقد واحدة منهما الخصائص التي تميزها بل ازدادت غنى بأخذها عناصر ثقافية جديدة من الثقافة الأخرى.

والثقافة هي "المكوِّن الروحي للمجتمع" وإذا أردنا وصفها: فهي مجموعة "الأمور المادية والمؤسسات وأساليب الحياة والتفكير التي تطبع جماعة ما وليس الفرد.. إنها حياة شعب له مفاهيم وتصرفات وعادات وتقاليد خاصة به.. لذا فإنها تطبع شعب ما وتجعله مميزا عن غيره" . ونستطيع القول بأن الثقافة هي الإنسانية بشكل عام، وهي جيدة أو سيئة أخلاقيا، بحسب ما تسمح أو تعيق نمو الإنسان الداخلي، الروحي والأخلاقي لأعضاء المجتمع. وللثقافة كمكوِّن روحي للمجتمع، عناصر أربعة أساسية وهي: اللغة، العادات، التقنيات والقيم .

تصبح الثقافة مسيحية عندما تدخل إليها "الحياة والرسالة المسيحية، بشكل أن هذه الحياة وهذه الرسالة لا يعبّران عن نفسهما من خلال عناصر هذه الثقافة المعنية فقط، بل يأخذا دوراً مُلهِماً أصيلاً جامعاً يحوّل ويعيد خلق هذه الثقافة، معطيا أساس "لخلق جديد" . وتتجه الرسالة المسيحية أولا إلى البيئة الدينية في الثقافة فتولِّد الليتورجيا واللاهوت.. ثم نحو البيئة المدنية فتنظم المجتمع والسياسة والاقتصاد...

هذا ما حدث للثقافة الآرامية واليونانية في الحضارة الهلّينية عندما انتشرت فيهما الرسالة والحياة المسيحية فأصبحتا خلقا جديدا، حتى أن آراميي المنطقة المسيحيين نبذوا كلمة آرامية لأنها تذكّرهم بالوثنية القديمة واتخذوا اسما جديدا لثقافتهم هو سريانية ، وكذلك فعل ذوي الثقافة اليونانية فسمّوا ذواتهم يونانيين أي مسيحيين، بينما الآخرون سمّوا بالهلينيين أي وثنيين.

أما قمّة الثقافة اليونانية فكانت الفلسفة؛ فبعد سقوط وتراجع الميتولوجيات الدينية اليونانية، غدا الفكر وبحثه في كل مجالات الحياة (الإلهيات، الأخلاق، العادات، القِيَم، الكون، المعرفة..) هو الأساس في حياة المجتمع وكانت الفلسفة. أما الثقافة السريانية فقد كانت الحكمة هي قمّتها، فالتاريخ الحضاري البعيد للمنطقة منذ أكثر من 4000 سنة وتتالي الحضارات عليها، أورثت الآراميين كل خبراتها الحياتية ومفاهيمها الدينية والتي تركّزت في حكمةٍ نابعةٍ من الخبرات الحياتية المادية والإنسانية المتراكمة عبر الزمن.

لذلك فعندما قَبِلَتَا الرسالة والحياة المسيحية، أعطت كل واحدة منهما أساساً للّيتورجيا واللاهوت بالشكل الذي يميز هاتان الثقافتان.

فالإيمان واحد والمفاهيم واحدة، لكن مُعبّر عنها بشكلين مختلفين، هما اللاهوت اليوناني واللاهوت السرياني.

خصوصيات اللاهوتان السرياني واليوناني

أولاً: اللاهوت اليوناني:

بانتشار الثقافة اليونانية في الحضارة الهلّينية انتشر أيضا الفكر المنطقي، الذي يبحث ويحلل ويلاحظ ويستنتج ويجرّد ليفهم معضلات الحياة بكل أبعادها وهذه هي الفلسفة.

ومن أبواب البحث الفلسفي: في الإله، في الأخلاق، في الروح وفي المعرفة الخ.. وهذه الأبواب، كما يُلاحَظ، تبحث في ما يكوِّن البعد الروحي للثقافة كما تفرز القِيَم التي يُبنى عليها المجتمع.

وعند دخول المسيحية إليها، تناول الفكر الفلسفي معطيات الوحي الإلهي بشكل بدائي فظهرت الغنوصية أولاً، ثم تنقّى الفكر اللاهوتي مع المجامع الكنسية والآباء ذوي الثقافة اليونانية والكبادوك فغدا فكرا متماسكا يعبّر عن الإيمان المسيحي متأثّراً بالتعابير الفكرية الفلسفية لكنه مؤسس على معطيات الوحي في الكتاب المقدس والتقليد الرسولي، ولقد وَصَلَنا مكتوبا بشكلِ تفسيرٍ للكتاب المقدس أو مجادلة في معضلة معينة.

ثانياً: اللاهوت السرياني:

انه أسلوب آخر في كتابة اللاهوت ويعتمد بشكل رئيسي على طريقة رمزية وإبداعية. انه أسلوب اللاهوتيون السريان الأوائل ويواصل أسلوب نصوص الكتاب المقدس ذاتها. وصلنا مكتوبا بشكل شعر ونثر من رسائل ومواعظ ونصوص ليتورجية.

بُني اللاهوت السرياني على أسس خاصة به وهي:

1) شرح الكتاب المقدس: انه يستعمل صوره وتعابيره ومنطقه التعبيري، ويشرحه ليس كأسلوبنا اليوم في شرح الكتاب المقدس، حيث ينصبّ الاهتمام الأساسي على الحقيقة التاريخية، إنما هو بحث عن الواقع الروحي فيه، وقد أبدع بذلك أولا أفرام وتبعه الآباء السريان فيما بعد. وينحصر الاهتمام بالبحث عن "الحقيقة" كما يسميها. هذه الطريقة تنطلق حصرا من الإيمان بدايةً. ولكي يقدّر الإنسان وحي نص الكتاب المقدس حق تقدير ينبغي أن يكون هو بنفسه منفتحا على الهام الروح كما فعل الكاتب الملهم من قبل.

2) الكون: إن الطبيعة والعالم الطبيعي يقفان جنبا إلى جنب مع الكتاب المقدس كشهادة لله. ففي صميم العالم الطبيعي (كما في الكتاب المقدس) تكمن الرموز التي لا تحصى ولا تعد والتي تستطيع العين الداخلية للإيمان أن تستخدمها كوسائل لنقل رؤيتها إلى عالم الواقع الروحاني. إن وجود هذه "القوة الخفية" في العالم الطبيعي تضفي عليه طابعا أسرارياً يوجب استخدامه باحترام.

3) الرموز والصور: إن الرموز والصور تلعب دورا أساسيا في التكوين اللاهوتي السرياني. وهي مستعارة من الكتاب المقدس والطبيعة إذ يحملان "القوة الخفية".

4) الشعر: يستخدم الشعر كوسيلة رئيسية للتعبير اللاهوتي السرياني، وهو وسيلة ممتازة للكتابات اللاهوتية الخلاقة، نظرا إلى أن اللاهوتي الشاعر يستخدم شكلا حرفيا يبتعد بصورة عفوية عن أية محاولة لحصر الحقائق الأزلية في معادلات ثابتة وتعريفات عقائدية، لذلك فهو قادر على أن يعبّر عن رؤية لاهوتية ديناميكية في جوهرها، حاثّاً القارئ على الدوام لينتقل إلى ما وراء الثوب الخارجي للكلمات، إلى المعنى الداخلي والى الحقيقة التي تشير إليها:

ليس في ثوب الكلمات،

على المرء أن ينظر،

بل إلى القوة الكامنة في الكلمات. (نشيد في الكنيسة 28:17) .

إن الطريقتين الفلسفية والرمزية تكمّلان بعضهما بعضا أكثر من أن تتناقضا. وانه من المؤسف جدا أن تحصُر الكتب التقليدية عن تاريخ الكنيسة والعقيدة اهتمامها عادة بالتقليد الأول لدراسة اللاهوت، ممثلة بأغلب الكتاب اليونان من ذلك العصر، وتهمل التقليد الثاني الذي يوجد اكثر ما يوجد عند الكتاب السريان من القرن الرابع .

من سمات "اللاهوت الشرقي" بشقيه السرياني واليوناني

هناك سمات خاصة باللاهوت الشرقي وتعطيه خصوصيته عن اللاهوت الغربي ونستعرض هنا نقطتان:

1) لاهوت صوفي:

إن مفهوم اللاهوت بالنسبة للآباء اليونان كأوريجانوس ويوحنا فم الذهب والكبادوك باسيليوس وغريغوريوس النيسي وغريغوريوس النزينزي، غير مفصول عن التأمل (theorìa)، فاللاهوت ليس مثلما هو في الغرب، استنتاج عقلاني لمقدمات "موحاة" من الكتاب أو تحديدات السلطة الكنسية، بل هي رؤية مختبرة من قِبل قديسين ويجب أن تُثبت أصالتها بان تكون مؤكدة على أساس شهادة الكتاب المقدس والتقليد. فاللاهوتي الحقيقي هو من رأى واختبر محتوى لاهوته؛ وهذا الاختبار ليس فقط عمل عقلي بل أيضا مشاعر وأحاسيس باتصال مع الواقع الإلهي "عيون الروح" .

ففي الشرق لا يوجد فرق واضح بين اللاهوت والصوفية، بين الإيمان العام والخبرة الشخصية، فالروحانية والعقائد، الصوفية واللاهوت، غير منفصلة بل مرتبطة بحياة الكنيسة. والغاية النهائية هي الاتحاد مع الله أو التأله.
أما عند السريان، يمثلهم مار أفرام، نلاحظ أن طريقته اللاهوتية تقوم قبل كل شيء على ارتباط محبةٍ وإعجابٍ في تفاعل مستمر. والمعرفة البشرية للحقيقة الإلهية تنمو فقط عن طريق تفاعل حبي كهذا، وهذه هي الصوفية بعينها. يمضي أفرام قائلا في أنشودة الإيمان:

"كلما تأملتك، جنيت منك كنزا حقيقيا؛ وفي أي وجه من وجوهك تأملت، تدفق منك جدول. ولا سبيل إلى احتوائه: المجد لينبوعك هذا. ينبوعك يا رب هو خاف على من لا يتعطش اليك؛ وخزينتك تبدو فارغة لمن يلفظك. المحبة هي خازن خزينة كنزك السماوي". (أنشودة الإيمان 232-3)

فعمل اللاهوت بالنسبة لأفرام هو أن ننظر إلى الله والعالم المخلوق من حولنا راغبين فعلا في الاشتراك في السّر موضوع بحثنا، وليس أن ننظر إليهما كموضوعين مستقلين عنّا وبالتالي لنسيطر عليهما. وهذه هي الطريقة الوحيدة الممكنة في البحث عن أية معرفة عن الله. وهناك أمر جوهري ملازم لموقف الترابط والاشتراك هذا، هو الشعور بالإعجاب والرهبة. فهو يهتف: "تبارك من أدهش فكرنا بالأشياء البسيطة في الحياة" (أنشودة الإيمان 45 اللازمة) .

2) لاهوت إيجابي ولاهوت سلبي:

نرى من كتابات ديونيسيوس الاريوباغي (القرن الرابع) انه يميز طريقتين ممكنتين للاهوت: الأولى تتقدم بالتحديدات (théologie cataphatique اللاهوت الإيجابي) والثانية تتقدم بالرفض (tuéologie apophatique اللاهوت السلبي). الأولى تقودنا إلى بعض المعارف عن الله؛ الثانية توصلنا إلى الجهل الشامل، وهي الطريقة الوحيدة الملائمة لله غير الممكن معرفته بطبيعته. لأن المعرفة الإنسانية تتعامل مع الكائنات أي على مستوى الوجود المخلوق، وكل المعارف موضوعها ما هو موجود، أما الله فهو أسمى من كل ما هو موجود..

للاقتراب منه يجب نفي كل ما هو أدنى منه أي كل ما هو موجود حتى نقطة الوصول إلى الجهل، ومن خلال الجهل تُضيء معرفة مَن هو فوق كل المواضيع المعارفية الممكنة، وهكذا تصبح المعرفة خبرة لقاء مع الإله الشخصي في الوحي. إن اللاهوت السلبي تصاعدي وهو طريق الاتحاد الصوفي مع الله، الذي لا يمكن معرفة طبيعته. نرى هذا اللاهوت في الأيقونات عند رسم الله الآب إذ يُمَثَّل بشكل دوائر من النور، تصبح شيئا فشيئا بلون داكن في المركز.

أما اللاهوت الإيجابي فهو تنازلي "رؤيوي" فيه يظهر لنا الله في خليقته. حيث ينزل الله إلينا من خلال قدراته وأعماله التي تظهره، ولقد كان الظهور الأكبر والأكمل لله في العالم في تجسد الكلمة.

إن هدف اللاهوت ليس المعرفة بل الوحدة مع الله (التأله)، لذلك هذا اللاهوت لا يمكن أن يكون أبدا لاهوتا محدداً بتعابير مجردة، بل بالأحرى إنه لاهوت تأملي، يرفع الأرواح نحو حقائق تتعدى الفهم. وحتى عقائد الكنيسة التي تبدو غالبا للعقل البشري تحت أشكال تحديدية رسمية لا تستطيع شرح كل مضمون السر. لكن في الحقيقة إن الغاية منها ليس توضيح العقائد بشكل عقلي، لكن أن نغير أنفسنا. حتى نستطيع الوصول لتأمل الحقائق المكشوفة لنا، ونرتفع لله، متحدين معه كل بحسب مقاسه .

وفي اللاهوت السرياني نلاحظ أن طريقة مار أفرام في البحث اللاهوتي تضادّ طريقة البحث التي تسعى إلى إيجاد تعاريف لاهوتية أو ما يدعى باللغة اليونانية (Horoi أي حدود). فبالنسبة لمار أفرام، ليست هذه التعاريف اللاهوتية محفوفة بالأخطار فقط، بل من الممكن أن تغدو كُفراً. فهي تنطوي على أخطار لأنها عملية رسم "حدود" تحمل في طياتها إمكانية إماتة وتحجير أفكار الناس عن موضوع البحث الذي، في كافة الأحوال، ما هو إلا تجربة الإنسان مع الله. فالتعاريف العقائدية يمكن أن تشكل في نظر مار أفرام، بالإضافة إلى ما ذُكر، كُفرا حين تمس هذه التعاريف بعضا من النواحي الخاصة بكيان الله. حيث انه بمجرد أن يحاول المرء "تعريف" الله، فهو في الحقيقة يحاول احتواء غير القابل للاحتواء، وتحديد اللامحدود.

يدرك أفرام دوما الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق. ففي أحد أناشيده عن الإيمان (69/11) يتحدث عن هذه الفجوة الوجودية على أنها "هوّة"، مرددا صدى العبارة المستعملة في مثل لعازر والرجل الغني (لو 16/26)؛ فلا يمكن للمخلوق أن يصل إلى الخالق عبر هذه الهوّة السحيقة (أنشودة الإيمان230). وهذا يعني أن "الطبائع" المخلوقة (الإنسان والملاك) عاجزة عن أن تقول شيئا عن الطبيعة الإلهية.

ويرتبط بهذا الشعور عدم مقدرة أي مخلوق، كائنا من كان، على عبور هذه الهوّة وصولا إلى الخالق، إدراكٌ (يشارك فيه أفرام كثير من الآباء) بأن العقل الذي يمتلك معرفة عن شيء ما ينبغي أن يكون اكبر من مادة معرفته. وبناء على هذا المفهوم، فمن يدّعي انه من المستطاع معرفة الله (وبالتالي وصفه)، فهو يدّعي في الوقت ذاته أن العقل البشري قادر على "احتواء" الله غير القابل للاحتواء، وهنا يكمن خوف أفرام من محاولات "استقصاء" طبيعة الله أو النظر فيها:

"من يملك القدرة على الاستقصاء، يحتوي ما يستقصيه؛ ان المعرفة القادرة على احتواء الكلي العلم هي اعظم منه، لأنها تكون قد أثبتت إذ ذاك مقدرتها على قياس كلّيته. إن من يستقصي الآب والابن يكون والحالة هذه اعظم منهما. حاشا، إذن، ومن الحرم، أن يُستقصى الآب والابن، بينما التراب والرماد يرفعان نفسيهما"‍‍‍. وحتى الملائكة السرافيم يغطون أعينهم بجناحين.

فلدى العقل البشري، كما يرتأي افرام، الكثير من المجالات ضمن حدود الخليقة ليقوم فيها بدوره في البحث في الصور والرموز المنتشرة فيها مما تزوده بومضات استيعاب للحقيقة الإلهية. ولكن ما أن يحاول العقل عبور الهوّة الوجودية حينئذ فقط يستحق الشجب. فمَواطن البحث العقلاني الصحيحة تكمن في الأماكن التي اظهر الله فيها نفسه في الخليقة، أي في "الأمور الظاهرة". وبناء عليه يقول أفرام في أناشيده عن الإيمان (8/9):
"هناك حقا بحث عقلاني في الكنيسة، استقصاء ما قد أُعلن، فما كان المراد من العقل النظر في الأمور الخفية" .

اللاهوت الإسلامي العربي

جاء العرب المسلمون سوريا ولم يطل بهم الأمر حتى بدأت المبادئ الإسلامية توجه القيم الروحية في المجتمع، وبدأ التحول التدريجي إلى الحضارة العربية التي ركزت ذاتها على أساسات يونانية وسريانية. فأخذت من فكر الحضارة الهلينية السابقة أولا، ثم زادت عليه فيما بعد.

وفي مجال اللاهوت نلاحظ تطابق موقف الفكر من معرفة الله، يعلّم الشيخ طاهر أفندي الجزائري من خلال أسئلة وأجوبة حول العقيدة الإسلامية، انه لا يمكن الكلام عن جوهر الله، لأن العقل غير قادر أن يفهم جوهر الخالق: فكل ما يتضح للعقل، يبقى مختلفا عن الله. فالقرآن يقول بأن الله لا شبيه له.

أما معرفة الله تعالى فتتحقق من خلال معرفة صفاته: الوجود، الأزلية، الأبدية، عدم تشابهه مع الخليقة، الموجود بذاته، الأحد، الحياة، الحكمة، القدرة، الإرادة، السمع، النظر، الكلمة. إنما حكمة الله تعالى لا تشبه حكمتنا، قدرته لا تشبه قدرتنا، إرادته لا تشبه إرادتنا، حياته لا تشبه حياتنا، سمعه لا يشبه سمعنا، نظره لا يشبه نظرنا، كلمته لا تشبه كلمتنا.

نعرف وجود الله وصفاته بواسطة أفعاله، وهي: الخلائق الرائعة والمدهشة، السماوات وما تحويه (الشمس، القمر، الكواكب)، الأرض وما تحويه (المعادن، الشجر، النباتات)، ولا ننسى أنواع الحيوانات المختلفة، خصوصا الانسان، المخلوق على افضل شكل، المجهز بكل الصفات الكاملة في التفوق والتميز بالعقل الرشيد. فمَن يرى بناء يعرف أن أحداً ما بناه، أو مَن يرى كتابا يعرف أن له مؤلفا، حتى ولو لم يراه أو يسمع عنه، كذلك، من يرى هذا العالم المخلوق الرائع والمدهش، يعرف أن له خالق أزلي، حكيم .

ويتفق الصوفيون بتعليمهم حول معرفة الله، بان الله هو وحده من يرشد الإنسان إلى معرفته. أما العقل فبما انه مخلوق فلا يستطيع أن يرشد إلا إلى ما هو مخلوق مثله. سُئل النوري: "ما هو المرشد الذي يقود إلى الله؟" فقال: "الله". فاكمل السائل: "فما هو العقل إذاً؟" أجاب النوري: "العقل ضعيف، وما هو ضعيف لا يستطيع الوصول إلا إلى ما هو ضعيف مثله". ويقول بن عطا: "العقل ليس إلا أداة لعبادة الله؛ ولا يمكن استعمالها للاقتراب من حضرته السامية".

وبهذا المعنى يقول محمد بن واسعي: "أنا ما رأيت شيء قط، إلا رأيت الله فيه". وآخر يقول: "أنا ما رأيت شيء قط، إلا رأيت الله قبلاً فيه" .

من أجل لاهوت مسيحي عربي

نخلص في نهاية عرضنا البسيط هذا إلى أن اللاهوت النابع من شعوب هذه المنطقة بكل انتماءاتها، ينهج على طريقة واحدة في معرفة جوهر الإله الواحد. لذا لا يجب أن نتجاهل هذا المشترك الهام عندما نبني لاهوتنا العربي المسيحي المعاصر لخير مسيحيي اليوم والمستقبل.

فهنا أساس لاهوتي جوهري لأبناء هذه المنطقة، إذ طَبَعَ لاهوتهم وميزه على مدى الأجيال وبالتالي سيبقى يميزهم دوما. نلخص هذا الأساس بالنقاط التالية:

1) لا يستطيع العقل أن يعرف جوهر الله.

2) يتسم هذا اللاهوت بالصوفية، فاللاهوتي الذي يعلّم الإيمان المسيحي، إنما هو يعلّم إيمانه النابع من اختبار وجداني واندماج شخصي بالأسرار الإلهية التي يتكلم عنها.

3) في هذا اللاهوت مكانة خاصة للاهوت السلبي بجانب اللاهوت الإيجابي.

وفي فترةٍ ما دخل اللاهوت الغربي إلى هذا الشرق وهو لاهوت إيجابي يتسم بالتاريخية والعقلانية فهو تأكيدي، ولقد اعتمدنا هذا اللاهوت في تعليمنا، خاصة الكنائس الكاثوليكية، فغدونا غرباء عن ذواتنا بابتعادنا عن لاهوتنا الأصلي الذي يفهم الإلهيات بشكل اللاهوت السلبي والرمزي والصوفي ولا يفضل الشكل التأكيدي التعريفي كثيراً كما لاحظنا.

وغربة الذات أسوأ غربة، إذ شوّهت الإيمان الشخصي وجعلت الشرقيين الكاثوليك غرباء في مشرقهم كما وأنها فاقمت الفرقة بين كاثوليك وأرثوذكس.

واليوم نحن بحاجة إلى لاهوت شرقي كاثوليكي-أرثوذكسي معاصر خاص بشعوبنا إذ تبرز أكثر "الرغبة في أن نبحث معاً عن القدرة لنجيب عن الأسئلة التي يطرحها إنسان اليوم، أينما كان في العالم" ، لاهوت نابع من ذواتنا نحن الذين نعيش إيماننا المسيحي كأقلية متفرقة تحترم الأكثرية المسلمة. لأن "علاقتنا بإخوتنا المسلمين وبالإسلام تشكل جانباً مميزاً وأساسياً لهوية كنائسنا ضمن الكنيسة الجامعة. إن العيش المشترك مع المسلمين هو عنصر أساسي من حياتنا المسيحية في هذه المنطقة العزيزة من العالم. وعليه فيجب أن يظل دائما محط اهتمامنا وتفكيرنا والتزامنا" .

وحتى اللاهوت الغربي، قد وصل إلى نقطة اكتشف فيها أهمية لاهوتنا الشرقي، الرمزي والشعري والصوفي والسلبي لأنه يكمله، فهل نبقى نراوح مكاننا منتظرين أن يرسم لنا لاهوتيو الغرب شخصيتنا اللاهوتية الشرقية كما فعل حتى الآن، أم نهبّ لنساهم معهم في اكتشاف كنوزنا الدفينة حاملين مسؤولية ذاتنا بأنفسنا، ولنكامل بعضنا بعضا في كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية !؟.

 

المراجع

 

-  Nuovo dizionario di teologia, Edizioni paoline 1988, Teologia, p 1607.

- Battista MONDIN, Antropologia filosofica, subsidia urbaniana/6, Pontificia Università Urbaniana, Roma 1983, p 162.
Nuovo dizionario di teologia, Evangelizzazione, p 1980.

- John MEYENDORFF, La teologia Bizantina, MARIETTI 1984, pp. 20-21.

- cf. Vladimir LOSSKY, Essai sur la théologie mystique de l'Eglise d'Orient, les éditions du CERF, Paris 1990, chap. introduction - les ténèbres divines, pp 5-41.

- ETUDES ARABES feuilles de travail, Islamistica documenti, Institut Pontifical d'études arabes, ROMA 1988, NO 7..

- المطران اسحق ساكا، السريان إيمان وحضارة (1)، دراسات سريانية 10، مطرانية السريان الأرثوذكس-حلب 1983، ص65.

- سبستيان بروك، العين المستنيرة، ترجمة الاب جوزيف ترزي، 1992، ص 5.

-  العين المستنيرة، ص 29-30.

-  رسالة البابا يوحنا بولس الثاني، نور الشرق، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جل الديب لبنان، 1995، العدد 3، ص6.

- مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، معاً أمام الله، الرسالة الراعوية الثالثة، الأمانة العامة-بكركي، 1994، ص 8.

-  نور الشرق، العدد 1، ص4.

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati