.0 { font-family: Simplified Arabic; font-size: 12pt; color: #800000; font-weight: bold; list-style-type: decimal } --> جمعية التعليم المسيحي في حلب - الأحاديث اللاهوتية - الحضور المسيحي في حلب للأرشمندريت اغناطيوس ديك
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2004 - 2005

 

الأرشمندريت إغناطيوس ديك

الحضور المسيحي في حلب خلال الألفين المنصرمين

 
 

مقدمة

حلب مدينة عريقة تعود إلي بدء التاريخ، ومشهورة بتديّن أبنائها وبتعايش مختلف المذاهب فيها بسلام ووئام.
دخلتها المسيحية منذ عهد الرسل، وظل المسيحيون يعيشون فيها بلا انقطاع, رغم الأزمات والنكسات.

وبمناسبة السنة الألفين أحببنا أن نلقي الضوء على تاريخ التواجد المسيحي في حلب خلال الألفين المنصرمين.
ولم يكن الأمر بالسهل، فكثير من المصادر القديمة التي تعنى بتاريخ الكنيسة في الشرق لا تأتي على ذكر حلب إلا لُماماً، والكُتّاب المسلمون الذين تناولوا تاريخ حلب بالإسهاب لا يشيرون إلى المسيحيين إلا عن طريق العَرَض، ولا يهتمون بشؤونهم الداخلية، والمؤرخون المسيحيون المعاصرون قد يهتمون بالتفصيل بتاريخ طائفتهم ولا يعيرون أهمية لوضع المسيحيين ككلّ في المجتمع.

رغم الصعاب عمدنا إلى المصادر المتوفرة لدينا لنستخلص منها العِبَر، فحاضِرُنا وليد التاريخ، وإن كان علينا أن نتجاوز الواقع لمتابعة مسيرة التاريخ وفق التطلّعات المستقبلية فلا يَسعنا إلا أن ننطلق من الواقع، ونتفهّم علله وليدة رواسب الماضي، وفي بحثنا آثرنا الموضوعية والدقّة للوصول بقدر المستطاع إلى الحقيقة إن راقت لنا أم لا. فالحقيقة هي التي تحررنا من العُقد، عقدة الخوف والاضطهاد وعقدة التفوّق والتسلّط.

نمهد لبحثنا بلوحة بانورامية عن تاريخ مدينة حلب وبطابع التواجد المسيحي في مختلف الحقبات
ونقسم تاريخ التواجد المسيحي في حلب إلى قسمين رئيسيين:

1- من نشأة المسيحية في عهد الرسل إلى الفتح العثماني

2- من الفتح العثماني إلى اليوم وهو مفصل إلى جزئيين :

العصر العثماني الأول: من الفتح العثماني إلى فتوحات إبراهيم باشا (1516-1830)

الحقبة المعاصرة: من فتوحات إبراهيم باشا إلى اليوم.

مدينة حلب عبر التاريخ

حلب من المدن الكبرى القلائل التي تعود إلى مطلع التاريخ ولاتزال عامرةلم تندثر رغم ما تعرضت إليه من حروب وكوارث بفضل موقعها المتميّز وعزيمة أهلها.

يمكن أن نقسم تاريخ حلب الطويل إلى ثلاث حقبات:

  • الحقبة القديمة التي كانت تُعرف باسم حالبيو في الوثائق البابلية والحثيّة.

  • الحقبة الهللينستية والرومانية والبيزنطية التي عُرِفت فيها باسم بيرية وكانت في أثنائها مرتبطة بأنطاكية قاعدة سورية وسادت فيها الثقافة اليونانية.

  • الحقبة العربية التي عاد إليها اسمها بالصيغة العربية حلب.

  • لا نتوقف عند الحقبة القديمة الأولى حيث عرفت حلب عصرها الذهبي من القرن الثامن عشر إلى القرن السادس عشر قبل المسيح، إذ كانت عاصمة دولة مستقلة يخضع لها عشرون ملكا وتضاهي بابل وماري وإيبلا، وقضت على استقلالها الغزوات المتتالية لاسيما الحثيون والآراميون والآشوريون والكدان والفرس. إنما حافظت حلب على دورها الديني المرموق، إذ قصد الفاتح الآشوري خصيصاً حلب ليقدم قرابين للإله حدد في معبدها الشهير (آثاره اليوم في القلعة) ومنذ القرن الثامن قبل الميلاد بدأ الآشوريون يستخدمون الآرامية كلغة دولية، وأصبحت هذه لغة الشعب في مناطق الهلال الخصيب.

  • إثر فتح الاسكندر، بنى سلوقوس مستعمرة يونانية على الطراز الهلنستي (تقاطع الشوارع بموجب خط مستقيم) إلى جانب ما تبقى من البلدة القديمة (العقبة – القلعة) وسماها بيرية باسم مدينة في مقدونية. والأسواق القديمة "المدينة" قائمة على شوارع وأورقة هذه المدينة. وأصبحت اللغة اليونانية اللغة الرسمية وعاصمة المملكة أنطاكية.

  • الفتح الروماني (64 قبل المسيح) لم يغيّر كثيراً في أوضاع المدينة، وظلت اليونانية لغة الثقافة، واللاتينية مستعملة فقط في دوائر الجيش والمحاكم. وظلت حلب مرتبطة بأنطاكية (عاصمة ولاية سوريا) المرتبطة بدورها بروما.

  • العصر البيزنطي هو امتداد للعصر الروماني، إنما أصبحت العاصمة القسطنطينية بدلاً من روما. وزال استعمال اللاتينية شيئا فشيئاً لصالح اليونانية. وبقيت حلب مرتبطة بأنطاكية عاصمة المشرق وتدور مباشرة في فلك أنطاكية في إقليم سوريا الأولى، وخضعت حلب في آخر هذه الحقبة لاحتلال فارسي دام من 609 إلى 628.

  • كانت اللغة الرسمية منذ فتح الاسكندر اليونانية واللغة الشعبية الآرامية. وسكان حلب كانوا مزيجا من اليونانيين والآراميين (حصيلة تمازج الشعوب السامية القديمة) والقبائل العربية الوافدة حديثاً، وكانت هذه العناصر تعيش كلها بوئام، ويتمتعون بالمواطنة الرومانية منذ القرن الثالث بفضل الأباطرة السوريين. وضَعُفَ الولاء للدولة الرومانية في القرن السادس من جراء الانقسامات الدينية والنهضة الثقافية السريانية وبروز قوة العرب الغساسنة.

  • مع الفتح العربي (637) استعادت مدينتنا اسمها الأصيل حلب. حتى أواخر القرن الحادي عشر كان حكام حلب من العرب الخلّص.

  • مع دخول السلاجقة أواخر القرن الحادي عشر حتى آخر حكم المماليك (مطلع القرن السادس عشر)، خضعت حلب لحكام ليسوا بعرب إنما حافظوا على الثقافة العربية وعلى اللغة العربية كلغة رسمية في دوائر الحكم.

  • العثمانيون الذين حكموا 1516 إلى 1918، حاولوا أن يطمسوا الوجه العربي لحلب ولسائر البلاد العربية التي خضعت لهم، وفرضوا اللغة التركية كلغة رسمية للدولة، إنما الشعب ظل متمسِّكاً بعروبته.

  • استعادت حلب وجهها العربي مع اندحار العثمانيين ودخول الجيوش العربية، ولم يتمكن الانتداب الفرنسي من تغيير طابعها الأصيل، وشكلت مع دمشق المحور الأساسي التي قامت عليه سورية الحديثة في عهد الاستقلال.

  • في مطلع الحكم العربي، كانت حلب مدينة ثانوية أُخضعت إداريا لجارتها الجنوبية قنسرين، أخذت أهميتها مع الأمير سيف الدولة الحمداني الذي جعل منها مركز دولة قوية منذ عام 944، وأصبحت قاعدة شمال بلاد الشام يحكمها أمراء وملوك مستقلون جعلوا من حلب عاصمتهم وذلك حتى عام 1260 مع انتهاء حكم الأيوبيين.

  • ومنذ عهد المماليك اصبحت حلب خاضعة لولاة يُعيّنهم سلطان القاهرة ثم سلطان اسطنبول العثماني، وليس لهم علاقة خاصة بالمدينة و أهلها.

  • إنما ظلت حلب في هذه الحقبة الطويلة قاعدة سورية الشمالية وولايتها مستقلة عن ولاية دمشق. في مطلع عهد الإنتداب نشأت لفترة قصيرة دولة حلب مستقلة عن دمشق ثم انضمت الى دمشق ضمن الوحدة السورية. وهي ليست مجرد محافظة، وتبقى المدينة الرائدة في سورية الشمالية من ناحيتي الثقافة والاقتصاد.

تاريخ حلب من المَلْحظ المسيحي

من مَلْحظ الحضور المسيحي في المجتمع والحياة العامة، يمكننا أن نقسم تاريخ حلب الى اربع حقبات عامة.

1- حقبة العصر القديم من ظهور المسيحية حتى الفتح الإسلامي

حتى مطلع القرن الرابع لم تكن المسيحية معترف بها في الدولة الرومانية، بل كانت محظورة وملاحقة. ومع ذلك ظل المسيحيون في تزايد مطّرد حتى بلغوا نصف عدد السكان، ومع القسطنطين الملك حظي المسيحيون بالحرية الكاملة ونَعِمت المسيحية بحماية الدولة ورعايتها، وشيئاً فشيئاً اعتنق مجمل السكان المسيحية.

وفي آخر العهد البيزنطي اقتصر اعتراف الدولة على أنصار المجمع الخلقيدوني المنعقد عام 451 (الملكيين) بدون المعارضين (السريان اليعاقبة)، وتفاقم الانقسام الديني في أواسط القرن السادس.

2- الحقبة الإسلامية، حقبة القرون الوسطى، من الفتح الإسلامي حتى الفتح العثماني.

أصبح المسيحيون في ذِمّة المسلمين. ساهموا في الحضارة العربية الإسلامية إنما لم يُعترَف لهم بكامل الحقوق السياسية. وتراجع عددهم شيئاً فشيئاً، ولم يعودوا يشكلون الأكثرية منذ القرن الحادي عشر، وساءت أحوالهم مع انتهاء الحكم العربي واجتياح الأتراك السلاجقة وقدوم الفرنج وغزوات المغول.

3- الحقبة العثمانية (الحقبة الحديثة)، من الفتح العثماني حتى اواسط القرن التاسع عشر.

ظل المسيحيّون معتَبرين من أهل الذمّة، إنما شكّلوا في إطار النظام العثماني مِلّة، وهي شبه قومية مصغّرة لها أنظمتها الخاصة. وخرج المسيحيون من حماية المسلمين إلى حماية الدول الأجنبية.

4- الحقبة المعاصرة:

تبدلت أوضاع المسيحيين منذ أواسط القرن التاسع عشر. فإن الإصلاحات التي اضطر اليها الحكم العثماني نادت بالمساواة بين جميع المواطنين من مسيحيين ومسلمين، وأُلغي نظام الذمّة. ودُعي المسيحيون أُسوة بالمسلمين إلى الانخراط في الجيش العثماني في مطلع القرن العشرين (1910)، وأصبح المسيحيون في الدولة الحديثة مواطنيين عاديين لهم كامل الحقوق والواجبات، وشيئاً فشيئاً تزول رواسب الماضي.

أهم الأحداث الكنسية

 1- العصر الروماني والبيزنطي

إن المؤرخ اوسابيوس، مصدرنا الأهم لمعرفة تاريخ الكنيسة في القرون ثلاثة الأولى، لا يأتي على ذكر حلب. وأول أسقف على حلب معروف اسمه هو اوستاثيوس الذي يراسله عام 324 الإسكندر، رئيس الأساقفة الإسكندرية عند نشوب الأزمة الأريوسية. ثم نُقِل اوستاثيوس إلى رئاسة أُسقفية أنطاكية، وحضر بهذه الصفة المجمع النيقاوي عام 325. وازدهار كنيسة حلب في مطلع القرن الرابع دليل على تأصُّل المسيحيّة فيها، وكان لها أساقفة منذ القرنيين الثاني أو الثالث وإن لم يترك لنا التاريخ أسماءهم.

وتعاقب على حلب عدة أساقفة مناصرين للمجمع النيقاوي. قد كتب القديس باسيليوس الكبير رسالتين إلى أهل بيرية (حلب). ورسالة إلى ثاوذوطوس أسقف حلب يمتدح فيها تقوى المسيحيين وإيمانهم. أما الإمبراطور جوليانوس الجاحد فلما مرّ بحلب عام363 في طريقه لمحاربة الفرس، امتعض لما رأى أن أعضاء المجلس البلدي كلهم مسيحيون.

وقد مرّ في حلب القديس إيرونيموس المشهور بدراساته الكتابية وترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية. وقد نسك في صحراء قنسرين في جوار حلب من 375 إلى 380، واتصل في هذه الأثناء بملّة الناصريين في حلب، وأخذ عنهم الأنجيل حسب العبرانيين المكتوب بخط آرامي، والذي نقله فيما بعد إلى اليونانية واللاتينية.
أشهر أساقفة حلب في تلك الحقبة أكاكيوس أو أقاق الذي رَئِس كرسي حلب أكثر من نصف قرن 378- 432، وعاش مائة وعشر سنوات، وعاصر أهم الأحداث الكنسية من المجمع القسطنطيني الأول 381 حتى المجمع الأفسسي 431، وكان راهباً في جنداريس قبل أن يُنتخب أسقفاً، وكان ثاوذوريطوس أسقف قورش يتردّد عليه كثيراً ليستقي منه الأخبار عن الرهبان القدامى، وكان في مروره من قورش إلى حلب يمرّ على القديس سمعان العمودي ويتحادث معه. ويروي ثاوذوريطوس قصة ناسكتين حلبيتين نسكتا خارج أبواب المدينة بين باب أنطاكية وباب جنين، وهما مارانا وكيرا (راجع الفصل 29 من كتاب أصفياء الله، الحضور المسيحي في حلب الجزء الأول ص 58 -61).

وكان على رأس كنيسة حلب أسقف واحد وكاتدرائيته حيث تقوم اليوم المدرسة الحلوية غربي الجامع الكبير في المدينة القديمة. وكان يُحتفل بالليتورجيا الأنطاكية باللغة اليونانية، وتُترجم القراءات إلى السريانية ليفهمها مَن لا يُتقنون اليونانية من السريان.

أول أسقف معروف بعد أكاكيوس هو ثاوكتستوس الذي اشترك في المجمع الخلقيدوني، وكان من أنصاره. ولا نعرف أسقفاً آخر لحلب قبل بطرس الذي شارك في سيامة ساويروس بطريركاً على أنطاكية وكان مناهضاً للمجمع الخليقدوني، وخَلَفه أنطونينا وكان على رأيه. ولما أُبعدِ ساويروس، أُرِغم الأساقفة المناصرون له على القبول بالمجمع أو التخلي عن منصبهم، فترك أنطونينا كرسيه في حلب وأنهى حياته في القسطنطينية. وقام بعده ميغاس وكان خلقيدونياً، وشارك في المجمع الذي عُقد في القسطنطينية عام، 536 وكان على رأس أبرشيته حلب لما اجتاحها كسرى أنوشِروان عام 540. وقد يكون يعقوب البرادعي الذي أعاد تنظيم الكنيسة السريانية سام أسقفاً على حلب معارضاً للمجمع وأن لم يتمكن من الالتحاق بكرسيه إلا عندما سمحت له الظروف، وهكذا أصبح المسيحيون بحلب فئتين، فئة مناصرة للمجمع (الملكيون) و فئة معارضة (السريان أو اليعاقبة)، وبقيت الكنيسة الكبرى في حلب بيد الخلقيدونيين (الملكيين) وثـبّت الفتح الإسلامي هذه الأوضاع.

2- العصر العربي

دخل المسلمون العرب حلب سلماً والقلعة عُنوةً عام 637. وخُيّر من يشاء النزوح إلى بلاد الروم مع الجيوش البيزنطية، أما الأغلبية العظمى فاختارت البقاء في حلب والتأقلم مع الأوضاع المستجِدّة، وظلوا يعكفون على أعمالهم ووظائفهم ويمارسون شعائرهم الدينية بحرّية و احتفظوا بكنائسهم.

لم تتبدل أوضاع المسيحيين كثيراَ عمّا كانت عليه في عهد الروم إلى أن عرّب عبد الملك الدواوين، وبدأ يستغني عن الكتّاب المسيحيين. إنما ظلّ الأمويون ينظرون إلى المسيحيين كإخوة لهم في العروبة وكمؤمنين من أهل الكتاب.

وأظهر العباسيون رحابة صدر أقل تجاه المسيحيين لاسيما لمّا ضَعُف النفوذ العربي في البلاط العباسي، وراح الفقهاء يفرضون على أهل الذمة مالم يفرضه النبي العربي ولا عمر بن الخطّاب وذلك عن تزمّت وترفّع. ومرّ بحلب خليفتان عباسيّان، المهدي الذي امتعض لِأَنفة فرسان بني تنوخ المسيحيين وأراد إرغامهم على الإسلام فاستشهد زعيمهم، والمعتصم الذي مرّ بها في طريقه إلى غزو عموريّة فأمر بكسر جِرار الخمر كما سُكِبت خمر الزقاق في الشوارع، فزاره الأسقف الخلقيدوني وطلب إليه الرأفة بالمسيحيين غير انه قال له: "لا تُتعِب نفسك أيها الأسقف فأنتم شعب أكرهه جداًَ ولا يمكن أن يجد منّي حسنة".

إن الضغوط التي مورست على القبائل المسيحية لاعتناق الإسلام أضعفت الحضور المسيحي في حلب، إنما ظلوا حتى أواخر القرن الحادي عشر يُشكِّلون، إن لم يكن الأغلبية، فأقله نصف السكان في مدينة حلب، فلعبوا دوراً مرموقاً في ظلّ الدولتين العربيّتين المحليّتين، الدولة الحمدانيّة والدولة المرداسية. ولم يكن ريف حلب قد تحوّل إلى الإسلام، وظلت أديار عدة عامرة حتى أواخر القرن العاشر، والقرى المسيحيّة في منطقة الجبال الكلسيّة لم ُتهجر بعدُ كلها.

كان عصر الحمدانيين والمرداسيين عصراً مميّزاً في تاريخ حلب، إذ أصبحت المدينة قاعدة الحكم لإمارتيْن مستقلّتين على رأسها عرب خُلّص من قبيلتين مرموقتين تغلب وكِلاب.

نَعِمَ المسيحيون في عهد سيف الدولة بالأمان، ومن علامات انفتاحه على المسيحيين تَردُّده على دير مار ماروثا ذي البيعتين (مشهد الأنصاري)، وتقريبه بطريرك الملكيين خريسطوفوروس، وفي عهده كان معظم الكتبة في دوائر الدولة من المسيحيين كذلك العدد الأكبر من الأطباء.

وعام 1024 استولى صالح بن مرداس الكلابي على حلب، واستوزر تادرس بن الحسن، وقام العديد من المسيحيين بأعمال الوزارة في عهد خلفاء صالح.

وكان الحضور المسيحي في المدينة متميّزاً، ويروي ابن بطلان الذي زار حلب عام 1048 أنه كان في قلعة حلب كنيستان ومسجد واحد في المدينة. وكان عدد كبير من المسيحيين من أصحاب الثقافة العالية و شعراء وأطباء. وكانوا يتعاطون تجارة الحرير والزيت ويعملون في مجال الصناعة.

استولى السلجوقيون على حلب عام 1086 وقضوا على حكم العرب في بلاد الشام. واستولى الفرنج على أنطاكية عام 1098. وظلّت إمارة الفرنج في أنطاكية تهديداً لحلب، وتعاقبت فترات الحرب والهُدنة، وأثّر ذلك على الحياة الداخلية في إيالة حلب وعلى التعايش المسيحي الإسلامي، وتضاءل عدد المسيحيين.

لم يُظهِر السلاجقةُ تجاه المسيحيين في حلب الاحترام نفسه الذي كانت تكنّه لهم الحكومات العربيّة:

رضوان ابن تتش (1095-1113) حَمَل الطبيبَ، والكاتب المسيحي بن شرارة على اعتناق الإسلام، ولمَّا امتنع ضربه بسيفه فهرب إلى أنطاكية ومنها إلى صور.

بعد أن عبث الفرنج بالمدافن الإسلاميّة خارج حلب، عَمَد القاضي ابن الخشاب عام 1124 على الاستيلاء على أربع كنائس منها الكنيسة الكبرى وحولّها إلى جوامع، ولم يبقَ في حلب إلا كنيستان، واحدة للملكيين والأخرى للسريان. وأصبح الانتماء المسيحي عائقاً لاستلام الوظائف.

كان السلاجقة غرباء، ولم يروا في المسيحيين المحليين إخوةً لهم في الدم كالحكام العرب، وكانوا على مذهب السُنّة، وأخذوا بمبادئ الفقه المتشدّدة ضدّ الذمّيين، بينما كان الحمدانيون والمرداسيون من الشيعة. وكان نور الدين مسلماً متزمتاً وأعطى المدينة طابعاً إسلاميّاً متميّزاً.

تابع الأيوبيّون في بادئ الأمر نهج الزنكيين، أمّا الملك الظاهر ابن صلاح الدين فأبدى شيئاً من الانفتاح، فهادن فرنج أنطاكية، وتحالف معهم ضدّ أرمن كيليكيا. واستفادت دولة البندقية من هذا الوضع الجديد ومن انفتاح حلب على التجارة العالميّة فعقدت مع الملك الظاهر معاهدة تتيح للبنادقة فتح مراكز تجاريّة (1207)، وتجددت المعاهدة مع خلفائه.

وتمكّن البابا غريغوريوس التاسع عام 1238، بعد المفاوضة مع الملكة ضيفة خاتون، من إرسال بعض الرهبان الفرنسيسكان لخدمة الأسرى الفرنج في سجون القلعة.

كانت غزوة المغول الأولى عام 1260 ضربة كبيرة للمدينة و للقلّة المسيحية المتبقيّة فيها. وقضى هولاكو على آخر الأيوبيين ملك حلب الناصر يوسف. ثم تصدّى بيبرس (الذي قضى على المماليك في مصر) للمغول فكسرهم، وهاجم ما تبقّى من ممتلكات الفرنج واستولى على أنطاكية عام 1268، وكانت ردّة فعله عنيفة وانقلبت أيضاً على المسيحيين المحليّين. وظل المغول يهدّدون سوريا، وكانت غزوة تيمورلنك عام 1400 أقسى وأعنف من كل ما سبقها وألحق الدمار الشامل بمدينة حلب ونزح المسيحيون بأكثرهم عن حلب.

ونهضت المدينة مجدداً، وعاد المسيحيون شيئاً فشيئاً يتوافدون إلى حلب، وأول وثيقة تشير إلى وجودهم ما ورد لدى القاضي ابن شحنة في وصفه للحارات المستحدثة في حلب خارج الأسوار، فذكر(حارة النصارى وهي المعروفة بالجديدة بالتصغير)، وفي آخر عهد المماليك عرفت حلب نهضة تجاريّة، وإن الكاتدرائيات التي نجدها قائمة في الجديدة في مطلع عهد العثمانيين بُنيت في أواخر عهد المماليك.

3- العصر العثماني الأول

الفتح العثماني كان انطلاقة جديدة للمدينة و للمسيحيّة فيها.

أخذت حلب مكانة عالمية جديدة إذ أصبحت مركز التجارة بين الشرق الأقصى والغرب، وانضمت مجدداً إلى القسطنطينية وإلى العالم الشرقي البيزنطي بعد قطيعة دامت منذ 637، كما انفتحت على الغرب المسيحي إذ توافد التجار الفرنج إلى حلب وسكنوا فيها، ولحقت بهم القنصليّات لحمايتهم (البندقيّة 1548، فرنسا 1562، إنكلترا 1583، هولندا 1613) وجاء الفرنسيسكان إلى حلب لخدمتهم الدينيّة عام 1571، ثمّ توافد الكبوشيّون واليسوعيّون والكرمليّون في العقد الثالث من القرن السابع عشر. وكانوا يسكنون في الخانات في الأسواق القديمة.

وبسبب ازدهار المدينة عاد إليها المسيحيّون وتكاثر عددهم بشكل ملحوظ. وكان نقطة تَجمُّعهم حيّ الجديدة والصليبة غربي شمال الأسوار حيث الكاتدرائيّات الثلاث الملكيّة والأرمنيّة والمارونيّة، التي تطل على باحة واحدة، والسريانيّة التي تبعد عنها قليلاً. وكان قلّةً منهم لا يزالون يسكنون في المدينة القديمة داخل الأسوار، (العقبة، الجلوم....) ثمّ امتدّ التواجد المسيحي إلى الضواحي الشماليّة شمال باب النصر (الهزّازة، العطوي، قسطل الحرامي).

قامُ المرسَلون بجهد كبير لنشر الثقافة والتقوى، وعكفوا على إنشاء المدارس والوعظ وزيارة البيوت وتأسيس الأخويّات التقوية، وقام بعضهم بترجمة بعض الكتب اللاهوتيّة والروحيّة إلى العربيّة، ولاقى المرسلون حسن استقبال من الأساقفة الشرقيين الذين سمحوا لهم بالوعظ في كنائسهم، واستقطبوا عدداً من المؤمنين الذين أخذوا يتردّدون إليهم بدون الانقطاع عن طوائفهم الأصليّة.

علاوةً على الروم الملكيين والسريان، الذين كان لهم أساقفتهم منذ القِدم، تنظَّمَ الأرمنُ والموارنة في مطلع العهد العثماني وأصبح لهم أيضاً أساقفتهم. واعترف العثمانيّون بكل هذه الطوائف كَمِللٍ مستقلّة. واُخضع جميعُ الروم للبطريرك المسكوني، والشرقيون اللاّخلقيدونيون لبطريرك أرمني نصبّوه في اسطنبول. ومن أهم الأساقفة في ذلك العصر لدى الروم ملاتيوس كرمة ومكاريوس زعيم واثناسيوس دبّاس ومكسيموس حكيم، ولدى السريان اندراوس اخيجان والبطريرك بطرس شاهبادين وميخائيل جروة، ولدى الموارنة جرمانوس فرحات.

ونشطت الحياة الفكريّة، وقام نخبة من الشبان بدراسة العربيّة الفصحى على يد الشيخ سليمان النحوي، فتركوا لنا مؤلفات هي من بواكير النهضة العربيّة. (جرمانوس فرحات، نيقولا الصائغ، مكرديج الكسيح، عبد الله الزاخر). وقام عدد من الشبان الموارنة بتأسيس حياة رهبانيّة منظّمة في لبنان (جبرائيل حوّا و عبد الله قرألي ويوسف البتن ثم جرمانوس فرحات عام 1693)، كما توّجه عدّة شبّان من الروم الملكيين إلى دير البلمند في أواخر القرن السابع عشر ثمّ غادروه ليؤسسوا حياة رهبانيّة منظّمة في دير مار يوحنّا الشوير (1710)، وقامت حركة مماثلة لدى السريان(دير مار أفرام الرغم)، و لدى الأرمن (دير الكريم).

وأسّس البطريرك اثناسيوس الدباس أول مطبعة عربيّة في حلب هي الأولى في الشرق، وبعد أن كان مناصراً للأفكار الكاثوليكيّة انقلب عليها وأخذ يشجّع ترجمة مؤلفات يونانيّة معادية للكاثوليك وينشرها.

وإذ قام بعض الأساقفة والبطاركة بإعلان ولائهم للكرسي الرسولي الروماني، قامت معارضة ضدّهم فانشطر كلّ من الروم والسريان والأرمن إلى فرعين: كاثوليكي وأرثوذوكسي. والدولة العثمانيّة لم تعترف بالفرع الكاثوليكي قبل عام 1830، فاضطر الأساقفة الكاثوليك إلى اللجوء إلى لبنان. أمّا الروم الكاثوليك فتمكّنوا من الحصول على الاعتراف الرسمي بأسقفهم مكسيموس حكيم من 1732 إلى 1757 واحتفظوا بالكاتدرائية القديمة. ولتفاصيل تاريخ الطوائف ونشأة الطوائف الكاثوليكيّة بشكل مستقل عن الأرثوذكس، يمكن الرجوع إلى كتابي الحضور المسيحي في حلب الجزء الثاني، المجلّد الأول.

4- الحقبة المعاصرة

مع مطلع الثلاثينات من القرن التاسع عشر، تبدأ حقبة جديدة من تاريخ حلب مع الاعتراف باستقلاليّة الكاثوليك وحَمّلة إبراهيم باشا والإصلاحات العثمانيّة أو (التنظيمات) التي أقرّت بمساواة المسيحيين والمسلمين وبحقوق المسيحيين المدنيّة.

وضَعُفت تجارةُ حلب، وفقدت دورها العالمي، وغادرها معظم التجّار الإفرنج فأخذ الحلبيّون مكانهم، ونشطت الرسالات الغربيّة بعد الركود الذي رافق الثورة الفرنسيّة والحروب النابّوليونيّة، إنّما احتلّت بيروت مكان حلب كمركز رئيسي للرسالات، وغادر الكبوشيّون واللعازريّون حلب، وعاد إليها اليسوعيّون في السبعينات من القرن التاسع عشر. ونشطت الرّاهبات في المجالين الثقافي والصحّي وأولهنّ راهبات القديس يوسف الظهور اللواتي وصلْنَ حلب عام 1856. وازدهرت الحياة الثقافيّة، وقام في حلب نخبة من الأدباء والمفكّرين المسيحيين كان لهم دور في النهضة العربيّة الحديثة (فرنسيس مراش وأشقّاؤه، رزق الله حسّون، جبرائيل دلاّل، قسطاكي الحمصي ... )

ولمّا انفتحت البلاد على الحياة العصريّة، كان للمسيحييّن دورهم في إدارة البلديّات وغرف التجارة. وقاموا بالتصدّي للطغيان في عصر عبد الحميد، وكان لهم مكانتهم في الحياة العامّة إذ اُلغي نظام الذِمّة ودُعوا لخدمة العلم وأُرغِموا على الانخراط في الجيش العثماني في أثناء الحرب العالميّة الأولى. في أثناء هذه الحرب وعُقْبها، اضطر عشرات الألوف من الأرمن والسريان إلى اللجوء إلى حلب، واستقرّ معظمهم فيها فتزايد عدد المسيحييّن ونسبتهم في المدينة.

انتهى الحكم العثماني في تشرين الأول 1918 ودخلت الجيوش العربيّة مع الإنكليز، ثمّ احتلّت الجيوش الفرنسيّة حلب في تمّوز 1920. وقام المسيحيّون بدوركبير في عهد الانتداب، وكانوا العمود الفقري لأهم الدوائر والمؤسسات، ولمعوا في المهن الحرّة كالطبّ والمحاماة والهندسة، وساهموا في الحياة السياسيّة كنوّاب ووزراء، وعَمِلوا مع إخوانهم المسلمين للحصول على الاستقلال التام.

وفي مطلع عهد الاستقلال، كان للأساقفة أمثال ايسيدورس فتّال دور هام لإرساء الوحدة الوطنيّة والثقة في القائمين على مقدّرات البلاد وإزالة تخوّفات البعض من العودة إلى الأوضاع السائدة في العصر العثماني.
لم تتبدّل الأوضاع كثيراً حتى أواخر الخمسينات، ثمّ ارتفعت وتيرة الهجرة بينما تدفّق سكّان الريف على المدينة فتقلّصت نسبة المسيحييّن في حلب، وفقدوا الدور الرّائد الذي كان لهم، إنّما ظلَّ لهم حضور لافت في مختلف المجالات وظلّوا يلعبون دوراً يفوق نسبتهم العدديّة.

المسيحيون يشكلون مجموعة متماسكة مع ارتباط كل منهم بكنيسته الخاصة أو طائفته، وأصبح عدد الطوائف في هذه الحقبة 11 طائفة، ست كاثوليكية، ثلاث أرثوذكسية واثنتان إنجيليتان. ولا بد لنا أن نقول كلمة ولو مقتضبة عن كل من هذه الطوائف:

الروم الكاثوليك:

 قدم إلى حلب المطران غريغوريوس شاهيات مطلع عام 1833. ومن أهم مآثره بناء الكاتدرائية في جوار ساحة فرحات وكنيسة القديس جاورجيوس في الشرعسوس. وخلفه عام 1844 المطران ديميتريوس أنطاكي، شارك في مجمع القدس عام 1849 واستقبل البطريرك مكسيموس مظلوم استقبالاً حافلاً بعد غياب زهاء اربعين عاماً في حلب. فكانت قومة البلد (ت1 1850) حيث أُحرقت الكنيسة الكاتدرائية والمطرانية وكنيسة القديس جاورجيوس ورُمِّمت الكنيستان بأمر ونفقة السلطان عبد المجيد، وساند البطريرك اكليمنضوس بحوث لدى إدخال التقويم الغريغوري. المطران بولس حاتم (1863- 1885) عزّز الطقوس ومكانة طائفته في المدينة، واشترك في المجمع الفاتيكاني الأول لكنه غادر روما قبل نهايته لأنه عارض التحديدات الجديدة كي لا توسع شقّة الخلاف مع الأرثوذكس. المطران كيرلس جحا (1885- 1902) أسس مدرسة القديس نيقولاوس الكبرى عام 1886 واللجنة الخيرية عام 1899 ثم أصبح بطريركاً، مع المطران ديمتريوس قاضي بدأ التحديث في الطائفة ورسم عدداً كبيراً من الكهنة تخرجوا من اكليريكية القديسة حنّة في القدس ودافع عن شعبه وعن المهجّرين في أثناء الحرب العالمية الأولى ثم أصبح بطريركاً. المطران مكاريوس سابا ( 1919- 1943) أسس الميتم الطائفي ومطبعة الإحسان، وبنى كنيستين رعويتين في الأحياء التي نزح إليها المسيحيون: القديس ديمتريوس (1933) والملاك ميخائيل (1935)، وحرّر أراضي المقابر القديمة وجدّد المطرانية وفتح الكاتدرائية على ساحة فرحات. المطران ايسيدوروس فتال (1943- 1961) ناضل في سبيل الاستقلال والوحدة الوطنية، وأسّس النشرة الطائفية عام 1943، ودعا راهبات المعونة الدائمة عام 1946 لتأسيس مدرسة القديسة كاترينا، وأوكل إليهنّ مدرسة القديس ديمتريوس للبنات، وأنشأ مؤسسة جورج ومتيلد سالم، واستدعى السالزيان لإدارة مدرستها الصناعية، وبدأ مشروع بناء كنيسة القديس جاورجيوس في حي العروبة. بعد المطران اثناسيوس توتونجي (1962- 1968) الذي دُشِّنت في عهده كنيسة القديسة ماتيلد 1964، جاء المطران ناوفيطوس أدلبي (1968- 1995) الذي دشّن كنيسة القديس جاورجيوس 1969، وأنشأ رسالتيْ الرقة والطبقة، وعزّز مدارس ومشاريع الطائفة والعلاقات المسكونية والوحدة الوطنية، وأنشأ سلسلة التراث العربي المسيحي ودشّن كنيسة القديسة تيريزيا في 17- 18 أيار قبل وفاته بأيام قليلة، وخَلَفه المطران يوحنا جنبرت الذي قام بترميم المطرانية، ونقل مدرسة الأمل إلى بناء واسع وعصري في ضاحية الأسد، وأسّس معهد دار باسيل لتعليم اللغات وشؤون السياحة.

الأرمن الكاثوليك :

المطران ابراهيم كوبلي (1823 - 1832) ترك بزمّار وجعل إقامته في حلب منذ عام 1830 وكان من أول اهتماماته السعي لبناء كنيسة خاصة بالطائفة إذ كان الكهنة مضطرين للصلاة في البيوت، فافتتح داراً عربية وباشر ببناء الكنيسة الكاتدرائية الحالية التي أتمّها خلفه باسيليوس عيواظ (1838- 1860). في أثناء فتنة 1850 نهُبت الكنيسة ومحتوياتها ولكنها سَلِمت من الحريق. وخلفه المطران غريغوريوس بليط الذي اشتُهِر بتقواه، فأسّس عدة أخويات والمدرسة الابتدائية الأرمنية، وشارك في المجمع الفاتيكاني الأول وبقي مع بطريركه الكاردينال حسون إلى آخر المجمع، وكان موافقاً على تحديدات العِصْمة، توفي عام 1897. ووصلت في تلك السنة إلى حلب راهبات الحبل بلا دنس الأرمنيات. بعد حبرية أفيديس تركيان القصيرة (1899-1900) جاء المطران أوغسطينوس صايـغ (1901- 1926) وتُشكّل حبريتُه منعطفاً في تاريخ أبرشية حلب الأرمنية الكاثوليكية، فقد فتحها على القرن العشرين وعزّز المدارس واستدعى الأخوة المريميين لإدارة مدرسته وأنشأ الجمعية الخيرية وفتح الكاتدرائية على التلل، عاصر آخر عهد العثمانيين وبدء الانتداب، وفي عهده وفد إلى حلب مُهجَّرو ماردين ومَن نجوا من مذابح الأرمن فازداد عدد المؤمنين، ونشأ إلى جانب الناطقين بالعربية فئة متمسِّكة بلغتها الأرمنية. خلفه المطران جرجس كردي (1928 - 1933) ثم المطران غريغوريوس هندية (1933- 1952)، أنشأ عام 1937 كنيسة القديسة بربارة واستدعى الرهبان المختارين ليستلموا إدارة مدرسة الأبرشية الكبرى بعد أن غادرها الإخوة المريميون. استقال المطران هندية وخَلَفه المطران لويس بطانيان (1952-1959)، بنى المطرانية الجديدة وأنشأ مَصيف بغجغاز ونقل مدرسة غريغوريوس من حارة أبو عجّور إلى جوار الكاتدرائية بعد أن أصبح بطريركاً. خلفه المطران جورج لايق (1959-1983)، كان جريئاً في دفاعه عن حقوق الإنسان والكنيسة. بنى كنيسة الثالوث الأقدس عام 1965، ووضع الحجر الأساس لكنيسة الصليب في حي العروبة، ونقل المدرسة الطائفية إلى حيث تقوم اليوم مدرسة الإيمان بعد أن أخلاها المختاريون ليبنوا مدرسة مستقلة لهم، أدار الأبرشية بعده المعتمد البطريركي أندراوس بدوغليان ثم المطران يوسف بصمه جي (1984- 1988) وبعد وفاته المبكرة انتُخِب المطرانُ بطرس مراياتي الذي ارتسم في حلب في 4 شباط1990 ومن أهم مآثره إنهاء وتدشين كنيسة الصليب وهو يقوم بنشاطات ثقافية ومسكونية هامة.

السريان الكاثوليك:

لما حصل الكاثوليك على استقلالهم، طلب البطريرك بطرس جروه نقل إقامته إلى حلب 1830 وظل فيها حتى وفاته عام 1851 يدير شؤون البطريركية والأبرشية الحلبية، اعتدي عليه في أثناء فتنة 1850 وأشرف على الموت وأحرقت الكنيسة القديمة والمطرانية وتوفي متأثراً بجروحه في 16تشرين الأول 1851، وأدار أبرشية حلب بعده نواب بطريركيون إلى أن قام المطران فالبطريرك جرجس شلحت (1862-1891) عزّز المدارس والأخويات، واشترك في المجمع الفاتيكاني الأول إلاّ أنه غادره قبل نهايته إذ لم ترق له التحديدات المقترحة، وانتُخب بطريركاً عام 1874 بعد أن اشترط ألاّ يضطر إلى الانتقال إلى ماردين بل يبقى مقره في حلب، وظل فيها يدير الأبرشية وشؤون البطريركية، وكان يتردد على دير الشرفة حيث عقد هناك عام 1888 مجمع الطائفة الشهير المعروف بمجمع الشرفة. بعد وفاته أواخر عام 1891 تأخر قيام مطران على حلب حتّى تعيّن المطران رابولا رحماني العلاّمة (1894-1898) الذي انتُخِب بطريركاً في خريف 1898. وَشَغَر كرسيُ حلب خمس سنوات إلى أن تعيّن المطران أفرام نقاشة 1903- 1919 الذي اشتُهِر بدراساته وكتاباته عن تاريخ السريان وقدّم استقالته عام 1919. فتعيّن خلفاً له المطران جبرائيل تبوني الذي انتقل من ماردين إلى حلب وبقي فيها إلى أن انتُخِب بطريركاً خلفاً للبطريرك رحماني عام 1929 وبنى كنيسة مار أفرام في حي السريان للاجئي أورفة.

وخلفه المطران حبيب نعساني (1932- 1949) ثم المطران بطرس هنديّة (1949 – 1959). وقام بعده المطران أنطون حايك (1959 - 1968) الذي رقّي إلى الكرسي البطريركي عام 1968 خلفاً للبطريرك تبوني باشر ببناء الكاتدرائيّة الجديدة والمطرانيّة في جوارها، وأنهى الأعمال خلفه المطران فيليب بيلوني الذي دشّن الكاتدرائيّة عام 1970 ووُضعت الكاتدرائيّة القديمة على اسم مار آسيا الحكيم.

وباشر بمشروع الاصطياف بكفرون، وتوفي أواخر عام 1990. فنُقِل المطران أنطوان بيلوني عام 1991 إلى كرسي حلب. قام هذا بترميم المطرانيّة القديمة وجعلها اكليريكيّة صغرى، وقدّم استقالته عام 2000. وخلفه المطران أنطوان شهدا الذي تمّت رسامته وتنصيبه في حلب في 16 كانون الأول 2001.

الموارنة:

ارتسم بولس أروتين مطراناً على حلب عام 1829، ولاقى معارضة من بعض الوجهاء اضطرته إلى الابتعاد عن أبرشيّته. كان شاهد عيان ٍ "لقومة البلد" عام 1850 وترك وصفاً مُروِّعاً لها. قام بعده المطران يوسف مطر (1851 – 1882) الذي له مآثر كبيرة على الأبرشيّة وأهمها إنشاء المطبعة المارونيّة عام 1857 والشروع ببناء الكاتدرائيّة الحاليّة في ساحة فرحات إذ كانت كنيسة مار الياس القديمة ضيّقة ومدخلها من الباحة المشتركة مع الأرمن و الروم الأرثوذكس. وشارك في المجمع الفاتيكاني الأول ولم يكن متحمّساً للتحديدات الجديدة. توُّفي في 14 أيّار 1882، وخلفه المطران بولس حكيم (اروتين) (1882 – 1892) ثمّ المطران جرجس شمالي (1892 – 1895) وهو لبناني وأديب شاعر. ثم المطران يوسف دياب (1896 – 1912) الذي أكمل معالم الكنيسة الكاتدرائيّة التي افتُتحت للعبادة عام 1891 وفي عهده بدأ العمل ببناء كنيسة سيدة مونليجون بالحميديّة بهمّة الخوري ميخائيل أخرس. وخلفه هذا عام 1913 وبقي على رأس أبرشيّته حتّى استقالته عام 1946. وقام بعده المطران اللبناني اغناطيوس زياده 1946. ومن مآثره بناء المطرانيّة الجديدة في العزيزيّة، ونُقِل إلى أبرشيّة بيروت عام 1952.

وتعيّن المطران فرنسيس أيوب مدبّراً رسوليّاً ثم مطراناً أصيلاً عام 1954، وأُنيطت به مسؤوليّة الجزء السوري من أبرشيّة طرابلس كمدبّر رسولي، وقام فيها بنشاط كبير. اشترك في أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني وتوفّيَ في حلب في 2 حزيران 1966. وخلفه المطران يوسف سلامة عام 1967 وقدّم هذا استقالته لبلوغ السّن القانونيّة عام 1990. فخلفه المطران بطرس قلاوص (1990 – 1997) وبعد وفاته الفجائيّة انتخب المطران يوسف أنيس أبي عاد الذي نُصِّب في حلب في 22 تشرين الثاني 1997.

اللا تين:

كان الفرنسيكان في مطلع هذه الحقبة لا يزالون يقيمون في الأسواق القديمة في الشيباني، وكانوا يُعنَوْن برعاية الأجانب الغربييّن وبعض الشرقييّن الذين اجتذبوهم إلى الطقس اللاتيني. عام 1859 أنشأوا مدرسة راقيّة في جوار الكنيسة والدير ربّت نخبة من الحلبييّن. وابتدأوا بناء كنيسة القديس انطونيوس البادواني في حيّ الكتاب عام 1849، وتوقّف البناء ثمّ توبِعَ عام 1873. وأُغلقت الكنيسة عام 1975. وبنوا كنيسة وديراً و مدرسة في حيّ الرام عام 1910. وعام 1937 تمّ انتقال الفرنسيسكان إلى الكاتدرائيّة الحاليّة في العزيزيّة والدير المجاور لها.

وعاد اليسوعيّون إلى حلب عام 1873 وباشروا ببناء كنيسة لهم ومدرسة ابتدائيّة وديراً في حي تراب الغرباء بعد صعوبات كبيرة دُشّنت الكنيسة عام 1882. وعام 1938 انتقل اليسوعيّون إلى ديرهم الجديد المؤقت قرب شارع بارون ثمّ استقرّوا في ديرهم في العزيزيّة عام 1955 . و كان اللاتين يخضعون لنائب رسولي له لقب حلب ويقيم في لبنان، ولمّا اُقيم في سوريا تمثيل دبلوماسي للفاتيكان اُنيط بالسفراء البابوييّن رعاية اللاتين في سوريا. ومنذ عام 1967 فُصلت إدارة اللاتين الروحيّة عن السفارة البابويّة، وتعاقب منذ ذلك التاريخ أربعة نوّاب رسولييّن متّسمين بالطابع الاسقفي ومقيمين في حلب. المطران بونافنتورا عقيقي (1953 – 1979). المطران غوارينو دومينيكو بيكي (1979 – 1992)، المطران أرماندو بورتولازو (1992 – 2002) والمطران جوزيف نازارو نصّب في 17 كانون الثاني 2003.

الكلدان:

في مطلع هذه الحقبة لم يكن للكلدان المقيمين في حلب تنظيم كنسي و لا رعيّة، وكان الفرنسيسكان يُعَنون بهم. وعام 1869 زار البطريرك يوسف أودو حلب وهو في طريقه لحضور المجمع الفاتيكاني الأول، وفي طريق عودته مرّ أيضاً بها فقرّر تعيين كاهن كلداني لأبناء طائفته في حلب فاستدعى الأب بطرس رسام من العراق وعيّنه في حلب واشترى قطعة أرض في حيّ العزيزيّة من آل حمصي ليُقام عليها معبد خاص للكلدان، و تمّ بناء كنيسة صغيرة على اسم القديسين بطرس وبولس.

و تُوفي الأب بطرس رسام في 5 أيلول 1882. وتعاقب على حلب من بعده، كنوّاب بطريركييّن، ثلاثة كهنة من عائلة أودو (توما اودو وبولس اودو وحنا اودو). وتعيّن بعد ذلك الخوري بطرس عزيز (من 1897إلى 1910)، وكان واعظاً بليغاً وله مقالات في المشرق. وعمل على توسيع الكنيسة ودار البطريركيّة. ثمّ انتُخب مطراناً على سلماس في إيران فاستلم النيابة البطريركيّة الخوري ميخائيل شعيا (1910 – 1956). ساعد المهجرين في أثناء الحرب العالميّة الأولى وأعاد تجديد الكنيسة (1929)، وقَدِم إلى حلب الخوري أفرام بدي الذي ساعد الخوري شعيا ثمّ خلفه بعد وفاته حتّى عام 1960.

و كان الكلدان يطمحون لإقامة مطران خاص بهم، فتعيّن عام 1939 المطران جبرائيل نعمو مدبّراً على الكلدان في سوريا ولبنان. وكان يقيم أكثر أوقاته في لبنان و يتردّد على حلب وكان نائبه في حلب الخوري ميخائيل شعيا ثمّ الخوري أفرام بدي، وعام 1957 تقرّر إقامة أبرشيّتين مستقلّتين للكلدان الواحدة في لبنان والأخرى مركزها حلب (لكلّ سورية) واحتفظ المطران جبرائيل نعمو بلبنان واُقيم على حلب المطران بولس شيخو (1957 – 1958) الذي أصبح بطريركاً. وتعيّن اسطفان بلّو نائباً عاماً لأبرشيّة حلب عام 1958 ورُسم مطراناً عام 1960 ومن أهم إنجازاته نقل كنيسة ومطرانيّة الكلدان من العزيزيّة إلى حيّ الفيلات، وتمّ تدشين الكنيسة الجديدة التي بُنيت على اسم القديس يوسف في 3 تشرين الثاني 1974. ثمّ عمد إلى هدم المطرانيّة القديمة والكنيسة في حيّ العزيزيّة و أقام عليها دكاكين ريع و دور سكن. توّفيَ في 26 تشرين الثاني 1989.

وخلفه المطران أنطوان أودو الذي تعيّن أولاً مدبّراً رسوليّاً ثمّ ارتسم مطراناً أصيلاً على حلب في 11 تشرين الأول 1992. والتفّت الطائفة حوله ورسم عدّة كهنة من أصل سوري لخدمة كافّة الرعايا. وكان قبله كلّ الكهنة والأساقفة من العراق.

الروم الأرثوذكس :

كان معظم الروم الملكييّن بحلب قد جاهروا بالإيمان الكاثوليكي وعُرِفوا بالروم وعُرفَ الباقون بالروم الأرثوذكس وقد احتفظوا بكاتدرائيّة السيّدة القديمة. وكانت الطائفة الأرثوذكسيّة تتشكّل من بعض العائلات الحلبيّة ومن مجموعة من "الأروام" القادمين من الجزر اليونانيّة. وبحسب الإحصاء الذي يورده المطران مطر حوالي عام 1856: الروم 500 و الغرباء 500، أمّا الروم الكاثوليك فكان عددهم آنذاك 7000 وبحسب الغزي كان الروم الأرثوذكس 1327 مقابل 10879 روم كاثوليك و27060 مسيحي (مجمل السّكان يزيد قليلاً عن المئة ألف). وكان أساقفة الروم الأرثوذكس حتّى آخر القرن التاسع عشر من الأروام اليونان وتبدلت الأوضاع مع بدء القرن العشرين إذ تعيّن على حلب أساقفة من أهل البلاد. وازداد عدد المؤمنين بنـزوح أهالي كلز عُقب الحرب العالميّة الأولى ثمّ بقدوم عدد كبير من أهالي لواء اسكندرون إثر ضمّه إلى تركيا عام 1939، واستقطبت حلب مؤخراً عدداً كبيراً من مسيحيي الساحل ومنطقتي حمص وحماه ومعظمهم من الروم الأرثوذكس. نذكُرُ بين أساقفة القرن التاسع عشر اليونان المطران كيرلس (1844 – 1866) الذي اُحرقَت الكنيسة في أثناء حبريته في فتنة عام 1850 وأَرسَلَ مع زميله المطران ديمتريوس أنطاكي مطران الروم الكاثوليك رسالة مشتركة إلى مسيحيّي أوروبا للمساعدة على إعمار ما تهدّم، ودُفِن في الكاتدرائيّة بعد أن رُمّمت. المطران نكتاريوس (1892- 1900) كان في مَصَفّ المعارضة ضد انتخاب البطريرك العربي ملاتيوس دوماني. وتعاقب عدّة أساقفة عرب على حلب ابتداءً من ابيفانيوس السمرا (1902 -1903) واستفانوس خليل (1903 – 1910). ثمّ المطران روفائيل نمر (1912 – 1950)، الذي تغيّب كثيراً عن كرسيه وكان له صداقات مع أركان الكتلة الوطنيّة في عهد الانتداب .

المطران إيليّا معوّض (1950 -1970) كان له علاقات طيّبة مع سائر الأساقفة في المدينة ورجالات الدولة. ولمّا انتُخب بطريركاً خلفه المطران الياس يوسف (1971 -2000). من مآثره بناء كنيسة سرجيوس وباخوس في مدينة الثورة وكنيسة مار الياس الكبرى في حيّ الفيلات وكنيسة مار يوسف في الحمدانيّة المشتركة مع الروم الكاثوليك والمفتوحة على سائر الطوائف، وازدهرت في عهده حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة وتابع الانفتاح والنهضة الروحيّة التي بدأ بها سلفه. تُوفّي قبل أن تُدشّن رسميّاً كنيسة مار الياس إلاّ انه دُفِن فيها. وخلفه المطران بولس يازجي الذي دخل حلب في 21 تشرين الأول 2000.

الأرمن الأرثوذكس:

في أواخر العهد العثماني كان الأغلبيّة الكبرى من أرمن حلب انضمّوا إلى الكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة. وحافظ الأرمن الأرثوذكس على كنيسة الأربعين شهيداً التاريخيّة وتابعوا سلسلة أساقفتهم؛ وفتحوا لهم مدارس في جوار الكنيسة. وكان عدد الأرمن الأرثوذكس حسب سالنامة ولاية حلب عام 1901 : 1652 مقابل 4113 أرمن كاثوليك. الحرب العالميّة الأولى بدلّت جذريّاً أوضاع الأرمن إذ قدم إلى حلب عشرات الألوف ممّن نجوا من مذابح 1915، وكانت موجه ثانية عقب انسحاب الفرنسييّن من كيليكيا (1921). بعد بضع سنوات تحوّل الأرمن من مهجرين إلى مواطنين نشيطين برعوا في الصناعة والتجارة و المهن الحرّة. وبنوا كنائس جديدة : سورب كيورك، سورب كريكور، سورب هاكوب ثمّ كنيسة العذراء في حي الفيلات. وعزّزوا مدارسهم ونواديهم، وهذه لائحة أساقفتهم بعد الحرب العالميّة الأولى: المطران ارداواست سورميان (1925 – 1940) وهو مشهور بكتابه الفرنسي عن تاريخ الأرمن في حلب، المطران زاره باياسليان (1940 -1956) وكان صديقاً للمطران فتال ثمّ انتُخبَ كاثوليكوساً على كرسي سيس، المطران غيونت جيبيان (1956 – 1976) ثمّ المطران داتيف سركيسيان (1968 – 1977) والمطران سورين قاتارويان (1977 – 2004) وإذ قدّم استقالته لأسباب صحيّة، انتُخبَ بدلاً منه المطران شاهان سركيسيان.

السريان الأرثوذكس:

ضَؤُل تواجد السريان الأرثوذكس في حلب منذ أواخر القرن الثامن عشر إذ أن الأسقف ميخائيل جروة ومعظم الكهنة والأغلبية الساحقة من الشعب أعلنوا إيمانهم الكاثوليكي. يقول المطران مطر في إحصائه لعام 1856: "إن عدد السريان الأرثوذوكس 100 من البلد والغرباء 100" ويقول كورلفسكي، في معجم التاريخ والجغرافيا الكنسي، في مقاله عن حلب (كتبه حول 1910): يقتصر وجود السريان الأرثوذكس اليوم على معبد (في الأحياء المسيحية القديمة) وكاهن مرتبطة سلطته بمطران الأرمن الأرثوذكس وزهاء 50 مؤمن. وانتعش وجود السريان الأرثوذكس في حلب بقدوم النازحين من تركيا عقب الحرب العالمية الأولى لاسيما من اورفا وديار بكر وماردين.

بقي كرسي حلب شاغراً حتى عام 1919 حيث ضُمّت إلى مطران سورية يومئذ مار سويروس أفرام برصوم حتى 1926 وتعيّن بعده نوّاب بطريركيّون (أهمّهم مار غريغوريوس جبرائيل أنطو (1937 – 1943) ثمّ شَغَرت الأبرشيّة حتى عام 1950 وكان نائبها الأب الياس شيلازي. في هذه الحقبة بُنيت كنيستا مار أفرام 1924 وهي الكاتدرائية ومار جرجس في حَي السريان. المطران جرجس بهنام استلم زمام الأبرشية عام 1950 و قدّم استقالته عام 1979. واشتُهِر بتقواه وحكمته وعلاقاته الطيّبة. وخلفه عام 1979 المطران غريغوريوس يوحنا إبراهيم الذي عزّز المشاريع الطائفيّة والمدارس وجدّد الكنيسة و المطرانيّة. وله نشاط فكري وعلاقات واسعة داخل سورية وفي الخارج و هو يمثّل كنيسته في اللقاءات المسكونيّة.

الانجيليّون :

بدأت الحركة الانجيليّة في حلب في أواسط القرن التاسع عشر على يد مُرسَلين أمريكان قادمين من بيروت واستقطبوا بعض الأفراد من الكنائس الشرقيّة ثمّ تحرّر الانجيليّون من الرسالات الأجنبيّة و أخذوا وجهاً وطنيّاً. ويعود مركزهم الحالي في الخندق عوجة الكيالي إلى عام 1940. وهذه المجموعة معروفة باسم الكنيسة الإنجيليّة العربيّة.
أمّا المجموعة الانجيليّة الأرمنيّة فكانت تشكلّت في بلاد الأناضول في القرن التاسع عشر و قدمت إلى حلب مع نزوح الأرمن عقب الحرب العالميّة الأولى.

ومن أهم المؤسسات الانجيليّة معهد حلب العلمي وهو يخلف كليّة تركيا الوسطى التي أسسها المرسلون الأمريكان في عِنتاب وانتقلت مع نزوح الأرمن إلى حلب.

خاتمة

مسيحيّو حلب الحاضرون في وطنهم مرتبطون بكافّة مسيحيي العالم، وحلب لها مكانتها المرموقة في التاريخ الكنسي وتبقى مدينة رائدة. ويتمثّل فيها كافّة المذاهب المسيحيّة في العالم، وقد تغلّبت على منازعات الماضي العقيمة وتسعى بالتعاون والتحاور إلى خلق وحدة العمل بانتظار وحدة الإيمان والشركة الكاملة ....

وفي هذا المجال حلب مدينة رائدة، ولها رسالة عالميّة. وندعو جيلنا الصاعد لأن يطّلع على ماضيه وتراثه ويثق ببلده.

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati