جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - خلق الكون للمطران ميشيل يتيم
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2003 - 2004

 

المطران ميشيل يتيم

قصة نشأة الخليقة

خلق الكون

 
 

المقدمة

إن قصة نشأة الخليقة قصة شهيرة ويمكن أن تكون اشهر قصص العالم يعرفها الجميع بتفصيل أو إيجاز بحسب اطّلاعهم على الكتاب المقدس. اشتهرت هذه القصة بين الناس حتى إنها جرت مجرى المثل. فإذا اراد أحدهم أن ينصح الرفيق بطول البال قال له: "طّول بالك. الله خلق الدنيا بستة أيام".

كان جميع المسيحيين في القرون القديمة والقرون الوسطى في الشرق والغرب يؤمنون بمضمون هذه القصة وبحرفيتها إيماناً وطيداً. فلم يكن أحد يشك في أن الله قد خلق العالم بستة أيام واستراح من عمله في اليوم السابع، وأنه جبل الإنسان من تراب الأرض ونفخ في أنفه نسمة الحياة، وأن المرأة قد جبلها الله من ضلع الرجل، وأن الله غرس الفردوس الأرضي.

بقي هذا الإيمان ثابتاً في قلوب المسيحيين حتى القرن السادس عشر وهو مطلع النهضة الأوروبية. ففي القرن السادس عشر أخذ العلماء في الغرب يمارسون العلم على الطريقة الحديثة، وإن كانوا في أول عهدهم العلمي. فاكتشفوا بشيء من الذهول أن العلم يقول خلاف ما يقوله الكتاب المقدس. ومن أشهر الأمثال الواردة في هذا الموضوع "دوران الشمس حول الأرض".لقد اكتشف العالم البولوني نقولا كوبرنيك (1473- 1543) وكان كاهناً متواضعاً، أن الشمس ثابتة وأن الأرض تدور حول الشمس وكتب كتابه باللغة اللاتينية وقدمه للبابا نفسه. وتبعه في ذلك العالم الإيطالي كاليلاو غاليلاي (1564-1642) فتبنّى قصة دوران الأرض حول الشمس. فحكمت عليه محكمة التفتيش بأنه صاحب بدعة يخالف قول الكتاب المقدس. وخاف أن يُزج في أتون النار ويُحرق، فركع ونبذ الحقيقة العلمية التي تبنّاها.

وأُلغيت بعد ذلك محاكم التفتيش، فقامت جدالاتٌ، أحياناً عنيفة بين رجال الكنيسة ورجال العلم. وأدت هذه الجدالات إلى الطعن في تعاليم الكتاب المقدس، والاستهزاء بها ووصفها بإنها تعاليم صبيانيَّة.

إن الخلاف الشديد الذي قام بين الطرفين كان سببه أن رجال الكنيسة كانوا يقولون إِن الكتاب المقدس كتاب ديني وعلمي على السواء، بمعنى أن الله قد أوحى إلى البشرية التعاليم الدينية التي تحتاج إليها لتسلك حياة قويمة والمعلومات العلميّة لتطلعها على الأجوبة الصحيحة التي تطرحها على نفسها في شتى ميادين الحياة اليومية. والغريب في الأمر أنه لم يخطر على أذهان رجال الكنيسة أن الهدف الحقيقي والأوحد للكتاب المقدس هو تمجيد الله وخلاص الإنسان. ودامت هذه الجدالات حتى نهاية القرن التاسع عشر. وكُتبت في موضوع خلق الكون وخلق الإنسان كتبٌ كثيرة ومقالات لا تُحصى، يناصر بعضها أقوال الكتاب المقدس ويناقض بعضها الآخر هذه الأقوال وينعتها بالأساطير الخيالية.

بعد عرض هذه المقدَّمة العامة ننتقل إلى عرض قصة نشأة الخليقة. إن هذه القصة تتفرّع إلى أربعة مواضيع هي خلق الكون، وخلق الإنسان أو الرجل الأول، وتكوين المرأة الأولى، وغرس الجنة أو الفردوس الأرضي السعيد.

وسنلقي نظرة على كلّ من هذه المواضيع الأربعة على النحو التالي:

  • ماذا يقول الكتاب المقدس؟

  • ما هي أبرز المشكلات التي نشأت عن قول الكتاب المقدس؟

  • ما هو الحل الصحيح لهذه المشكلات؟

  • كيف نعرض قول الكتاب المقدس على طلابنا في مراكز التعليم المسيحي؟

نعالج اليوم موضوعين فقط وهما خلق الكون وخلق الرجل الأول. ونعالج في المرة المقبلة تكوين المرأة الأولى وغرس الجنة السعيدة للرجل الأول والمرأة الأولى.

خلق الكون

ماذا يقول الكتاب المقدس في هذا الموضوع ؟

عندما نقرأ الكتاب المقدس بتروٍ نلاحظ أن سفر التكوين يعرض علينا قصّتين لخلق الكون لا قصة واحدة. فالقصّة الأولى قصة قديمة جداً يرجع عهدها إلى القرن الحادي عشر قبل المسيح أو قبل ذلك أي قبل موسى، وربما قبل إبراهيم. وهي قصة موجزة تسمّي الله الخالق "الرَّب الإله" وبالعبرية "يهوه". وإليكم نصّ هذه القصة القديمة: "لمّا صنع الرب الإله الأرض والسماوات لم يكن بعد في الأرض شجر البريّة، ولم ينبت بعدُ عشب البريّة، لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض. ولم يكن إنسان يحرث الأرض. وكان يصعد من الأرض بُخار فيسقي جميع وجه الأرض". (التكوين 2/4-6).

لا نعلم مَن روى هذه القصة القديمة الموجزة. لقد اطّلع عليها كَتَبةُ الكتاب المقدَّس – ومن أشهرهم موسى النبي – فكتبها في مطلع الكتاب المقدَّس كما كان الناس يسردونها، ولم يضيفوا إليها شرحاً ولا تفصيلاً.

ونلاحظ أن هدف هذه القصة ديني محض. فهي تريد أن تعلّم الناس أن الرب الإله قد خلق الأرض التي يسكنونها والسماوات التي يتطلعون إليها. وهذا ما دفع الكثيرين من علماء الكتاب المقدَّس إلى القول إن هذه القصة قد حملت إلى البشرية جوهر الوحي الإلهي، وهو أن الرب الإله هو خالق الأرض والسماوات. وإذْ كان هدفها دينياً فإنها لم تُثِرْ لدى العلماء أيَّ نوع من الانتقاد.

أما القصة الثانية فهي قصة طويلة ومفصّلة، كتبها في القرن السادس قبل الميلاد – أي بعد مدة طويلة من رواية القصة الأولى – كهنةُ اليهود للشعب اليهودي الذي جلاه نبوكدنصّر ملك بابل إلى العراق، بعدما هدم مدينة القدس وأحرق هيكلها الذي بناه سليمان الملك. ولمّا كتبوها أثبتوها في الكتاب المقدس قبل القصة القديمة. فعندما نقرأ قصة خلق الكون في الكتاب المقدس نقرأ أولاً القصة الكهنوتية ثم القصة القديمة.

تبتدئ القصة الكهنوتية بآية من أصعب الآيات فهماً وتفسيراً. تقول الآية: "في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرفّ على وجه المياه". (تكوين1/1) تشير هذه الآية في ظاهرها إلى أن الله قد خلق السماوات والأرض منذ الأزل، وأن الأرض كانت مزيجاً من اليابسة والمياه، وأن روح الله أي الروح القدَّس وهو بهيئة طائر، كان يرفرف فوق المياه المظلمة. وصف غامض للغاية.

بعد هذا الغموض في مطلع القصة، ينتقل الكهنةُ الكَتَبةُ إلى وصف عمل الله. يقولون إن الله قد خلق الكائنات كلها - بما فيها الإنسان - في ستة أيام. واستراح في اليوم السابع، وهو السبت. ففي اليوم الأول وهو الأحد، خلق النور، وفي اليوم الثاني فصل المياه العليا عن المياه السفلى. وفي اليوم الثالث فصل مياه البحار عن الأرض اليابسة وخلق النباتات والأشجار. وفي اليوم الرابع خلق الشمس والقمر والكواكب.وفي اليوم الخامس خلق الأسماك والطيور. وفي اليوم السادس خلق الوحوش والحيوانات الأليفة والإنسان. وكان كلّما قام بعمل يتطلّع إليه ويراه حسناً. إن هذه القصة قد أثارت الجدالات الكثيرة لأنها لا تتماشى مع معطيات العلم الثابت.

أبرز المشكلات التي أثارتها هذه القصة

1- خلق الكون على مدى ستة أيام: استهزأ بعضهم بهذا العدد، واعتبره بعضهم حِقَباً جيولوجية. ثم تخلّوا عن هذه الرؤية لأن الأيام الستة لا تتفق مع عدد الحِقَب الجيولوجية الكبرى الأربع ولا مع مواصفاتها وتفاصيلها.

2- الفصل بين المياه العليا والمياه السفلى: المياه السفلى هي البحار، والمياه العليا هي كميات هائلة من المياه موجودة في خزانات كبيرة جداً، مخفيَّة في أعالي السماء، لها ثقوب سفلية تتفتَّح من وقت إلى آخر، فيهطل المطر. لم يكن لديهم فكرة عن تبخّر مياه البحار التي تصبح غيوماً ثم مطراً تحت تأثير انخفاض الحرارة.

3- ظهور النباتات والأشجار في اليوم الثالث: قبل أن تُخلق الشمس والكواكب والنجوم. والمعروف علمياً أن النبات لا يحيا وال يزدهر إلاَّ بفضل تأثير حرارة الشمس.

وهناك مشكلات علمية أخرى لا داعي إلى ذكرها. إن بعض العلماء أصدروا على الكهنة كَتَبةِ هذه القصة حكماً قاسياً. قالوا: لقد ادّعى هؤلاء الكهنة العلم والمعرفة للأحداث الطبيعية والكونية. وقد أدّى ادعاؤهم إلى ارتكاب مجموعة من الأخطاء العلمية الكبيرة. وكان بإمكانهم أن يتحاشوها لو لَزِموا جانب الفطنة والتواضع العلمي.

حلّ المشكلات التي أثارتها القصة

يجب أن نقرّ بأن كتابة هذه القصة متعثّرة جداً. ولكننا نتساءل: لماذا كتب الكهنة هذه القصة على هذا النحو فأشبعوها بالتفاصيل العلمية وقد كانوا من بسطاء الناس في مجال المعرفة العلمية السليمة؟ الجواب قائم في الوضع الديني للشعب اليهودي المُهجَّر في أرض العراق. وإليكم بيان هذا الجواب باختصار.

كان الشعب البابلي الوثني يعيش في الرفاهية و الرخاء لأن أرض العراق ارض غنية بمياهها ومزروعاتها. فكان البابليون يؤمنون بأن هذا الغنى عطية من عطايا الآلهة، الآلهة السماوية و الآلهةالأرضية. و الآلهة السماوية هي الشمس والقمر والكواكب والنجوم. وكان كهنة البابليين يراقبون بدقة سير هذه النيرّات السماويةلحمل الناس على السجود لها في اوقات منتظمة. وهذه المراقبة الدقيقة المتواصلة جعلتهم من كبار علماء الكواكب والنجوم في ذلك الزمن. (تذكروا قصة المجوس في الإنجيل وقد رأوا الكواكب في السماء ) .


من ناحية أخرى كان اليهود المهجّرون فقراء، معزولين، محتقرين، لا هيكل لهم فلا مكان للعبادة. فأخذوا يشعرون بان الله قد نسيهم وتخلّى عنهم، فجعلوا يميلون الى عبادة كواكب السماء وآلهة الأرض كما فعل أجدادهم العبرانيون لما خرجوا من مصر في أيام موسى وفرعون فعبدوا العجل على غِرار المصريين القدامى. أمام هذا الخطر الديني أراد كهنة اليهود ان يحذّروا شعبهم من الاستسلام إلى عبادة الكواكب والأصنام فأتخذوا موقفا شبيها بموقف كهنة البابليين من حيث العلم و المعرفة، فكتبوا لشعبهم صفحة كاملة وصفوا فيها ما عمله الله الإله الحقيقي، خالق الكون وخالقهم، لا بلغة بسيطة شعبية بل بلغة علمية رفيعة ليقولوا للشعب: "نحن كهنتكم لسنا أقل علماً من كهنة عَبَدَةِ الكواكب والأصنام. فاسمعوا ما فعله الله خالق الكون وخالقكم، فاعبدوه، ولا تعبدوا الكواكب التي خلقها الله ولاتعبدوا الأصنام الآلهة الكاذبة. وفي الواقع كانوا من عامة الشعب و أقلّ معرفة من كهنة البابليين لأحوال كواكب السماء وطبيعة الأرض فوقعوا في أخطاء كثيرة لم يشعروا بها ولم يتفادوها .

غير ان ما يشفع فيهم عند الله وعند أهل العلم أنّ هدفهم كان ساميا، وهو الدفاع عن الإيمان بالله والعبادة له. فقد وزّعوا عمل الخليقة على ستة ايام ليقولوا للشعب: اعملوا ستة أيام وتفرّغوا لعبادة الله في اليوم السابع .

إن ما يَثير إعجابنا بهذه الصفحة، مع ما فيها من عثرات علميّة، أنها لفتت انتباه الناس الى قدرة الله مُبدِع هذا الكون العجيب ، وإلى أنّ كل ما صنعه كان حسناً، فلم تُشوِّه صورة وجه الله الخالق العظيم .

كيف نعرض قصة نشأة الكون على طلابنا ؟

1- لا فائدة تُرجى من ذكر توزيع المخلوقات على ايام الأسبوع الستة، كما أنه من الخطأ التربوي التلميح إلى الثغرات الواردة في هذا التوزيع خشية أن نثير الشكوك في نفوس طلابنا.

2- الأفضل أن يلحّ المربي على هاتين الفكرتين وهما: أنّ واجب العمل خلال الأسبوع بجِدّ ونشاط أمر ضروري، وأنّ التوقف عن العمل أمر لا بدّ منه لتقديس يوم الأحد بالاشتراك في القداس والقيام بالأعمال الصالحة.

والفكرة الثانية هي أنّ الله إله قدير، وأن كل ما خلقه حسن وجيد، وقد خلق هذا الكون الجميل بما فيه من خيرات لا تُحصى في سبيل خدمة الإنسان الذي يعتبره الله ابناً له.

خلق الرجل

وننتقل الآن إلى القسم الثاني من الحديث وهو خلق الرجل. لدينا في الكتاب المقدس قصتان ايضا تسردان علينا خلق الرجل: القصة القديمة والقصة الكهنوتية .

ماذا يقول الكتاب المقدس عن خلق الرجل ؟

إليكم أولاً نصّ القصة القديمة: "وأنّ الرب الإله جبل الإنسان تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسا حية." ( التكوين 2/7 ). يظهر لنا أن الله بهيئة رجل يعمل في صناعة الفخار. لقد اسخدم التراب والماء وجبلهما وكَوّن منهما جسد الإنسان. ثم نفخ في انفه نسمة الحياة فانتعش وأخذ يحيا حياة بشرية. إنّ هذه القصة تذكرنا بنقش على الحجر في معبد الأُقصُر بمصر يمثّل الإله "شندم" وهو يضع على دولاب الفاخوري جسد الانسان. إنّ هذه القصة كانت شائعة في الشرق الأوسط فحفظها كاتب الكتاب المقدس (موسى أو غيره) ودوَّنها فيه من دون أن يُزيل عنها الطابع البشري الذي يصور الله كعامل في صناعة الفخّار .

أما القصة الكهنوتية فتقول : "قال الله لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض، وكل الدبّابات الدابّة على الأرض. فخلق الإنسان عل صورته، على صورة الله خلقه" (تكوين 1/26). إنّ هذه القصة أسمى وأرفع من القصة القديمة لأنها تؤكّد مرتين أنّ الله قد صنع الإنسان على صورته. فللإنسان مقام رفيع على الأرض وفي عيني الله تعالى.

المشكلات الناجمة عن هاتين القصتين :

نحصرها بمشكلتين:

المشكلة الأول: قال بعض العلماء إنّ في القصتين تناقضاً واضحاً. ففي القصة القديمة يظهر الإنسان مكونا من تراب وهي مادة حقيرة. وفي القصة الكهنوتية يظهر مخلوقا على صورة الله. وهذا مقام رفيع. فهو ضعيف وقوي في آن واحد.

إنّ الجواب عن هذا الأعتراض هو ان القصتين لا تتناقضان بل تتكاملان. فالإنسان كائن ضعيف وقوي على السواء، ولكن لامن زاوية واحدة، وإلاّ كان هناك تناقض. الإنسان ضعيف في جسده المُعرَّض للأمراض الكثيرة وللموت. وبعد الموت ينقلب حفنة تراب. وهو قوي بذكائه وطموحات عقله الذي حقّق الاكتشافات والاختراعات العجيبة في مجالات العلوم الفيزيائية والكيماوية والذرية والهدروجينية. وكلنا نعرفها ولا حاجة إلى تعدادها هنا.

ولكن هاتين القصتين تقولان شيئا أعمق من ذلك. إنهما تقولان إن الإنسان مهما كان ذكيا وقويا وعالما وغنيا وجباراً ومتسلطاً على الدنيا والكون، فإنه يبقى إنسانا ولن يصبح إلها. قالتا ذلك للقدامى بمعنى أنّ الله إله واحد ولاوجود للآلهة كما كان يؤمن بذلك عَبَدَةُ الكواكب السماوية والأصنام الأرضية.

وتقولان للأجيال كلها ولنا أيضاً إنّ الإلحاد حماقة وغباء. فالإنسان ضعيف، وما جعله قوياً إلاّ مَنْ هو أقوى منه بما لا يُقاس، وهو الله. فالله موجود وهو قدير على كل شيء .

المشكلة الثانية: اعترض العلماء على هاتين القصتين فقالوا إن كَتَبة اِلقصتين كانوا على يقين بأنّ الله قد خلق الإنسان كما هو عليه اليوم . والحقيقة أنّ الإنسان لما ظهر على الأرض ظهر في هيئة بدائية هي أقرب إلى الحيوان منها إلى الإنسان. ثم تطور شيئا فشيئا وأصبح على ما هو عليه اليوم بعد آلاف السنين.

الجواب عن هذا الاعتراض هو أنّ الكتاب المقدس تحدّث عن خلق الإنسان من زاوية تختلف عن حديث العلماء. فالكتاب المقدس تحدّث عن مصدر وجود الإنسان؛ لقد أجاب عن هذا السؤال: مَنْ أوجد الإنسان؟ الله أوجده وأعطاه السلطة على الكائنات الأرضية كلّها. أما العلم فتحدّث عن كيفية وجود الإنسان؛ فأجاب عن هذا السؤال: كيف وُجِد الإنسان؟ لقد أوجده الله في وضع قريب من وضع الحيوان، ثم تطوّر وأصبح إنسانا عاقلا كما عليه اليوم.فلا تناقض بين الكتاب المقدس والعلم الثابت لأنّ كلاً منهما يتحدّث عن الإنسان من زاوية معينة.

كيف نعرض لطلابنا قصة خلق الإنسان ؟

إنّ بعض كتب التعليم المسيحي تطرح السؤال كمايلي :"كيف خلق الله الإنسان ؟ "وتجيب عنه بقولها:"صنع الله الإنسان من طين الأرض ونفخ فيه نسمة الحياة" إن هذا الجواب يضع الطلاب في زاوية العلم لا في زاوية الكتاب المقدس، ويدفعهم الى أن يقيموا عندما يكبرون التناقض بين الكتاب المقدس والعلم. إنّ الطريقة الصحيحة للإجابة عن هذا السؤال: "كيف خلق الله الإنسان؟ هي" خلقه على صورته ومثاله. "في هذا الجواب تظهر عظمة الإنسان ورغبة الله في رفع شأنه عندما خلقه.ثم يشرح لهم المربي معنى هذا الجواب فيقول: إنّ الإنسان خُلِق على صورة الله بعقله وإرادته وحريته وهذا ما يؤكد لنا ان الله قد اهتم به اكثر من جميع المخلوقات الأرضية.

سؤال يطرحه الكثيرون :

هل تطور الإنسان جسما ونفسا؟ إنّ جسم الإنسان قد تطور فمر بمراحل عدة وصفتها الاكتشافات العلمية. وقد دام تطوره ألوف السنين حتى بلغ وضعه الحالي. فلما بلغ مستوى كافياً من التطور البشري وأصبح قادراً على قبول نفس روحية خلق الله هذه النفس خلقا مباشرا فأصبح كائنا عاقلا. أما النفس فإنها لم تتطوّر بمعنى انها انتقلت من وضع مادي الى وضع روحي بل كانت روحية منذ أن خلقها الله، وبقيت روحية، وستبقى روحية. أما قدراتها، أي الذكاء والإرادة والحرية والشعور بالمسؤولية، فقد تطورت، فأصبح الإنسان أعمق تفكيراً و أقوى إرادة وأشدّ عشقا لممارسة حريته ومسؤوليته .

 

الجزء الثاني من نشأة الخليقة

 

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati