جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - تربية الضمير للأب منير الراعي
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2003 - 2004

 

الأب منير الراعي

تربيـة الضميـر

نـداء الله – جواب الإنسان

 
 

مقدِّمة

إن مصدر المطلب الأخلاقي يكمن في الله. وهو يتأصل في معرفة أن الله يقبل كل إنسان ويدعوه إلى الحرية، ويريد إدخاله في عهده. فكيف يدرك المطلب الأخلاقي من قبل الفرد؟ كيف يمكنه أن يعرف ما المطلوب منه في الأسرة، والمهنة، والسياسة، وباختصار في كل مجالات حياته ؟ كيف يعثر على القرار الصحيح ؟

نختبر أيضاً أن هناك قرارات، يستند فيها إلى الضمير، تختلف بعضها عن بعض و مراراً تتناقض. فالبعض يعتقدون انه بإمكانهم التوفيق بين أمر ما وضميرهم، والأمر نفسه يرفضه آخرون بسبب الضمير. لنستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، لا بد من التفكير في موضوع الضمير.

من المعلوم أن معظم الناس مقتنعون بان الضمير هو من صميم الكيان الإنساني، ولكن ما هو الضمير ؟

أولاً- الضمير في الكتاب المقدّس

1- في العهد القديم

يرى العهد القديم أن حركة الضمير إنما وضعها الله في الإنسان. فقد خلق قلب الإنسان بحيث يتفاعل مع الذنب. وروي عن الملك داود : " فخفق قلب (ضمير) داود من بعد إحصاء الشعب، وقال للربّ : قد خطئتُ خطيئة كبيرة في ما صنعت " ( 2صم 24: 10 ، 1 صم 24: 6 )

ينظر إيمان العهد القديم إلى اختبار الضمير، لأول وهلة في ارتباطه بالله. فمن وراء ما يقوله الضمير، وهو يرشد ويحذّر ويدين، يُدرَك صوت الله. (مز 139: 1-5 )

الضمير لا يضع الإنسان فقط إزاء الله، بل يُظهرُ له أيضاً مسؤوليته تجاه سائر الناس.
( 2 صم 12: 7-12 ، مز 51 ")

ما يعنى بالضمير يؤثر العهد القديم وصفه بلفظة " قلب " فالقلب هو مركز الإنسان، ومنه تصدر إلى جانب المعرفة العاقلة، القرارات. وفي القلب تسكن الأفكار الرديئة والأفكار الصالحة.

2 - في العهد الجديد

ينطلق يسوع من أقواله عن الضمير من تصوّرات العهد القديم. بالنسبة إليه أيضاً، القلب هو مكان اختبار الضمير. بحسب تعليم يسوع، كل تصرف أخلاقي له علاقة بالله : "وأبوك الذي يرى في الخفية، هو يجازيك" (متى 6: 4-18 )

ثم أن الضمير مرتبط بحقيقة ملكوت الله الجديدة، التي نلتقيها في يسوع المسيح نفسه. فمن المهم جداً في هذا الأمر تمييز " علامات الأزمنة " بالنسبة لنا يسوع المسيح هو نفسه أساس الحياة الدينية الأخلاقية وغايتها.

إن لفظة الضمير (syneidesis) ترد لأول مرة لدى بولس الرسول، في الفصلين الأولين من رسالته إلى أهل روما. ولكن يتساءل ما هو وضع الذين لا يؤمنون بإله الوحي ولا يعرفون وصايا الله المعلنة في الكتاب المقدس ؟ أليسوا معذورين من تتميم الناموس ؟ وهل يمكنهم الوصول إلى معرفة إرادة الله ؟ في هذا يقول بولس :" فغير اليهود من الأمم، الذين بلا شريعة. اذا عملوا بالفطرة ما تأمر به الشريعة. كانوا شريعة لأنفسهم، مع أنهم بلا شريعة، فيثبتون أن ما تأمر به الشريعة مكتوب في قلوبهم وتشهد لهم ضمائرهم وأفكارهم. فهي مرة تتهمهم ومرة تدافع عنهم. وسيظهر هذا كله، كما أبشركم به، يوم يدين الله بالمسيح يسوع خفايا القلوب" (روم 2: 14-16).

ثانياً- تعليم الكنيسة في الضمير

في الدستور الرعوي حول الكنيسة في عالم اليوم، يعرض المجمع الفاتيكاني الثاني تعليماً عن الضمير، توجَز فيه العناصر الكتابية والتقليدية مع نظرات لاهوتية جديدة عن كيان الضمير ومعناه.

نقطة انطلاق هذا التعليم هو الكيان الإنساني للإنسان، وكرامته ودعوته. الدعوة هي الكلمة المفتاح لتعليم المجمع عن الإنسان : الدعوة إلى الكيان الإنساني تعني أن الإنسان مدعو إلى السير المتواصل ليحسّن باستمرار حياته وعلاقاته بالله وبسائر الناس، ويحملها إلى نضوج أكثر. وهذا ما يشكل كرامته كشخص.

كما أن المكان الذي تختبر فيه هذه الدعوة كمطلب أخلاقي، هو الضمير :

"يكتشف الإنسان في ذات ضميره ناموساً لم يصدر عنه، ولكنه مُلزَمٌ بطاعته، وصوته يدعو أبداً ذلك الإنسان إلى حبّ الخير وعمله، وإلى تجنب الشرّ، ويدوّي أبداً في آذان قلبه أن اعملْ هذا وتجنب ذاك. أجل إنه ناموس حفره الله في قلب الإنسان ، وكرامته في ان يخضع له، وبموجبه سوف يُدان" ( ك ع 16 )

هنا يتكلم المجمع على اختبار المطلب الأخلاقي، الذي يعبّر عنه صوت الضمير كمطلب مطلق، كناموس. إنه صوت متشدّد. ولكنه لا يضيّق على الإنسان ولا يغرّبه عن نفسه، بل يقوده بالحري إلى تحقيق كيانه الإنساني.

"الضمير هو المركز الأشد عمقاً في الإنسان ، والهيكل الذي ينفرد فيه إلى الله، ويسمع فيه صوت الله " (ك ع 16)هذا الوصف للضمير على أنه " المركز الأشد عمقاً " يتطابق مع ما يعنيه التقليد الكتابي-المسيحي بلفظة "القلب"، أو "مركز الشخص البشري"، أو التصوّف بتعبير "عمق الروح" أو "الهيكل" في الإنسان .

كما أن المحبة هي مضمون الضمير وقياسه، وهي شريعته الخاصة. وهذا ما يعبر عنه المجمع بقوله:
"في الضمير يكتشف الإنسان بطريقة عجيبة هذا الضمير، الذي يكتمل بمحبة الله والقريب" ( ك ع 16 ) .

الاختبار الأخلاقي في ضمير الإنسان لا يكون شديداً في أي مكان آخر مثلما يكون حيثما يتحمل الإنسان مسؤولية في سبيل الآخرين. ومن ثم فإن نواة كل توجيه للضمير هي وصية المحبة المزدوجة (متى 22:37-40) هذا المضمون الرئيسي يعطي الضمير توجّهاً أساسياً نحو القيم، ويجعل الإنسان يدرك أيضاً ما الذي يتطابق مع تلك المحبة.

إن الانسجام بين المحبة الإنسانية والمحبة الإلهية لن يصل إلى اكتماله إلا في نهاية الأزمنة. أما في زمن حياتنا على الأرض، فنحن في سعي دائم إلى نجاح محبتنا. صحيح أننا نعلم انه ينبغي لنا أن نكون صالحين ونعملَ كل ما هو صالح، ولكننا لا نعلم دوماً ومسبّقاً ما هو الصلاح الحقيقي في كثير من أوضاع الحياة. ولكننا لا نستطيع أيضاً أن نؤجّل دوماً تصرّفنا حتى نتمكن من معرفة كل شيء بالتدقيق ليتسنى لنا الحكم. فالوضع يتطلب منا أن نتخذ قرارنا ونتصرف بمقتضى هذا القرار. عندما نبحث بصدق عن الحقيقة ونقرّر وفقاً لإدراكنا ومعرفتنا، نخلص لضميرنا. وهذا يصحّ بالنسبة إلى المؤمنين وغير المؤمنين.

"ووفاءً لهذا الضمير لا بدّ للمسيحيين بالاتحاد وسائر البشر، أن يطلبوا الحقيقة، ويبحثوا عن حلّ عادل للقضايا الاجتماعية الكثيرة التي تعترض حياة الأفراد والجماعات" ( ك ع 16 ).

الكنيسة التي تختبر نفسها شعب الله المترحّل على هذه الأرض، لا تملك أجوبة عن كل الأسئلة التي تطرح في مسيرتها عبر التاريخ. ولذلك يترتب أن يكون هناك بحث مشترك عن الحقيقة وعن الحلول الإنسانية.

الضمير يفرض على الإنسان أمرين: أن يقول أولاً "نعم" لمطلب الضمير الأخلاقي، ثم يجتهد في البحث بصدق عمّا يجب فعله في الوضع الراهن. لذلك يجب تثقيف وتربية ضميره .

ثالثاً - تربية الضمير

1 - غاية تربية الضمير

يتوجب علينا أن نربي ضميرنا ليصير " ضميراً بالغاً " وهو ما يفهمه الناس على نحو مختلف. البعض يظن أنه بالغ اذا فعل ما يتلاءم ورغباته وحاجاته الشخصية. والآخر يعتقد أن البلوغ يقوم في التحرر من كل "وصاية" السلطات والشرائع والقواعد، لتحقيق الذات بحرية. هذه التصورات للبلوغ وأمثالها بعيدة كل البعد عن البلوغ.

الضمير البالغ هو ضمير ناضج أخلاقياً، يثبت قيمته في تحقيق القناعات الأخلاقية، في التقبّل المسؤول للقيم، وفي السيطرة على الصراعات بما يلائم كل الظروف والأوضاع. الإنسان في هذه الحالة هو في مسيرة دائمة. الضمير البالغ لا ينتهي مع ذاته، بل عليه أن ينضج باستمرار.

تيقّظ الضمير يعني بالنسبة إلى المؤمنين، قبل كل شيء انفتاح الأذن والقلب على كلمة الله.

الضمير المتيقظ يحكم على كل شيء على ضوء الإنجيل، والعهد الجديد يربط مع تيقظ الضمير الصلاة: "اسهروا وصلوا" ( مر 14 : 38، لو 21 : 36) في الصلاة ننفتح على الله ونصغي لكلماته، ونحصل في التخاطب معه على الاستعداد لقبول إرادته.

الحرية الداخلية هي جزء من التيقظ. وهي لا تعني أن الإنسان غير مرتبط بشيء، بل أنه لا يسمح بأن يكون ألعوبة لأي شيء أو بين أيدي أي أحد.

إحدى العلامات المميزة للضمير البالغ هي قدرته على الإحساس بالخير والشر. (نلتقي مثل هذا الإحساس المرهف لدى أناس يتأثرون بأوضاع الفقراء والمرضى والمقهورين، ويلتزمون ضد المظالم والمنازعات وتدمير الخليقة)

الإحساس الذي يشكل العنصر الشعوري في الضمير ينبغي أن يرتبط دوماً بالفطنة التي هي العنصر العقلي في الضمير.

فالفطنة هي تلك الفضيلة التي تؤهّل لإلقاء الضوء على مختلف الحالات والحكم على إمكانية وكيفية التصرّف الأخلاقي المسؤول فيها. والشرط الضروري للوصول إلى الحكم المتسم بالفطنة في واقع كل حالة لا يكمن في معرفة التعاليم المُلزمة وحسب، بل أيضاً في إدراك القيم التي تنطوي عليها تلك التعاليم ومقدار ما من المعرفة الواقعية والخبرة.

الضمير الفطن لا يحكم فقط بالعقل، بل أولاً "بالقلب" بالشخص بمجمله.

2 - سبل تربية الضمير وتثقيفه

ثمة اتفاقٌ اليوم على أن الضمير لا ينمو وحده من تلقاء نفسه، ولا يثقف فقط من خلال التأثيرات الخارجية. تنمية الضمير وتربيته يتمّان بقيادة من الباطن ومن الخارج معاً. وكلا اللحظتين مرتبطتان إحداهما بالأخرى وتكمّل إحداهما الأخرى.

تربية الضمير يجب أن تبدأ في الطفولة الباكرة. وهي تقوم أولاً بقبول الطفل، وفي هذا القبول يُعطى الطفل تلك الثقة الأصلية التي هي في أساس كل تنمية سليمة للضمير.

تربية الضمير في سن الطفولة يجب أن تتم بحيث يتمكن الطفل، في مسيرة تدرّجية أن ينمي الإحساس بالخير والشر، وبالحق والخطأ. هنا تؤدي مساهمة الوالدين دوراً حاسماً ، فان طريقة تقويمهما وتصرّفهما تؤثر على الطفل، والصلاة المشتركة وفحص الضمير مع الولد يؤديان مساعدة مهمة في هذا الموضوع.

تربية الضمير في سن الشباب يجب أن تكون تربية على تحمّل مسؤولية الذات. فلا يجوز لا أن يضيَّقَ على الشاب ولا أن يُترَك وشأنه في تصرّفه الخاطئ. لذلك يجب أن يعطى بعض المتطلبات المفهومة التي تحمله على الاقتناع بها والعيش بمقتضاها.

تربية الضمير يجب أن تؤهل الإنسان لتثقيف ضميره على مدى حياته، لذلك يجب أن تنطوي تربية الضمير أيضاً على تعليم في القيم والقواعد والوصايا، ولكن لا يجوز أن تكون تلقين معلومات وحسب، بل أن تتضمن نداءات وحوافز للإرادة والشعور.

تربية الضمير يجب أن تشمل الإنسان بمجمله، إذ أن الضمير يتعلّق "بمركز الإنسان" ويبلغ حتى عمق وجوده.

تربية الضمير يجب أن تندرج ضمن تربية الإيمان. ففيها يصير اختبار الاطمئنان اطمئناناً إلى الله، واختبار المطلب الأخلاقي ارتباطاً حراً بالله، واختبار الوصايا نداء إلى حرية الإنسان .

من كان مستعداً للسير في طريق الضمير، يعي أيضاً انه يمكنه أن يلزم حدوده، ويبحث دوماً عن طرق أفضل لمسؤولية ضميره : في الصلاة والتأمل، في التخاطب مع سائر الناس، في الإرشاد الروحي وسرّ التوبة، في التفكير المشترك والتصرف المشترك داخل الجماعة والكنيسة والمجتمع .

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati