.0 { font-family: Simplified Arabic; font-size: 12pt; color: #800000; font-weight: bold; list-style-type: decimal } --> جمعية التعليم المسيحي في حلب - الأحاديث اللاهوتية - الحياة الرهبانية في شمالي سورية للأب ايلي طوبجي
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2004 - 2005

 

الأب ايلي طوبجي

الحياة الرهبانية في شمالي سوريا

 
 

جذور الحياة الرهبانية في الكتاب المقدس

حين نتحدث عن جذور الترهّب في الكتاب المقدس، لا بدّ من أن ننطلق من التقليد المسيحي الذي رأى في مفهوم الراهب ثلاثة أشكال: ذلك الذي يعيش وحده منعزلاً متوّحداً، وذلك الذي تخلّى عن خيرات هذه الدنيا، عن الزواج وعن العائلة، وذلك الذي يعيش داخل جماعة في وحدة الحياة المشتركة.

في العهد القديم :

يدور موضوع الترهّب على مستوى الفرد: مع إرميا الذي حاول أن يصل إلى قمة "الترهّب" وهي الوحدة في ذاته بعد الوحدة مع ربه. إذ لم يتزوج، وترك الأمور المادية وهموم العالم، وترك أفكاره الدنيوية واستسلم إلى الصلاة والحوار مع الله. أما إيليا فيعتبره الرهبان مُلهم الحياة الرهبانية، فهو رجل سرّي يتحرك بالروح إنه رجل الروحانية والصلاة، رأى الآباء في شخص إيليا مثال الحياة التأملية والحياة الكاملة، الذي يجد امتداده في كل هؤلاء المتوحّدين الذين يعيشون في عزلة تامة مثل إيليا في مغارته وينتظرون اللقاء مع الله.

وعلى مستوى الجماعة: الرهبان هم المكرّسون لله. وفي العهد القديم فإن شعب الله مكرّس لأنه مفروز من بين الأمم ليكون لله، فجماعة بني اسرائيل الواحدة هي كلها رهبنة بمعنى أنها مكرّسة لله في الطاعة لربها ولوصاياه. في حياة من الفقر تستند إلى عطايا الله. في حياة من العِفّة بعيدة عن الدنس والنجاسة والزنى. الذي هو عبادة الأوثان.

وهناك الريكابيون، وهم مجموعة تعيش الحياة النُسكية في العالم داخل جماعة مكرّسة لله، تعيش في العالم دون أن تكون من العالم. نجد لهم امتداداً مع الفريسيين الذين وجدوا نوعاً آخر من الجهاد منفصلين عن العالم وهم عائشون في العالم.

ونجد ترهّباً في مجموعات منظمة: هم اللاويون الذين انتظموا في مدن كانت بشكل أديرة كبيرة. اختارهم الله اختيارا خاصا ليكونوا حصته وميراثه، فعليهم بدورهم أن يجعلوا الرب حصتهم وميراثهم. إنهم يخدمون المعبد ويعلّمون الشريعة للشعب ويفسّرونها كي تصبح حياة في حياة شعبهم. وبما أنهم المعلِّمون، وبما أنهم الفقراء في الشعب، فالشعب يقوم بِأَوَدِهِم باسم الرب، بعد أن كانت حصّتهم في أرض إسرائيل هي الرب.

وهناك بنو الأنبياء الذين عاشوا في جماعات لها رئيسها، مثل صموئيل أو اليشاع، شاركوا في الخيرات الواحدة وكانوا يعيشون من صدقات المؤمنين، يلبسون معطفاً من الشعر يذكّرهم بحياة الرعاة في البرية، وحزاماً من جلد، كان هؤلاء الأنبياء خداماً صالحين للرب، ولقد سلّموا نفوسهم وأجسادهم لعمل الروح لكي يكونوا أداة طيّعة من أجل مخطط الله .

وفي العهد الجديد :

يؤكّد الرهبان على أن حياة الترهّب هي للاقتداء بالمسيح الذي أطاع الآب في كل شيء حتى الصليب، ليحررنا ويقودنا إلى الحصول على ميراثه، والذي علّمنا أن نحمل الصليب ونتبعه. فحياة المسيح مثال للحياة الرهبانية ومثال للراهب في سعيه نحو الكمال..

أ) في الاختلاء للوحدة والصلاة: لقد بدأ المسيح حياته التبشيرية بالذهاب إلى الصحراء وتمضية أربعين يوما فيها، يمارس التقشّف والصوم والصلاة (متى 4/1-11)؛ وهو الذي ما فتئ يسير في كل الجليل يدعو الناس إلى التوبة والاستعداد لملكوت الله (مر 1/14-15)؛ ونعلم من الأناجيل أنه كان يمضي أوقاتاً كثيرة في العزلة والصلاة، وخصوصا في الليل حيث كان ينفرد في جبل ما ليصلي (لو 6/12؛ 9/18؛ 9/28؛ يو 6/15..).

وكذلك يختلي الرهبان في الصحراء لطلب العُزلة، رغبةً في التحرر من كل همٍّ خارجي أو داخلي يُعيق الإنسان عن أن يكون غير منقسم، بل موحِّداً في كيانه الله، مكرَّساً لخدمة الله، اقتداء بالمسيح في حياته على الأرض.

ب) في الزهد: وهو التخلّي عن المقتنيات؛ فالتخلّي عن المقتنيات يهدف إلى عدم الاهتمام بأمور هذا العالم للتفرّغ كلّيةً لحياة الصلاة والجهاد الروحي وخدمة الإنجيل.

لقد دعا المسيح من يريد أن يتبعه إلى الزهد في النفس وحمل الصليب واتبّاعه (مر 8/34-38)؛ وقال للذي جاءه يطلب منه أن يتبعه: "إن للثعالب أوْجرة ولطيور السماء أوكارا، وأما ابن الإنسان فليس له ما يضع عليه رأسه" (متى 8/19-20)، وفي هذا إشارة واضحة إلى حياة التخلّي عن المقتنيات التي مارسها طوال زمن بشارته، حتى الصليب! لأن: "لا أحد يستطيع أن يخدم سيدين.. لا يمكنكم أن تخدموا الله والمال" (متى 6/24). وهو الذي دعا الشاب الغني إلى بيع جميع مقتنياته وإعطائها للفقراء كشرط أساس للكمال المسيحي (متى 19/20-22).

إلاّ أنّ يسوع نفسه لم يكن راهباً! فكان أشبه بمبشِّرٍ متجوّل أو نبي معلّم أكثر منه براهب منعزل في الصحراء أو في حياة الوحدة التامة والدائمة.

ج) في البتولية: من الواضح أن يسوع لم يتزوج ولم يعرف امرأة، إلاّ أنه كان يقبل برفقة النساء لخدمته وخدمة تلاميذه.. (لو 8/1-3).

لكن النص الأساسي والأقدم عن البتولية موجود في رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل قورنتس، في الفصل السابع، حيث يقول: " يحسُن بالرجل ألا يمسّ امرأة... فإني أود لو كان جميع الناس مثلي". أمّا السبب فليس لأنّ الزواج أمر سيء، بل كما يؤكّد الرسول: "لأن المتزوج يصرف همّه إلى أمور العالم والوسائل التي يرضي بها امرأته، فهو منقسم! وكذلك المرأة..!" (7/33-34). وكان قد أكّد بأن "غير المتزوج يصرف همّه إلى أمور الرب والوسائل التي يرضي بها الرب" (7/32).

كما نجد وصفاً دقيقاً لحياة الصوم والسهر والعِفّة والفَقر الإنجيلي التي عاشها بولس في رسالته التبشيرية. ولقد عاش بولس حياة التبتّل لكي لا يكون له هم آخر سوى خدمة المسيح مكرّساً نفسه لحمل البشارة. وهو الذي قال لتلميذه طيموتاوس: "ما من مجنّد يشغل نفسه بأمور الحياة المدنية، إذا أراد أن يرضي الذي جنّده" (2 طيم 2/6)، معبّرا بذلك عما سيصبح قاعدة أساسية في الحياة الرهبانية بحسب كتابات مؤسسيها. فالواضح من كتابات الآباء الأقدمين أن هذا هو أساس حياة التبتّل قبل نشوء الحياة الرهبانية المنظمة. فالحياة الرهبانية سترتكز على مفهوم التبتل نفسه، أي التفرغ كليةً للجهاد الروحي.

د) الجماعة المسيحية الأولى ومثال الحياة المشتركة: يرتكز مثال الحياة الرهبانية بشكل أساسي على حياة الجماعة المسيحية الأولى كما هو مذكور في (أعمال 2/44-45 و4/32-34). ويشرح الآباء الأوّلون حياة الجماعة المسيحية الأولى كأساس للحياة الرهبانية، إذ يؤكدون على أهمية التخلي عن الأموال والمقتنيات في سبيل عيش الحياة المشتركة في شركة المحبة والوحدة.

ولا بدّ من أن نشير إلى البعد النهيوي الذي تأخذه الحياة الجماعية. فالتخلّي عن الممتلكات والطاعة للآخر، ومحاربة الشر كل يوم، والصلوات المتواترة وعيش العِفّة، إنما تساهم كلها في عيش انتظار مجيء الرب، بل هي صورة مُسبَقة للحياة المشتركة في الملكوت السماوي .

بدايات الحياة الرهبانية

إن حياة الزهد المسيحي تطورت بشكل متواصل خلال العصرين الثاني والثالث في أثناء تأصّل الكنيسة، في الشرق كما في الغرب. وكانت حياة الزهد والتقشّف البيتي في القرون الثلاثة الأولى الشكل البِدئي من الحياة الرهبانية، وهي أقدم ما عرفته الكنيسة، وستخرج منها الأنظمة الرهبانية المعروفة في العصور الوسطى والحديثة في ما بعد.

في القرن الثاني، كانت الكنيسة قليلة العدد والوثائق نادرة: فهناك فقط رسائل أو كتابات دفاعية عن الإيمان، وكتب دوِّنت بحسب الظرف التاريخي، قد يصعب شرحها. وفيها يمكن أن نجد أحاديث عن عذارى ورجال غير متزوجين. ولكنه ليس الأنموذج الوحيد بعد، للحياة المسيحية الملتزمة، لأنّ الشهيد فقط كان يُعتبر أنموذج المسيحي الكامل. فالهدف الأسمى ومثالية الشهادة كانت هي المسيطرة على حياة المسيحي الملتزم. ولقد أمَدَّت جماعات الزهّاد هذه أناساً كثيرين للشهادة في وقت الاضطهادات.

إن المشورات الإنجيلية المقترحة لعيش الحياة الرهبانية، تمظهرت أولاً بالعزوف عن الزواج: ويسمى ممثلو هذا التيار بالعذارى، "العفيفون" (أي أولئك الذين يمارسون الـ enkrateia، العفة)، وأحيانا سمّوا بـ"المَخْصيين" بالمعنى المجازي للإنجيل (متى 19/12). كما أن هناك كلمة يبدو أنها وجدت استحسانا لوصف هؤلاء، وكانت تستعمل قبل العهد الجديد: وهي كلمة "المنعزل" (ياحيد، بالعبرانية والسريانية، "وحيد" بالعربية)، وكانت تُطلق على المتضرّع في بعض المزامير التي تُصلّى في جماعة قمران المنعزلة (ياحيد)، ومن الممكن أن بعض الأشخاص من هذه الجماعة المنعزلة أصبح مسيحياً ومعلّماً في المسيحية السريانية، ففيها كان يُطلق على المتزهِّد العازب اسم الـ"متوحد" (يحيدايا). عندما ارتحلت هذه الكلمة إلى مصر الهللينية أصبحت هناك (monacos) حيث نراها أولاً في الترجمة القبطية لإنجيل توما المنحول (نهاية القرن الثاني)؛ وستظهر في كتابات أوسابيوس من قيصرية نحو سنة 330 إذ يؤكّد في معرض شرحه للمزمور 68/7 بأن المتوحِّد في اللغة العبرية0 ليس فقط "العازب" ولكنه الإنسان الذي يسير دائما في الاتجاه نفسه، وكل أعماله وتصرفاته لها غاية واحدة، أي التكرس لما هو لخدمة الرب. وستظهر هذه الكلمة أيضاً في حياة أنطونيوس المكتوبة سنة 357 كي تدل على "الراهب"، ولم يعد يُقصد بها فقط معنى رجل عازب ترك الزواج ليربح الملكوت، لكن أيضاً المنعزل عن الحياة الاجتماعية.

إن أسباب هذا النوع من الحياة تبقى في الأساس الرغبة بالتشبّه بالمسيح، الزهد الإنجيلي والاتحاد بالله، كما رأينا. لكن يمكن أن يختلط معها أحيانا سبب آخر وهو الانتقاص من أهمية العالم والترفع عنه. لذلك فان السيطرة على الذات بالعِفّة "enkrateia"، انحرفت فيما بعد إلى التشدّد: فأخذ التخلّي صيغة مطلقة، وأصبحت المشورة الإنجيلية قاعدة ومبدأ. فقد مُنع الزواج وأكل اللحم وشرب الخمر (انظر 1 تيم 4/3). وأعطت الغنوصية، في القرن الثاني، لهذه النزعة أساساً فلسفياً، فهي تعلِّم أن الذي خلق المادة هو إله أدنى من الإله الذي خلق الروح، إذاً فالمادة سيئة والجسد كذلك، والتناسل يُوجِدُ أناساً مصيرهم الفساد. هذا التيار المتطرّف سيترك أثاراً دائمة في الكنيسة الكبرى وفي الرهبنة.

بمرور الوقت، ستتضح في الكنيسة حالة الزُهّاد والبتولين. لقد بدأ الأمر بأن يبقى الإنسان في عائلته ويمارس الزُهد ويكون عازباً، لكن فيما بعدلم يعد هذا الأسلوب ملائماً، كما يقول القديس ايرونيمس. ولكي تُحلّ مشكلة انعزال النساء خصوصا، ظهر نوع من الحل في أكثر من مكان: عذارى مكرسات يَسْكُنَّ مع مكرّس أو مع ناسك كزواج روحي، مما يعطي فوائد حياتية عملية. هذا النوع من الحياة الذي ظهر خصوصا في سوريا، قد يكون في بدايته مرحلة من مراحل الزواج المتطورة حيث الزوجين في وقت ما، يتخلّيان عن ممارسة العلاقة الزوجية. لكن سيُنبَّه دوماً من مخاطر هذا الزواج الروحي، خصوصا عندما سيأخذ الالتزام بالبتولية أو بالعِفّة شكله المتميّز والمستقل.

إنّ أوائل الكتابات الصريحة التي تعالج هذا الموضوع والموجّهة إلى الزُهّاد ستظهر في القرن الثالث. ومنها نفهم أن الالتزام بالعِفّة يفترض إماتة الحواس، والفَقر، والصوم، والوحدة، والصَدَقة؛ فالتكرّس لله يحرّر الإنسان ليتفرغ للصلاة، والسهر، وقراءة الكتب المقدسة. في الرسالتين إلى العذارى المنسوبتين للقديس اقليمنضس الروماني، ستظهر بدايات أسلوب الحياة الذي سيصبح الرهبانية الجماعية ورهبانية العصور الوسطى والمعاصرة: فالزُهّاد من نفس الجنس يجتمعون معا لكي يتساعدوا في معيشتهم وفي بحثهم عن الله.

في نهاية القرن الثالث قَرُبَت الرهبانية إلى الظهور؛ لكن كي تظهر الحياة الرهبانية الجماعية، سيتوجّب العودة إلى الصحراء .

بزوغ الرهبنة

يُعتبر القرنُ الرابع والخامس زمن ظهور وازدهار الرهبانية كما نعرفها اليوم. فبعد أن واجهت المسيحية في مسيرة انتشارها خلال القرون الثلاثة الأولى، الثقافة الهللينية السائدة في الامبراطورية الرومانية بكل تعقيداتها الدينية والفلسفية والفكرية الغنوصية، بالإضافة للاضطهادات التي مرّ ذكرها سابقاً. برز الشهداء مثالاً للإنسان المسيحي الكامل، كما برز دور المسيحيين الملتزمين بالتشبّه بالمسيح بعيشهم حياة البتولية والزُهد والصلاة في الكنيسة الواحدة الجامعة. وعاش هؤلاء النُسّاك العِفّة والزُهْد بتجمّعات صغيرة في بيوتهم، في ما بين العالم لكن دون أن يكونوا من العالم كما عرضنا أعلاه..

وكانت سوريا أرضاً خصبة لهذا النوع البِدئي من الحياة الرهبانية، كما ستكون أرضا خصبة للنُسّاك والرهبان بدءاً من القرن الرابع وما بعد. إذ يعتبر القرن الرابع العصر الذهبي للمؤسسات الرهبانية في الشرق، حيث اشتهر رجال ونساء في مصر وسوريا بحياتهم النُسْكية التأملية. رجال ونساء انتظمت حياتهم النسكية وعاشوا حياة زهد وعمل، حياة تواضع وصمت، وحيث كان للصراع مع الشيطان المكان الأكبر.

وكمثال عن أولئك الرهبان أو النساك البيتيين في القرون المسيحية الأولى، نتكلّم عن تلك الجماعة المهمّة التي تطلق عليها النصوص القديمة تسمية (بناي وبنوت قيومو) أي "أبناء وبنات العهد"، ومن المُلاحظ أنهم كثرٌ في العالم السرياني وكان لهم في كنيستهم وضع خاص.

من المحتمل أن تكون تسمية "أبناء العهد" شملت في البداية جماعة المؤمنين من دون التمييز بين فئة وأخرى؛ ولكن يبدو أنها انحصرت لتشمل فقط الرجال والنساء الذين كرّسوا ذاتهم لخدمة الكنيسة بانضمامهم إلى جماعات صغيرة متكوّنة من شخصين أو ثلاثة ليمارسوا الزهد والتنسّك. ومن بين هؤلاء الرجال المتوحِّدين والنساك كانوا يختارون الإكليروس كالأساقفة والقُسس والشمامسة لكونهم متبتلين ناذرين عزوبتهم للرب.

إن الاسم (بت قيومو) نجده، منذ النصف الأول للجيل الثالث، في الرسالة الثانية المنحولة لأقليمنضوس إلى العذارى. وفي مطلع القرن الرابع يذكرهم الأسقف أفراهاط مُطوّلاً ويُفرِد لهم البرهان السادس من رسالته ذات 23 برهانا، وفيه يوجه تعليماته إلى هؤلاء المتوحدين أبناء العهد، إلى العذارى والقديسين (6/8). وتعتبر هذه الإرشادات والنصائح قاعدة حياة لكل رجل وكل امرأة تكرَّسا لخدمة الكنيسة. وتناقل آباء كنيسة المشرق ومابين النهرين هذه القاعدة وأصبحت نواة أولى لصياغة قوانين رهبانية تضمّ جماعات أكبر لتصبح في ما بعد حياة رهبانية نظامية وديْرية. وما يُثير الانتباه هو أنه، وابتداءً من الفِقْرة الأولى لقاعدة حياة هؤلاء المتوحّدين، يُطلِعنا أفراهاط على هدف هؤلاء ويختصره بنقطتين أساسيتين:

أ) الخطوة الأولى في الانتماء هو الإيمان وضرورة الاهتداء. ومن دون الإيمان لا حياة زهد.

ب) اكتمال الإيمان يتمّ بالمحبة التي تُكسب صاحبها التواضع والفطنة؛ ثم يأتي الصوم والصلاة. أما الاستعدادات فهي أربعة: الإيمان والمحبة والصوم والصلاة .

أما القديس أفرام فلم يأتِ على ذكرهم ولكن يبدو أنه ينوّه عنهم في معرِض كلامه عن إكليروس نصيبين وذَكَرَ كلمة (قيومو). وبالمقابل فإننا نجد ذكرهم بإسهاب في كتاب سِيَر الشهداء الذي يحدّثنا عنهم ويقصّ أخبار استشهادهم وحميد أعمالهم.

وإذا كانت هذه النصوص لا تُغنينا عنهم أكثر من ذكرهم المجيد، فإنّنا نراهم، في مطلع القرن الخامس من عِداد الإكليروس. هذا ما يُجمِع عليه الباحثون استنتاجاً من قوانين الأسقف رابولا (412-435) الموجّهة إلى الرهبان وإلى الإكليروس و(بناي قيومو). وقِسْ على ذلك، قوانين مجامع الكنيسة السريانية الشرقية. أما في القرن السابع وحتى العاشر فإنّ أثرهم يغيب.

ففي الأجيال الأولى لشروق شمس الكنيسة السريانية، لم يكونوا بالضرورة إكليروساً أو رهباناً، وقد يكون في صفوفهم من الإكليروس والرهبان فيما بعد. وفي كل الأحوال سبقوا الرهبان ومهّدوا لهم الطريق، وكانوا القوى الاحتياطية للإكليروس، وبكل تأكيد إنهم مثال العلمانيين الملتزمين .

أثر العناصر الدينية في الحضارة الهللينية في شمالي سوريا

بعد دخول الاسكندر المقدوني سوريا، انتهج هو وخلفاؤه سياسة زرع الثقافة اليونانية وذلك بإنشائه مدناً جديدة حمل إليها سكانا من المدن اليونانية وخلطهم بالسكان السريان المحليين وبالأخص في شمالي سوريا حيث كانت الآرامية سائدة وأصبحت مع انتشار المسيحية سريانية، فتولّدت من ذلك الحضارة الهللينية، فاغتنت الحياة المسيحية بما حملته الثقافتان من عناصر دينية: الواحدة متأصِّلة بالكتاب المقدس والثانية بالفكر والفلسفة.

ولقد أعطت المسيحية السريانية للحياة الرهبانية خبرات كبيرة، تكونت بفضل ما عاشه النساك البيتيون ومنهم "أبناء العهد" الذين تركوا لنا كتاب "المراقي"، ومنه نستطيع اكتشاف هُويّتهم.

جُلّ ما نعرفه عن المؤلِّف أنه يعود إلى عصر متأخر جدا عن عصر الرسل، "وأنه واحد من آخر تلاميذ الرسل"، وأنه كان متضلِّعاً من اللغة السريانية، وكان رجلاً حكيماً. ومن المقدمة يتبيّن لنا أنه نبي وليس رجلاً عادياً، "وأنه رفيق الرسل وصديق الأنبياء". في تأليفه لم يعتمد على غيره، لا على مَن تَقدّمه ولا على مَن عاصره. إنه واحد من الآباء الروحيين الذين غنّوا الله في هذا الشرق، مثال غريغوريوس العظيم وباسيليوس الطوباوي وغيرهم.

إنّ ما نعرفه من الكتاب ذاته، ومن الروحانية التي تكوِّن موضوعه، ومن مقارنتها مع غيرها من كتابات الآخرين كأفراهاط أسقف ماري، وفيلوكسان المنبجي اليعقوبي، وجوزيف حزايا النسطوري، يبيّن لنا أن الكتاب إنما يعود في الغالب إلى القرن الرابع المسيحي.

يدور موضوعه حول كلمتين "الوصايا الكبيرة" و "الوصايا الصغيرة" يقابلها اسمان "الكاملون" و "الأبرار" ترتبط جميعها في هذه المعادلة: الوصايا الكبيرة-الكاملون، الوصايا الصغيرة-الأبرار، الأبرار هم "مباركو الآب" الذين وُعدوا بملكوت السماوات (متى 25/34-40)، "هم الذين يعطون المأكل للجائعين والمشرب للعِطاش، ويأوون الغرباء، ويُلبِسون العُراة ويعودون المرضى ويزورون المحبوسين". أمّا الكاملون فهم الذين لا يكتفون بان يضعوا وصية المحبة موضع التنفيذ، بل الكامل هو الذي يحاول أن يطابق حياته كل المطابقة على الوصية الكبرى التي تتطلب الزهد الكامل. فهو، وقد زَهِد بكل شيء، لا يمكنه أن يقوم بأيٍّ من أعمال المحبة التي يقوم بها البار. أمّا وقد حمل صليبه ليتبع المسيح (متى 10/38) فهو على مثاله مصلوب عن العالم. أمّا وقد ارتفع فوق الأرض، كما يقول يوحنا(يو 12/32)، فهو غريب عن الأرض وعن كل علاقة أرضية.

الأبرار هم الذين لم يستطيعوا أن يحملوا صُلبانهم وان يكفروا بالعالم؛ فمُنِعوا من قبول البارقليط. أما الكاملون، "وقد تعالوا عن الأرض وكل ما فيها"، فقد قَبِلوا هذا الروح البارقليط. الأبرار يهتمون بالعالم، فيغدون خالين من عربون الروح، وروح الله ليس فيهم. أما الكاملون فقد تعالوا عن العالم، لأن روح الله في قلبهم كل أيامهم وكل ساعاتهم. هؤلاء هم لربنا وربنا هو لهم.

أما الفضائل التي يتجمّل بها الكامل فهي التواضع والغفران والحِلْم، مجتهداً أن يضع السلام بين الناس، معلِّماً إياهم بتواضع، مُصلِحاً إياهم، إذا لزم الأمر، دون أن يحكم عليهم. علاوة على ذلك، إنه يعتبر نفسه دون البشر أجمعين، الصالحين منهم والطالحين .

أمّا ما حملته الثقافة اليونانية الهللينية للحياة الرهبانية في شمالي سوريا، فإننا نجده في كتابات أكثر آباء الكنيسة الأنطاكية قبل انشقاقات الكنيسة وبعدها، ومن أهمهم يوحنا الذهبي الفم (345-407) وتيودوريطوس أسقف قورش (393-458؟).. وكان تيودوريطوس رجلاً مثقفاً تنشّأ في مدرسة ليبانيوس وهو راهب من دير نيكارتاي بالقرب من أفاميا، وأسقف قورش شمال حلب. إنه لاهوتي أساقفة السريان بعد اختتام مجمع أفسس عام 431.

ولقد كتب كتاباً عن الرهبان في شمالي سوريا أسماه: "التاريخ الديني" (أو "تاريخ أصفياء الله") الذي هو وثيقة أساسية لمعلوماتنا في مجال الحياة الرهبانية في سوريا الشمالية منذ القرن الرابع حتى سنة 444، وفي الوقت نفسه، إنه المرجع الوحيد الذي يروي لنا حياة وفضائل هؤلاء الرهبان، ومن بينهم أبينا مار مارون.

وهذه اللمحات عن هؤلاء الرهبان تزودنا بعدد من التفاصيل حول حياة النساك السوريين الأُوَل، ومسكنهم وطعامهم وممارستهم الزُهدية القاسية، والعجائب التي تمّت على أيديهم.

هذه المجموعة تكوّن "عملا متناسقا إلى حد ما، رغم التفاوت بين زهاء خمسة وسبعين شخصاً وتباين أنماط حياتهم. لقد أراد تيودوريطس أن يقدّم لنا صورة شاملة عن الحياة النسكية، استنادا إلى بعض الشخصيات المثاليين الذين هم قدوة يجب أن نحذو حَذْوَهم. إنّ عمله لأَشبَه ببرنامج قداسة يخضعه للقارئ: "على كلٍّ أن يختار الأفضل الذي يوافق مزاجه ووضعه" .

إنه مؤرّخ لا يكتب قصصاً تقوية بل وقائع حقيقية شَهِد هو بنفسه عليها، إذ جمعها من أشخاص جديرين بالثقة فيقول في مدخل الكتاب: "ما سأكتبه، هو ما عاينته. وما لم أعاينه، سمعته ممن عاينوه أنفسهم، وهم رجال فضيلة".

كان تيودوريطس راهباً مُحِباً للفضيلة، صادقاً لا يكذب. وعلى الرغم من تمسّكه بالوقائع الأكيدة لا يستخدم لغة تاريخية كالتي نستعملها اليوم. إنما أسلوبه دفاعي يهدف إلى تمجيد الحياة الرهبانية.

أمّا الرهبان الذين يتكلّم عنهم في كتابه، فينتمون إلى الفئات الثلاث للحياة الرهبانية المُعاشة آنذاك: الحياة التوحّدية. والحياة النُسكية. والحياة العمودية.

ومعظم هؤلاء الرهبان ينتمون إلى مقاطعة سوريا المنقسِمة آنذاك إلى ثلاث مناطق:

1- سوريا الأولى وعاصمتها أنطاكية. 2- سوريا الثانية وعاصمتها أفاميا. 3- سوريا الثالثة وعاصمتها هيرابوليس (منبج اليوم) وأبرشية قورش كانت جزءاً منها.

في كتابه هذا، لا يستخدم تيودريطس منهجاً جغرافياً علمياً، بل يجمع رهبانه في فئتين فقط: الأنطاكيين والفُراتيين، ولو كانوا من مناطق مختلفة .

وأمّا المنطقة التي اتُّخِذت كإطار عام لنساك "التاريخ الديني" (أو "تاريخ أصفياء الله") فهي حاليا، مناطق أثرية كبيرة في سوريا. تقع في الطرف الشمالي وتمتد، في الوقت ذاته، إلى آسيا الصغرى والبحر المتوسط والسهوب الشرقية. تحيط بها المدن القديمة الكبرى: قورش في الشمال، أفاميا في الجنوب، أنطاكية في الغرب، قنسرين (كالسيس، خلقيس) وحلب (بيرويا) في الشرق. القسم الأكبر من هذه المنطقة مكوّن من سلاسل جبلية تنبسط في ضواحيها سهول داخلية واسعة وخصبة .

روحانية الرهبان في شمالي سوريا

من كتاب "المراقي" نكتشف صوفية الروح في التراث السرياني. وهي روحانية مسيحية شرقية يعطيها كتاب "المراقي" بُعداً جديداً.

فمن خلال تمييزه بين الأبرار والكاملين تمييزاً روحيا يُظهِر الفارق الجوهري بينهما، وهو أن الكاملين قد قبلوا ملء الروح القدس أي البارقليط. "فالأفكار التي هي في الكامل إنما هي من الله... والكامل هو الذي يعمل الصالحات كلها ويكفر بنفسه ويتقدّس ويحب كل إنسان حتى أعداءه... فيكمل بالله ويمتلئ من روحه. ومن يمتلئ من روح المسيح يعمل الصالحات كلها... فإذا مات وهو كامل صار إلى ربنا وشاهده وجها إلى وجه. أما الأبرار فلم يقبلوا الروح القدس إلا جزئيا، لقد قبلوا ما يسميه المؤلف "عربون الروح". "هناك أناس فيهم قليل من ربنا، بركة صغيرة، هذه هي حصة صغيرة تدعى عربونا من الله".

"عربون الروح" هذا أخذه مؤلف "كتاب المراقي" عن التعبير البولسي (2 قور 1/22). هذا التعبير ساعد المؤلف ليوصِل إلينا عنصرا جوهرياً من تعليمه. فهناك من قبلوا موهبة تسمو على المواهب كلها تدعى الروح البارقليط، بها يكملون ويمتلئون من الله، والمسيح يسكن فيهم تماما. الأبرار قبلوا حصة "عربون الروح". الكاملون قبلوا ملء الروح البارقليط.

وهكذا فالكمال مرتبط بحضور الروح في الإنسان. وبطريقة أصحّ، إنّ درجة الكمال التي يبلغها الإنسان تتعلق بقدر قبوله الروح، أو بالأحرى على قدر امتلاك الروح له بكليته. وعندها هو الروح يُلهِمه حباً لا حدّ له. فالكامل يُكرِم البشر كلّهم، "يقبّل أرجلهم"، دون أن يفرّق بين الصالحين والخطأة. لأنه بتواضعه يعتبرهم جميعاً أسمى منه. وقد تحمله محبته الشديدة لهم، إلى أن يموت عنهم ليحييهم، وأنْ يعلّمهم التعليم الحق الذي يخلصهم.

وهذه الأهلية لتعليم الآخرين، تتأتى عن تواضع عميق وعن زهد كامل، إذ يكشف الروح حينئذ لهذا المتواضع وهذا الزاهد عن الحقيقة الكاملة، وعن أسرار السماء التي هي مسكنه. وإذا ما امتلك الكامل البارقليط، والعكس أصح، يعطيه الروح المقدرة على أن "يبقى في ذاته"، فيسود على ذاته. حتى انه خلافا لما هم عليه الأبرار، يمكنه، ودون أن يعرض نفسه للخطر، أن يقتسم الخبز مع الخطأة وحتى مع الوثنيين. وهكذا يكون بسلام مع ذاته ومع الآخرين. فالكمال هو عودة إلى الحالة الآدمية قبل الخطيئة. الكامل هو شبيه بآدم قبل السقوط بالخطيئة. هو لا يعرف الشهوة، وبهذا هو شبيه بالملائكة.

هذا هو الوجود المشترك للروح والشيطان في قلب المؤمن، وهذا الصراع للبلوغ إلى الكمال، إنما هي فكرة سائدة في القرن الرابع في الكنيسة الأولى. فالمسيحيون آنذاك كانوا يجدون صعوبة في التفكير بأن جوهر الروح إنما هو مباين للجواهر المادية. فالروح إذا حلّ في القلب، فإنما يشغل حيّزا. ولا يمكنه أن يحلّ إلاّ إذا أفسح له الإنسان مكانا. لهذا كانت الفكرة أن هذا الحيز يكون ضيقا في بادئ الأمر وليس في الإنسان إلاّ بعض الروح. أما ما تبقّى فيشغله عربون الشيطان أو عربون الخطيئة. وكي يملأ الروح قلب الإنسان، يجب على عربون الخطيئة أن ينقص، وعلى عربون الروح أن ينمو .

ونتابع تطور ونضج هذا الخط الروحي مع الروحانية الرهبانية في شمالي سورية الهللينية من خلال ما كتب تيودوريطوس أسقف قورش عن "المحبة الإلهية" في كتيّبٍ صغير موضوعه حياة هؤلاء الرهبان وقد اعتبرهم أبطال الفلسفة الحقيقية، نقتطف منه ما يلي:

"ما أعظم أبطال الفضيلة وما أكثرهم! ...أين وجدوا هذا الاندفاع الذي حملهم على أن يعتنقوا هذه الطريقة في حياتهم، وما هي المبادئ التي بلغت بهم إلى قمة الفلسفة، لأنه في الحقيقة ليس اعتمادهم على قواهم الطبيعية هو الذي جعلهم يؤثرون ما يفوق الطبيعة البشرية ويتجاوزون الحدود الموضوعة ويتخطّون الحواجز المحددة للتقوى، بل إنها الخبرة التي ترشدنا إلى ذلك.

ليس من إنسان في العالم كانت له المقدرة على احتمال المشقات مثل ما أظهره بالفعل أصحاب هذه الفلسفة.
وإذا كان يستحيل على الإنسان أن يصمد تجاه أتعاب كهذه، فمن الواضح أنها المحبة الإلهية هي التي تمنح هؤلاء أن يتجاوزوا حدود طبيعتهم. ..فالمحبة هي التي تغذّيهم وتمنحهم الدفء وتكسوهم وتعطيهم أجنحة وتعلمهم أن يطيروا وتهيئهم للصعود إلى السماء وتريهم محبوبهم على قدر ما يستطاع ذلك وتلهبهم شوقا إلى صورة الإشراق الإلهي.

فهكذا هي المحبة، إنها تشتعل بمشاهدة الأمور الإلهية فتزداد قوة وحرارة. وعلى قدر ما الإنسان يتفرغ للإلهيات، تحيا فيه شعلة محبتها. ..وعليه فان الذين لا يعيشون لنفسهم، بل لأجل الذي مات وقام لأجلهم، يرتضون أيضا أن يعملوا ويحتملوا كل شيء لأجله.

أما الآلام العظمى المبرحة التي تحل في طبيعتنا، فانّ بولس يقابلها مع العشق الإلهي ويقول إنها صغيرة ومحتملة: "لأنّ ضعفنا الحالي الخفيف يُنشِئ لنا ثِقَل مجدٍ أبدياً لا حدّ لسموه" (2كور 4/17)... الفضيلة أو الفلسفة هي الخير الوحيد الباقي. فهي تُمسِك بيديْ السارق وبلسان المُفتري وبالأسهم والنِبال التي يطلقها العدو كالمطر. وهي لا تحسب حساباً لحُمّى خانقة ولا لزوبعة هائجة ولا لغرق يائس. الوقت لا يضعفها، بل يقويها. موضوعها المحبة الإلهية. فلا يمكن الإنسان أن يتقدّم في الفلسفة إذا خلا من محبة الله الحارة. وأُزيد إنّ هذا نفسه ما يسمى بالفلسفة، أي حب الحكمة، لأن الله حكمة وهذا هو اسمه. ومن ثم ففي الواقع قد اعتادوا أن يسموا صفيَّ الله فيلسوفا، لأن صفيّ الله في نظره إلى الله محبوبه الوحيد يحتقر الأشياء كلها ويؤثِر خدمته على كل ما سواه فلا يعود يقول ولا يفعل شيئا ولا يفكر في شيء إلاّ في ما هو على وفِاق تام مع رضى محبوبه وخدمته ويشمئزّ من كل ما هو محرّم لديه.

إنّ نصوص الكتاب المقدس وما كان من نوعها، موجودة حية عند الذين نذروا حياتهم لكلمة الله، فهم يتلقون من كل جهة أشعة المحبة الإلهية، فيحتقرون كل شيء ويتمثّلون في عقولهم ذاك الذي يحبونه. وفي انتظارهم عدم الفساد الذي يتوقعونه منه، فقد جعلوا من جسدهم جسدا روحانيا. ونحن أيضا فليكن عندنا هذا الحب. ولمّا نكون قد شُغِفنا بجمال العروس، وانخطفنا شوقاً إلى الخيرات المرجوّة، وخَجِلْنا من كثرة الإحسانات، وخشينا العقابات المُعدّة لناكري الجميل، فَلْنُصِر محافظين ومُحبين لوصاياه، لأنّ هذه هي ميزة المحبة أن نحب أو نبغض ما يحبه المحبوب أو يبغضه .

ما تقدّمه الحياة الرهبانية لكنيستنا اليوم

رأينا أنّ الحياة الرهبانية هي في الأصل سعي إلى الكمال المسيحي تحقيقاً لتعليم الإنجيل واقتداءً بالمسيح وبالجماعة المسيحية الأولى. وأوضحنا أنّ المسيح والرسل والجماعة المسيحية الأولى عاشوا الجذرية الإنجيلية دون أن ينعزلوا عن العالم في حياة الوَحْدة والفَقر الزُهدي.

ثم تطوّرت الحياة الرهبانية فأصبح الرهبان ينعزلون عن العالم في جماعات ديْرية أو أفراداً نساكاً، ليتفرّغوا للجهاد الروحي وحياة الفضيلة. فيغوصوا في محبة الله والحياة معه ولأجله، مبتعدين عن مِتَع الحياة وسهولتها، لكي يطلعوا لنا بجواهر تعليمهم للكنيسة في كيفية عيش الحياة المسيحية وتكوين الفضائل، كما ساهموا في تكوين صلوات الكنائس الشرقية وليتورجياتها وعباداتها.

فعلى مرّ العصور كانت حياة وأقوال أولئك النساك والرهبان القديسين أمثلة حيّة وقدوة صالحة للمؤمنين في حياتهم المسيحية اليومية كُتبت في ضمائر شعبنا المسيحي، فعاشها الناس أيضا في حياتهم اليومية يتناقلون سيرة حياتهم وتعاليمهم من جيل الى جيل. فمنهم تعلّموا ممارسة التقشّف وإماتة الجسد ورغباته محبة بالمسيح وكسب الفضائل وتقويةً لحياتهم الروحية، عائشين في بيوتهم وأماكن عملهم جهاداً روحياً جميلاً يرفع نفوسهم إلى الإله الخالق في رَوْحَنةٍ للجسد الفاني المحدود وللمجتمع الإنساني الفاسد.. ومنهم تعلّموا أن يعيشوا في الكنيسة ويحبّوها رغم نقائصها البشرية، وعَرَفوا أنّ الجهاد الروحي هو الكنز الحقيقي الباقي وهو بحاجة إلى وجود مرشدين روحيين يمشون مع الناس مسيرة جهادهم الروحي هذه فأحبوهم واحترموهم وأعطوهم الإجلال. هكذا بنى أجدادنا الكنيسة وهكذا علينا نحن أيضا أن نفعل اليوم، فالجهاد الروحي وكسب الفضائل أصبحا ضرورةً حتمية، على مسيحيي اليوم أن يعودوا لعيشها كأفراد وكنائس، وهذا يدعونا لمحبة الكنيسة والقائمين عليها رغم نقائصها البشرية وليس الانفصال عنها، بل يجب أن يكون اندماج في حياتها وإنعاش لروحها وشهادة نؤديها للمسيحيين المهملين كما وأيضا لغير المسيحيين الذين ينتظرون منا شهادة صادقة لما نؤمن به.

ونتساءل إذا كان ممكناً اليوم أن يعيش المسيحي المؤمن والجماعات المسيحية في هذه الأمانة لجذرية الإنجيل، فالعالم الذي نعيش فيه اليوم أضحى عالما مُتعَلْمِناً وممتلئاً من روح العصر البعيدة جداً عن بشارة الإنجيل، فالحاجة ماسّة للكنيسة أن تؤدي له شهادة حية من خلال أبنائها كلهم، أعني من خلال الرهبان، وأيضا وخصوصا، من خلال أولئك الذين يعيشون في قلب العالم: في العائلة، في الوظيفة، في معترك الحياة اليومية وما تُقدّمه من تحدّيات واقعية للمؤمنين. لذلك وَجَب أن تقدّم الكنيسة، من خلال أبنائها الذين يعيشون في قلب العالم، مثالاً حياً لإمكانية عيش جذرية الإنجيل، بل قل إن هذه الجذرية هي السبيل الأفضل لتحقيق ما يصبو إليه الإنسان المعاصر من خير وسعادة وتحقيق للذات! .

وقد يكون تكريس الذات رغم العيش في العالم، طريقاً للشهادة للمسيح بين أُناس عالمنا اليوم. ولنا في خبرة العذارى والأرامل المكرّسات في العهد الجديد، وفي خبرة أبناء وبنات العهد والرهبنة البدائية، خير دليل عن هذا التكريس في العالم.

فإننا نرى اليوم يَقَظة روحية غنية وعميقة في شعبنا المشرقي ونسمع نداءات واضحة توضّح حاجة هذا الشعب إلى معرفة الرب ومعرفة إنجيله وشوقه إلى الجذرية واكتشاف معنى للحياة من أجل تأصّلٍ أكثر في الواقع وشهادة للإيمان. هذا الواقع هو المكان الشاغر للخدمة. وهذه الحاجة نفسها نراها عند غير المؤمنين أو المتغرِّبين عن الإيمان.

ونرى ونسمع أيضا شباناً وصبايا يريدون التكرّس للرب في قلب عالمهم، مع إخوتهم وفي ظروف كل يوم. تدفعهم رغبة عميقة ليكونوا حيث زرعوا بذاراً للإنجيل، ولا شيء يميّزهم عن غيرهم من المؤمنين.

ويُدهِشنا الروح برؤية ما يخلّقه في أمكنة لم نكن لنحلم بها وفي هيكليات لم نَعْتَدْها، ومن خلال أشخاص وأحداث لم ننتظر أن يكونوا تجلّيا لفعله الخلاّق: فنرى العذارى المكرّسات اليوم ونلتقي بأبناء وبنات العهد هنا وهناك ونرى من جديد أشخاصاً مثل بِرسْكيلاّ وأكيلاّ وفيبي يضعون أنفسهم وبيوتهم في خدمة الكنيسة. وكأننا نرى مواقد صغيرة، خلايا كنسية، تشتعل فجأة في أكثر من مكان.

التكريس في العالم هو جواب لنداء الرب في اتّباعه ومحبته وخدمته في قلب العالم، على صورة الخميرة الصامتة التي تختلط بالعجين وتموت فيه لِتُخمِّره (متى 13/33). وهو محاولة شهادة أن انجيل الرب يمكن أن يُعاش في ظروف كل يوم ويكون دستوراً للحياة ومحاولة لحب العالم كما أحبه الآب وجاد بابنه الحبيب كي لا يهلك، بل تكون له الحياة (يو 3/16). هو نوعية حياة مسيحية لا تبقى فقط في العالم أو تنتظر منه أن يأتي إليها، بل تذهب إليه، إلى صحرائه وأزّقته الضيقة والخطرة لتقول له محبة الرب. بتعبير آخر هو تيار روحي يرتكز على جذرية محبة الرب ومحبة الكنيسة عروسه ومحبة العالم كما يحبه الآب في ذهاب يومي نحوه لفدائه.

... هذا التكريس يعيش تأصُّلاً إنجيلياً في قلب العالم شهادة للملكوت الذي بدأ يتحقق، هو مثل حبة الحنطة التي زُرِعت في التراب وقبلت أن تموت حيث زُرِعت ليعطي الرب من خلالها الحياة .

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati