جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - مديح الفقر للأب فاضل سيداروس اليسوعي
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2003 - 2004

 

الأب فاضل سيداروس اليسوعي

مديح الفقر

من معاني الفقر الإلهية والإنسانية

 
 

المقدمة

تتوخى هذه المقالة أن تكون بمثابة مديح للفقر في ما نعرفه من حضارة تمدح الغنى وتُبجِّل الأغنياء، وتقدّر القوّة وتعظّم الأقوياء. وفي زمن المجيء الذي نعيشه في هذه الأيّام، يروق لنا أن نتذكّر نشيد مريم الذي يمدح الفقراء والمتواضعين:

"نظر إلى أمته الوضيعة...

شتّت المتكبرين في قلوبهم.

حطّ الأقوياء عن العروش

ورفع الوضعاء.

أشبع الجياع من الخيرات

والأغنياء صرفهم فارغين..." (لو1/46-56).

إنّ سرّ التجسد الإلهي هو سرّ الفقر الإلهيّ، ومن ثمّ سرّ الفقر الإنسانيّ. نريد إذاً أن نُظهِر معاني الفقر الإلهيّة والإنسانيّة في محيط لا ينظر إلى الله إلا من زاوية قدرته وتساميه، متناسياً أو متجاهلاً فقره وتواضعه، وما يترتّب عليه من نظرة مماثلة إلى الإنسان. وللوصول إلى ذلك سننطلق من فقر الثالوث وفقر إلهنا في علاقته بنا، لنطبقّه على فقر شخصنا، وأخيراً على فقر بشريّتنا. وبتعبير آخر، سنتناول الحديث عن الله في حدّ ذاته والله معنا، وعن الإنسان كشخص، والإنسان في علاقته بأخيه الإنسان؛ والمستويات الأربعة متكاملة في تثبيت ما نحن بصدده، أي مديح الفقر.

أولاً- الثالوث الفقير

ممّا يلفت النظر في حياة يسوع الأرضيّة إنّه اختار نمط حياة فقيرة، وذلك من المهد إلى اللحد، وقد عاش فقيراً فقراً مادياً ومعنويّاً وروحيّاً، فيجدر بنا أن نتساءل: أليس هذا الاختيار الطوعيّ في حياة يسوع الأرضيّة ترجمةً إنسانيّة لما يدور في قلب الثالوث في أزليتّه؟ وبتعبير آخر، ألم يعش الابن المتجسّد فقيراً في أيام حياته الأرضيّة لأنّه فقير جوهراً وكياناً وأصلاً في أزليّته؟ أليس فقره البشريّ تعبيراً صادقاً عن فقره الإلهيّ، بل وفقر الأقانيم الإلهيّة الثلاثة، إذ إنّ حياة يسوع الأرضيّة انعكاس لشخصيّته الإلهيّة، بل ولشخصيّة الآب والروح؟ ذلك ما نودّ إظهاره الآن، لننطلق منه في تحليلنا علاقة الله بنا المتّسمة هي أيضاً بالفقر، كما وفي تحليلنا فقرنا الشخصي وفقرّ علاقاتنا البشريّة.

فقر الابن

إنّ خاصة الابن الأزليّ أنه اقتبالٌ من الآب، بمعنى انّه يقتبل، أي يتقبّل كيانه البنويّ من الآب، كما أنّه يتقبّل ذات الآب الذي يبذل له نفسه، ويتقبّل مشيئة الآب أن ينبثق منهما الروح القدس، ويتقبّل من الآب أن يخلق معه الخليقة ويخلّصها، ويتقبّل أن يهب له الآبُ البشرَ بعامّة والتلاميذ بخاصّة. إذن، تكمن شخصيّة الابن الأزليّة وجوهر كيانه في أنّه اقتبال.

والابن الأزلي لا يحتفظ بشيء لذاته، بل إنّه يُبادل الآب ما يقتبله من الآب، وهو إذاً جوهراً وكياناً تبادلٌ، ذلك بأنّ كلّ ما له هو للآب.

إنّ هاتين السِّمتين تلخّصان شخصية الابن الأزليّ، وهما تعبّران خير تعبير عن فقره وتواضعه الأزلييّن، مقتبلاً كلّ شيء من الآب، ومبادلاً إيّاه كل شيء. وقد عاش صِفتَيْ الفقر هاتين في سرّ تجسده، بل جسّد، وهو بين البشر، ما يميزه في قلب الثالوث. ونحن نعرف بالفعل ما يدور في قلب الثالوث بفضل ما نشاهده في حياة يسوع البشريّة، إذ إنّ نمط حياته الأرضيّة يعبّر بتطابق تامّ وأمانةٍ كليّة عن جوهر كيانه الإلهيّ، بل وجوهر كيان الآب والروح.

فقر الآب

وتتميّز خاصّة الآب أيضاً بالفقر عينه، إذ إنّ الآب يشارك الابن والروح في كل شيء، ولا ينفرد في أيّ شيء: لا يلد الابن ولا يبثق الروح ولا يخلق الخليقة ولا يخلصها إلا ويشاركهما في ذلك مشاركة تامّة. إنّ جوهر كيانه هو إذاً مشاركة.

وتنمّ هذه المشاركة عن صفة أخرى يتّسم بها الآب، وهي أنّه متواضع، لا يتسلط، لا على الابن ولا على الروح ولا على البشر، وإن كان الأصلَ، كما أنّ الابن لا يحتفظ بشيء لأنّه يقتبل ويبادل كلّ ما يقتبله.

فقر الروح

وتتّصف خاصة الروح أيضاً بالفقر عينه، ذلك بأنّ الروح لا اسم له، فلا هو آب ولا هو ابن، بل هو روح الآب والابن، وهو العلاقة بين الآب والابن، فيرتبط جوهره بالآب والابن، ويتحدّد كيانه بعلاقته بالآب والابن.

ويترتب على ذلك أنّه لا يجذب إلى ذاته أحداً، بل يجذب الآب نحو الابن، والابن نحو الآب، والبشر نحو الآب والابن ونحو البشر. تكمن إذاً شخصيته في أنّه جَذْبٌ إلى غيره، ممّا يُظهر فقره الكلي وتواضعه الكامل

الخلاصة

الثالوث فقير متواضع! قد تثير هذه الصيغة الإيمانية شك بعض المسيحيين وغير المسيحيين، لان التعليم الديني علّم أجيالاً وأجيالاً أنّ الله "ضابط الكل" أي قدير ،وأنه "متسام" كلّ التسامي ، وانهّ "أكبر" من كلّ كبير والله هو فعلا ً ذلك بوجه مطلقّ، بل هو فقير أيضاً في عمق أعماقه، ومتواضع في صميم كيانه. بل إنّ عظمة قدرته المطلقة تكمن في فقرُه من قدرته المطلقة؛ كما أن عظمة تساميه تكمن في تواضعه، ولا يقللّ تواضعه من تساميه المطلق . ليس الثالوث قديراً فحسب، بل هو فقير أيضاً، في جدليّة بين قدرته وفقره، فهو فقير في قدرته وقدير في فقره، وكذلك الأمر في ما يتعلّق بتساميه المتواضع وتواضعه المتسامي.

الحقّ يقال أنّ منطق هذه الجدليّة هو بذاته منطق التجسّد، إذ إنّ الله أصبح إنساناً، والأزليّ زمنياً، والغنيّ فقيراً، والقدير متواضعاً، والكبير صغيراً، وإذ إنّ الذي لا تحويه السموات والأرض حَوته أحشاء مريم البتول، والذي يطعم الخلائق أطعمته امرأة، والذي وهب الحياة اختبر الموت. فمَن رفض اعتبار الثالوث فقيراً، رفض بالفعل سرّ تجسّد الله. وقد عبرّ سرّ التجسّد الإلهيّ عن حقيقة الله في ذاته، وأوضح "حكمة الله التي ظلّت مكتومة  في الماضي، تلك التي أعدّها الله قبل الدهور في سبيل مجدنا. ولم يعرفها احد من رؤساء هذه الدنيا.(...) لنا كشفها الله بالروح، لأنّ الروح يفحص عن كل ّ شيء حتى عن أعماق الله" (1قور 2/7-10).

ومن منطلق ذلك، ألا يجوز لنا أن نقول، في "قانون الإيمان"، هذا الاعتراف الإيمانيّ الذي يجمع بين قدرة الله وفقره، فنقرّ: (نؤمن باله قدير فقير ...)؟

ثانياً - إلهنا الفـقير

من منطلق فقر الثالوث القدير، نصوّب نظرتنا إليه في علاقته بنا نحن البشر،متحرّين عن طريقة معاملة الله القدير لنا، وهي تتسم بالفقر لأنّ إلهنا إله فقير. ونركّز نظرنا على شخص الابن الأزليّ المتجسّد، موضّحين ثلاثة جوانب فقط من جوانب كثيرة أخرى.

الإله المجيد يأخذ صورة العبد

إن ّ إله المجد الذي خلق الإنسان بفائق قدرته وجبروته "على صورته كمثاله" (تك 1/26)، عكَس الآيةَ تماماً في سرّ تجسّده وفدائه:

"لم يعُدّ مساواته لله غنيمة

بل أفرغ ذاته، متخذاً صورة العبد

وصار على مثال البشر

وظهر في هيئة إنسان

فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب" (فل2/6-8).

ويُعبر القدّاس الكيرلُّسيّ القبطيّ عن هذه الحقيقة الإلهيّة بقوله: "لم تكن أنت محتاجاً إلى عبوديّتي، بل أنا محتاج إلى ربوبيّتك": أخذ الله الكلمة الأزليّ عبوديّةَ الإنسان ليشاركه في ربوبيّة الله. وبعظيم محبّته للبشر، لم يعتبر إنسانيَّتهُ إهانة لألوهيّته، ولا منافية لتساميه، ولا منقِّصة لمجده، بل اختار أن اختياراً طوعياً أن يشارك ملايين البشر في عبوديّتهم وفقرهم وعوزهم، بل وخطيئتهم، إذ أخذ "جسداً يُشبه جسدنا الخاطئ" (روم8/3)؛ وهذا الذي لم يعرف الخطيئة، جعله الله خطيئة لأجلنا" (1قور 5/21). وأدّى به الحبّ إلى أقصى حدود التشبّه، أي إلى الموت، ولا سيّما الموت المُهين الشائن، موت الصليب.

إنّ هذا الفقر المطلق، الذي يتضمنّه فعل التجسد، جعل يسوع يختار نمطاً حياتياً فقيراً في أثناء حياته الأرضيّة مع بني البشر أحبّائه، ويتألَّم ويتعذب بسببهم ومعهم ومِثلهم، ويُهان ويُرذل ويُحتقر بسببهم ومعهم ومِثلهم. إنّ الحبّ الحقيقيّ يصل إلى هذا الحدّ من التطابق والتماثل مع الإنسان المحبوب الذي هو على صورته أصلاً، وقد أصبح الخالقُ القدير هو على صورة المخلوق الفقير.

أهناك فقرٌ أعظمُ من ذلك؟ إنّ هذا الفقر لا يُفقِد الله مجده، لأنّه نابع من عظمة الحبّ وتساميه. وما يظنّه الإنسان إهانة لله القدير، لله المتسامي لله الأكبر، هو بالفعل أعظم تعبير عن قدرته وتساميه، وهو يختار بكلّ تواضع فقر الإنسان الفقير. وإنّما عظمة هذا الفقر ترجمة بشريّة للفقر الثالوثيّ.

الإله الخالق يحترم حريّة الإنسان المخلوق

بالمنطق عينه، منطق الفقر الإلهي المُعلن في أثناء حياة يسوع الأرضيّة، نرى أنّ يسوع المسيح قبل حريّة البشر، وإن كانت حريّة شرّيرة، أدّت به إلى الموت، موت الصليب. فعندما أتت إليه "عصابة كثيرة العدد تحمل السيوف والعِصيّ" لتقبض عليه في بستان الزيتون، تقبّل هذه الإهانة البالغة؛ ولمّا استلّ بطرس سيفه وضرب أحدهم، احتجّ يسوع قائلاً: "أو تظنّ أنه لا يمكنني أن أسأل أبي، فيمدّني الساعة بأكثر من اثني عشر فيلقاً من الملائكة؟" (متى26/47-54). ولذلك، فقد قبل يسوع بتواضع كبير وفقر كليّ هذا الفعل الشائن الصادر عن قلب بشري مهين، مفضِّلاً أن يخضع لحريّة بشريّة شريرة، على أن يسحق أعداءه بقدرته الفائقة.

وتتجلى قمة هذا الفقر الإلهي في كون يسوع قد اعتبر أنّ حرية الإنسان الشرّيرة تُعبّر له عن مشيئة أبيه، ذلك بأنّ المشهد عينه الذي رواه يوحنّا يُوضح: "أفلا أشرب الكأس التي ناولني أبي إيّاها؟" (يو18/11)، مطابقاً هكذا مشيئة أبيه القدّوسة بإرادة البشر الشريرة. وهذا التطابق يرفضه العقل البشريّ ونطرته إلى القدرة الإلهيّة والتسامي الإلهيّ، كما يصعب عليه أن يتقبل منطق الفقر الإلهيّ في أوجِهِ: "ما كان في العالم من حماقة، فذاك ما اختاره الله ليخزي الحكماء. وما كان في العالم من ضعف، فذاك ما اختاره الله ليخزي ما كان قوياً. وما كان في العالم من غير حسَب ونسَب وكان محتقراً، فذاك ما اختاره الله: اختار غيرَ الموجود ليُزيل الموجود، حتّى لا يفتخر بشر أمام الله" (اقور 2/26-31). هكذا يتمثّل فقر الله وتواضعه، واحترامه حريّة الإنسان النابع من عظيم حبّه له، وإن كان هذا الإنسان خاطئاً شريراً: "مات المسيح في الوقت المحدد من أجل قوم كافرين، ولا يكاد يموت أحد من أجل امرئ بارّ، وربّما جرؤ أحد أن يموت من أجل امرئ صالح. أمّا الله فقد دلّ على محبتّه لنا بأنّ المسيح قد مات من أجلنا، إذ كنّا خاطئين" 0روم5/6-8). هكذا تجلّت محبة الله الفقير في عظمةٍ لا تقدر عليها إلا قدرة فائقة تتواضع.

ولم ينتهِ أمر فقر الله بما عاشه يسوع، بل بعد موته وقيامته، عهد إلى الإنسان بأن يُكمِّل رسالته الإلهيّة، رسالة الخلاص، ذلك أنّه أوصى تلاميذه، وهو صاعد إلى الآب، بأن "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم (...). هاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم" (متى28/20). الله يستخدم الإنسان إذاً في تدبيره الخلاصيّ، بيد أنّه بُوسعه أن يخلص الإنسان بدون الإنسان، كما خلقه في البدء بدونه؛ ولكنّه، احتراماً للإنسان ورفعاً من شأنه، أشركه في قصده الخلاصيّ، وكأنّه في حاجة إلى الإنسان مع انَّه غير محتاج إلى الإنسان، فاحتاج إلى حريته الصالحة البارّة، كما أرادها في البدء.

الإله الغني يحبّ الفقراء

إن كان الله يحبّ جميع البشر بلا محاباة ولا استثناء، بما فيهم الخطأة، إلا أن يسوع قد أحبّ الفقراء حباً تفضيلياً، لا لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأنه فقير في أزليته وزمنيته، فكأني به يرى في الفقير صورته.
وقد بلغ به هذا الحبّ إلى حدّ أنّه طابق مصيره بمصير الفقراء: "كنتُ جائعاً... كلّ ما فعلتم لأحد هؤلاء الصغار إخوتي، فبي قد فعلتموه..." (متى25/31-46). وممّا يلفت الانتباه أنّ المسيح يعبّر عن التطابق بينه وبين الفقراء وهو "في مجده، تواكبه جميع الملائكة، يجلس على عرش مجده، وتُحشر له جميع الأمم". هكذا لا يُفقِد تطابقُه هذا مع الفقراء جبروتَ مجده وعظمته، بل هو يتجلى في أُبّهته، إذ إنّه يطابق شخصَه المجيد بفقراء بني البشر، ويرفع من شأنهم حتى إنه يوليهم مجده: "افتقرَ لأجلكم، وهو الغنيّ، لتغتنوا بفقره" (فل8/9): أخذ فقرهم، فقرَ العبيد، ومنحهم غناه المجيد وهو فقير، في تبادل بين الفقر والغنى لا يحقّقه إلا إله غنيّ في فقره وفقير في غناه.

الخلاصة

ليس إلهنا فقيراً في حد ذاته فحسب، بل في تعامله معنا أيضاً: ما هو في داخله يظهر في خارجه، وما يتعلّق بكيانه يُترجم في علاقته بنا، ومن هذا المنطلق، نوجّه نظرنا الآن إلى الإنسان الذي خُلق "على صورة الله كمثاله"، أي خُلق فقيراً ليغتني بفقر الله، بقدر ما "الضعف من الله أوفر قوَّة من الناس" (1قور2/25). وسنتناول شقّين متكاملين: الشخص في حدّ ذاته، وعلاقته بأخيه الإنسان.

ثالثاً - شخصنا الفـقير

يظهر فقر الشخص على صعيدين متكاملين من حياته البشريّة: الصعيد الأنطولوجيّ والصعيد الوجوديّ. ونقصد بالصعيد الأنطولوجيّ ما يتعلق بكيان الشخص وجوهره، كما أراده الله عندما خلقه "على صورته كمثاله"؛ وهذا ما نعالجه في الفقرتين التاليتين. ونقصد بالصعيد الوجوديّ ما يختصّ بحياة الشخص العمليّة، بناء على الصعيد الأنطولوجيّ؛ وهذا ما نعالجه في الفقرة الثالثة.

الفقر الشخصيّ بين الاقتبال والحريّة

إنّ الشخص، لكونه على "صورة الابن" (روم8/29)، هو أصلاً، في صميم كيانه، "اقتبال"، لأن الله خلقه، ومن ثمّ فهو يقتبل ذاته وكيانه من الله، وذلك على صورة الابن الأزليّ الذي يقتبل ذاته من أبيه الأزليّ. وقد وضّح بولس هذه الحقيقة إذ أعلن: "في (الله) حياتُنا وحركتنا وكياننا" (رسل17/28). فليس الشخص مصدر ذاته، بل هو "خرج من الله وإلى الله يمضي"، على صورة الابن الأزليّ (يو13/3).

الحقّ يقال إنّ هذا الوضع البشري لا يتجانس وما يصبو إليه الإنسان المعاصر، إذ إنّه يريد أن يكون مصدر ذاته. وترقى تلك النظرة إلى النهضة الأوروبية في غضون القرن السادس عشر، مروراً بـ "عصر الأنوار" الألمانيّ وعصر "الموسوعيّين" الفرنسيّ في القرن الثامن عشر، ووصولاً إلى عصر "الوجودية" في القرن العشرين، حيث المناداة بالحريّة البشريّة كمرجع مطلق يتمحور حول الشخص ويشيّد عليه وحده حياتَه ومشروعه وتحديد مصيره ومستقبله. إنّ الحضارة المعاصرة تؤجّج معنى الحريّة وتضخّمه وتوليه بالغ الأهمية، على حساب علاقته بالله وبالآخرين. ولذا فنحن ننادي بأنّ جوهر الشخص وكيانه، وأصله ونهايته، إنما هي في كونه اقتبالاً، يقتبل ذاته وحياته وحريّته من آخر، من الله أساساً، ومن سائر الأشخاص. وكما تلمّسنا أنّ اقتبال الابن الأزليّ هذا هو بالفعل فقر، فإنّ اقتبال الشخص هو فقر، وبالتالي يكمن وجهٌ من وجوه سرّ الشخص في كونه فقيراً يقتبل من آخر ما يريد أن يقتبله من ذاته. إنّ في ذلك انقلاباً كلياً للمقاييس والمعايير السائدة في مختلف مجتمعاتنا البشريّة، ولاسيّما المجتمعات التي تؤثر في مفهومنا المعاصر للإنسان ولقيمه ومعنى وجوده. وليس الإنسان المعاصر مستعداً لقبول كونِه اقتبالاً في جوهره وكيانه ليستطيع أن يكون حرّيّة، ولا اقتبال ذاته من آخر ليقدر أن يحققها تحقيقاً شخصياً حراً.

تندرج بالفعل حريّة الشخص في اقتباله إيّاها من الله، إذ إنّ كلّ شيء يأتي من الله. فالله الذي يخلق الإنسان، يخلقه "على صورته كمثاله"، أي شخصاً حرّاً، لأن الله كائن حرّ حريّة مطلقة، وهو منبع كلّ حريّة. وتكمن حريّة الشخص في أنّه يتقبلها من الله مصدرها؛ وبالتالي فليست حرّيته مطلقة، بل هي نسبية، يهبها له الله.
نستخلص من ذلك أنّ الشخص هو، في نهاية الأمر، مزيج من الاقتبال والحريّة: الاقتبال لكونه مخلوقاً لا خالقاً، والحريّة لكونه "على صورة الله كمثاله". الشخص إذاَ مزيج من النهائيّة واللانهائيّة، ومن المحدوديّة واللامحدوديّة؛ هو مزيج من الفقر والغنى، ومن التواضع والقدرة.

الفقر الشخصي بين التمركز على الذات والتمركز على الآخر

إن كان ما سبق يختص بأصل الشخص ونهايته، فهناك ما يتعلّق بحاضره، وهو خاضع لمنطق الفقر عينه، أي أنّ نقطة تمركز الشخص ليست في ذاته بل في الآخر، كما سبق أن رأيناه في خاصّة الروح القدس الذي هو علاقة. ولقد قال تيار دي شردان اليسوعيّ في هذا الصدد: "عدم تمركزي على ذاتي، بل تمركزي على الآخرين، وتمركزي المطلق على الله". هذا جانب آخر من جوانب فقر الشخص الذي يصبو في قرارة نفسه إلى أن يصبح مرجعيّة ذاته في مشاريعه وقرارته، ومعاملاته وعلاقاته. وأمّا كونه اقتبالاً, فيجعل مرجعيته, لا في شخصه, بل في الآخرين وفي الآخر المطلق.

الفقر الشخصيّ بين الالتزام والتحرّر منه

وممّا يُظهر جانباً آخر من جوانب فقر الشخص المترتّب على كونه اقتبالاً, ضرورة التزامه في المجتمع الذي يعيش فيه ويعمل من أجله. وقد يشعر أو يختبر أنّ هذا الالتزام الضروري ينال من حرّيّته, ويقيدها, ويفرض عليها حدوداً. وفي الوقت عينه, يتطلب وضعه البشريّ ألاّ ينغمس كلياً في التزامه, فيفقد حرّيّته فيه, لذلك فعليه أن يجعل مسافة بينه وبين التزامه, لأنه أعظم من التزاماته الاجتماعية وعلاقاته الشخصية ومشاريعه الحياتية وملكاته المعنوية وخيراته المادية... ومن ثمّ, فبقدر ما عليه أن يلتزم, عليه في الوقت نفسه أن يتحرر من التزامه, حفاظاً منه على حريته الداخلية العميقة المهددة دائماً بالاغتراب في ما يقوم به أو يفكر فيه أو يمتلكه, هكذا يظهر في وضع مزدوج من حتميّة الالتزام والتحرر منه, وكذلك من تجنّب اللامبالاة والانغماس.

الخلاصة

ألا ينبغي لنا أن نئنّ مع بولس: (( ما أشقاني من إنسان!)), بسبب وضع الشخص المأسويّ هذا؟ نعم, ولكن شرط أن نهتف توًّا : ((الحمد لله بيسوع المسيح ربنا! فهاأنذا عبد بالعقل لشريعة الله , وعبد للجسد لشريعة الخطيئة)) (روم7/24-25). إنّ وجوه الفقر الشخصيّ التي ظهرت لنا هي في الوقت عينه منبع حرية حقيقية, لا حرية مزيفة تنادي بها بعض الفلسفات والإيديولوجيات الرخيصة التي تبتر الشخص من عمق أعماقه وتضعه على حافة الهاوية التي تؤدي به إلى حقيقة مبتورة من منبعها ونهايتها, ومن عمقها وملئها, وإلى حقيقة تتجاهل أنّ قيمة الشخص وعظمته ومعناه الأقصى تكمن في كونه اقتبالاً ((على صورة الابن)), ومن ثمّ في كونه حرية.

رابعاً – بشريتنا الفـقيرة

نصوب الآن نظرنا إلى الشخص في علاقته بالآخرين, لنستشفّ على هذا المستوى أيضاً تضافر الفقر والغنى من حيث بذل الذات لأجل الآخرين – كاستعداد كيانيّ – وخدمتهم – كتحقيق حياتي للاستعداد الكيانيّ – ومشاركتهم في الخيرات – كتطبيق عملي لهما – وكل ذلك من منطلق ما استجليناه من فقر الأقانيم الثلاثة ومن قدرتهم.

بذل الذات في سبيل الآخرين

إنّ بذل الذات في سبيل الآخرين هو من مقومات العلاقات البشرية تمثّلاً بيسوع المسيح الذي علّم ذلك وعاشه: (ما من حب أعظم من حب من يبذل نفسه في سبيل أحبائه ) (يو 15/13) وبالتالي (( فعلينا نحن أيضاً أن نبذل نفوسنا في سبيل إخوتنا )) (1يو 3/16). إن هذا البذل علامة فقرٍ لا يعيشها إلا الشخص الفقير, لأن الفقير وحده قادر على ألا يكتفي بنفسه, بل أن ينفتح على الآخرين ويهب شخصه لهم.

ويتضمن الفقر ما نحن بصدده أن ينظر الشخص إلى أخيه الإنسان, وأن يُصغي إليه, بقدر ما فِعْلُ ((النظر)) وفعلُ (( الإصغاء )) هما من مقومات الشخص, الأمر الذي يتطلب الخروج من الذات وعدم التمحور عليها, بل التمحور على الآخر المختلف للدخول في علاقة به هي أساساً علاقة بذل.

خدمة الآخرين

تحقيقاً لما سبق, يقوم الشخص بخدمة الآخرين, بيد أن الميل الطبيعي قد يدفعه إلى التخلي عن الآخر – لما في الشخص نزعة إلى الأنانية – أو التسلط عليه – لما فيه من نزعة إلى السيطرة -, وذلك اقتداءً بيسوع المسيح الذي وضّح معنى وجوده بين البشر, معتبراً نفسه خادماً لهم: ((لم يأتِ ابن للإنسان ليُخدَم, بل ليَخدُم)) (مر 10/45).
وإن خدمته هذه لا تتنافى إطلاقاً وربوبيّته, بل إنّ ربوبيته تظهر في خدمته المتواضعة الوديعة, لا في الكبرياء والعنف: ((ليكن الأكبر فيكم كأنه الأصغر, والمترئس كأنه الخادم)) (لو 22-26). ففيما يسعى البشر للسيطرة على الآخرين أو محاربتهم أو إقصائهم, يعرض يسوع نموذجاً من العلاقات بين البشر مختلفاً كل ّالاختلاف, وهو الخدمة.

وممّا يلفت النظر في كلام بولس على الخدمة, أنها مرتبطة بالحرّيّة: " أيُّها الإخوة, قد دُعيتم إلى الحرية, بشرط واحد وهو أن لا تجعلوا هذه الحرية فرصة للجسد, بل بفضل المحبة اخدموا بعضكم بعضاً " (غل 5/13). فكأنّي به يؤكد أن الحرية تتحقق فعلاً, لا من خلال القيام بما يروق للشخص أن يقوم به, بل من خلال خدمته الآخرين. وعليه, تُضفي الخدمة على الحرية معناها الحقيقي, وهو أنّه ما من حرية حقيقية بدون خدمة مبنية على المحبة.

وتتصف روح الخدمة بأنها أكثر من أفعال خدمة, ذلك بأنّ الأفعال تصدر عن نمط حياة يعتبر الخدمة أسلوباً في الوجود, وطابعاً مستديماً للعلاقة بالآخرين. فلأن يسوع اعتبر نفسه خادماً للبشر, مكرساً حياته لخدمتهم، قام بأفعال خدمة. والإنسان مدعو إلى أن يقتفي أثر ربّه الخادم.

مشاركة الآخرين في الخيرات

وتطبيقاً لما سبق تطبيقاً عملياً, يشارك الشخص الآخرين في كل ما له ولديه من خيرات روحية ومعنوية ومادية, اقتداءً منه بالله الآب الذي هو جوهراً مشاركة: كل ما هو للآب هو للابن.

وتتحقق هذه المشاركة في تبادل هو بالحقيقة من جوهر الابن: كل ما هو للابن هو للآب. وعليه, فكل ما يقتبله الشخص من الله ومن الآخرين, لا يحتفظ به لنفسه, بل يشرك فيه الآخرين, لأنّ كلّ ما ناله من الله ومن الآخرين قد ناله مجاناً, وهو في سبيل المشاركة والتبادل.

ولمّا كان أي فعل عطاء للآخر ولاسيما للفقير مهدداً بالكبرياء, لأن الغني هو الذي يعطي الذي لا يملك، فإن الشخص مدعو إلى استعطاء الآخر, لأنّ الطلب يعني الاحتياج إلى الآخر والعوز إلى ما ينقصه, وهذا أمر ضروري ليتجنب الشخص الاكتفاء الذاتي أو العطاء المتكبّر. ولذلك فالله بحاجة إلى الإنسان لأن الله فقير, وعندما يعطي فهو يعطي الإنسان بتواضع ووداعة وبدون أي تسلط أو كبرياء أو شعور بالفوقية: " لا تعلم شمالك ما تفعل يمينك " (متّى 6/1-4). عظيم هو فقر الله وتواضعه ووداعته, والإنسان مدعو إلى أن يتمثّل به.

الخلاصة

إنّ نموذج العلاقات بين البشر, الذي تبيّنَ لنا، هو بالفعل مخالف لجميع المعايير المتداولة بين البشر والشعوب وفي المجتمعات. إنّ قِيَم الإنجيل, وهي تترجم صميم العلاقات المتبادلة بين أقانيم الثالوث, متأصلة في كون الله فقيراً متواضعاً وديعاً, وفي ذلك تكمن عظمته وقدرته وغناه. والبشرية مدعوة إلى أن تحقق في تاريخها الإنساني ما يتسم به تاريخ الله مع البشر, بل وما يميز عمق كيان الله من علاقات بين الأقانيم الثلاثة.

الخاتمة

ما هو وضع الفقر في الأنتربولوجيا المسيحية؟ لقد انطلق خطابنا اللاهوتي من هذا التساؤل الذي وجهه ورسم ملامح سمة الفقر المسيحية, لأن مفهوم المسيحية للفقر متباين كل التباين وجميع الأديان المجاورة لها, وجميع الفلسفات والإيديولوجيات المحيطة لها, وجميع القيم والمقاييس والمرجعيات السائدة حولها. والمسيحية تفخر بما تتميز وتستأثر به.

وإن هذا الفخر رسالة أيضاً بمعنى أن الله الذي أنعم على تلاميذ ابنه بأن يتلمّسوا عمق أعماق الفقر, يعهد إليهم بمسؤولية مزدوجة, الأولى أن ينظّموا حياتهم الشخصية والجماعية والاجتماعية بموجب هذا الفقر, والثانية أن تشهد حياتُهم على معاني الفقر الإلهية والإنسانية, وأن ينشروها حولهم. ذلك أن السر المكتوم الذي أُعلِن إليهم, عليهم ألا يحتفظوا به أنانياً, بل أن يعلنوه من خلال حياتهم وكلامهم وتصرّفاتهم.

وتصحب هذه الرسالة نعمةٌ للقيام بها, إذ إنّ مُبدع الرسالة هو في الوقت عينه معاون للقيام بالرسالة, وهذه الرسالة تهمه لأنها رسالة إعلان عن كينونته الفقيرة في قدرتها والقديرة في فقرها. فليس الفقر قضية اقتصادية واجتماعية وسياسية فحسب, وليس هو قضية أخلاقية وفلسفية وروحية فحسب, بل الفقر هو أساساً قضية ثيولوجية, لأن الله فقير؛ كما أن الفقر قضية انتربولوجية أيضاً، لأن الإنسان فقير "على صورة الله كمثاله", وقد أنعم الله عليه بأن يشاركه في غنى فقره.

"من كان له أذنان, فليسمع ما يقول الروح القدس للكنائس" (رؤ 2/7). "التفتُّ لأنظر إلى الصوت الذي يخاطبني" (رؤ1/12).

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati