.0 { font-family: Simplified Arabic; font-size: 12pt; color: #800000; font-weight: bold; list-style-type: decimal } --> جمعية التعليم المسيحي في حلب - الأحاديث اللاهوتية - حب بلا حدود للأب يوحنا جاموس
     

جمعية التعليم المسيحي
الأحاديث اللاهوتية
للعام 2004 - 2005

 

الأب يوحنّا جاموس

حب بلا حدود

 
 

قبل ثلاثة أسابيع تأملنا في أحد قطبَيْ حياتي الكهنوتية ألا وهو الكنيسة الذي يمثّل لي القطب الأول من محور حياتنا المسيحية ألا وهو يسوع المسيح، واليوم طُلب مني أن أتكلم عن القطب الثاني بالنسبة إليّ ألا وهو سر الكهنوت. هذا السر المقدس الذي وضعه السيد المسيح ليتابع مسيرة الخلاص عبر التاريخ، عبر الزمان والمكان.

إن الكنيسة جماعة، فبالتالي يجب أن يكون لها نظام خاص. ولئن كانت مؤسسة أي جماعة إلهية إنسانية والروح القدس هو الذي يحرّكها ويحييها بواسطة الأسرار المقدسة وكلمة الله أي الكتاب المقدس، إلاّ أنها بحاجة إلى هيئة بشرية تمثّلها وتقودها. فلقد قال السيد المسيح لبطرس ورفاقه: أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها ... وما حللتَه على الأرض يكون محلولاً في السماء وما ربطتَه على الأرض يكون مربوطاً في السماء ... وبعد أن قام من بين الأموات وظهر لرسله في المرة الأولى: نفخ فيهم وقال لهم: "خذوا الروح القدس، مَن غفرتم لهم خطاياهم غُفِرت لهم ومن أمسكتم لهم خطاياهم أُمسِكت". أمّا في العشاء السري فقد منحهم سلطة تحويل الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه: "اصنعوا هذا لذكري ..." أساساً إذ اختار يسوع تلاميذَ له، إثني عشر، على عدد أسباط أو قبائل الشعب القديم الإثني عشر كان يفكر بهذا التنظيم، بواسطة الكهنوت. وأظن أنه واضح في مقدمة مشهد الدينونة الذي يصفه لنا متّى في إنجيله: ومتى جلس ابن البشر على عرشه تجلسون انتم أيضاً على اثني عشر عرشاً وتدينون أسباط إسرائيل الإثني عشر... (لماذا هم لا غيرهم من المؤمنين به الذين كانوا يصحبونه باستمرار؟) ونرى هؤلاء التلاميذ أو الرسل الإثني عشر يلازمونه باستمرار خلال حياته العلنية يختارهم اختياراً خاصاً، يسمعونه، يسألونه، يفسّر لهم ما غَمُضَ عليهم وعلى الآخرين، يوصيهم توصيات مختلفة، يمنحهم سلطان التبشير وصنع المعجزات، يصطحبهم على انفراد، يعلمهم تعاليم خاصة، يتنبأ لهم عن بعض الأمور التي لم تُذكر للجميع، يحيون معه، يأكل معهم وحدهم العشاء الفصحي، ويَعِدُهم بمواعيد خاصة، ويطلب منهم مطالب خاصة، وتضحيات إضافية. بل نرى ثلاثة منهم يخصّهم بمحبة مميزة، يريهم مجده في التجلي، يصطحبهم في نزاعه الأخير في بستان الزيتون. من بينهم بطرس، يميّزه المعلم بين الإثني عشر ويوحنا له دالّة خاصة ...

وأخيراً يريهم صعوده إلى السماء بشكل نهائي. وعليهم يحل الروح القدس يوم العنصرة فتظهر عليهم دلائل التغيير والانقلاب الجذري. فانطلقوا هم أولاً يبشرون بالمسيح وبالدين الجديد والتعاليم الجديدة.

كل هذا دليل واضح على أن في الكنيسة اختياراً خاصاً من الروح القدس لبعض الأشخاص لكي يُكَرَّسوا لتنظيم جماعة المؤمنين وخدمتهم إنْ على الصعيد الروحي وإنْ على الصعيد الزمني، كما نرى ذلك واضحاً في كتاب أعمال الرسل وفي الرسائل (رسائل مار بولس ومار بطرس)، فالرسل ينظِّمون خدمة الكلمة وخدمة توزيع التبرعات وخدمة الأرامل، والاحتفال بالافخارستيا، ومساعدة المحتاجين، بل هم الذين يسهرون على صحة التعليم المسيحي الذي راح ينتشر بين الناس، فيقاومون التعاليم الخاطئة ويردعون الناس عن المُفسدين، لهم فقط حق تفسير الكتاب وتعاليم يسوع. وإذا ما اختلفوا في ما بينهم يلتقون معاً لكي يحكموا على التعليم والانحراف كما حدث بين بطرس وبولس في أنطاكية وكمـا التقوا جميعـاً في القدس عام 49 – 50 لكي يضعوا النقاط على الحروف في ما يعلّمون، ولئلا يُفسِحوا المجال للبِدَع أن تعلّم كما تريد فتنشق الجماعة.

بل إنهم هم الذين يوجّهون الناس في أخلاقهم وعاداتهم، ويقوّمون الانحرافات في ما يخصّ إقامة العشاء الرباني وتجديد ذكرى ذاك العشاء التاريخي الذي سَبَقَ الصلب والقيامة. وهم الذين يقرِّعون الإخوة الذين يُخطِئون بحق الجماعة. كما حدث في كورنتس وغلاطية وباقي الكنائس. فبأي جرأة يهدِّد بولس ويوبّخ ويأمر ويَنهى ... بل يحرم من الجماعة الإخوة الذين يشوّهون صورة المسيح ولا يشهدون له بالحق والكرامة، بل يذهب بولس حتى ليقول لهم: أآتيكم بالكلمة الحلوة أم بالعصا ؟ وهذا ما نصح به بولس تلاميذه الذين أقامهم شيوخاً أو أساقفة على الكنائس التي أسّسها، أي كرعاة، مثل تيطس و تيموثاوس وغيرهما. فبعد أن يصف لهما الميزات والفضائل التي يجب أن يتحلى بها خادم الله أي الكهنة والشيوخ يلّح عليهما ليس فقط أن يكونا قدوة للقطيع الذي سلّمهم إياه الرب، بل أن يستعملا أيضاً السلطة التي منحهما إياها الرب في الوعظ والتوبيخ والتوجيه والتنظيم لتكون كنيسة المسيح بلا لوم أمام الذين هم من الداخل، وأمام الذين هم من الخارج أي الوثنيين واليهود، شعباً كانوا أو ملوكاً.

وخلال تاريخها الطويل نرى الكنيسة على التنظيم نفسه، فهناك شمامسة وكهنة وأساقفة أعلى منهم ينظّمون الجماعة ويرشدونها، ثم نشأ نظام البطريركيات الخمس في مجمع نقية عام 325 ثم باقي الرتب والتنظيمات الكنسية، حتى يومنا الحاضر.

هذا على صعيد الرب الذي أسس الجماعة المسيحية وبالتالي أعطى شمامسة وكهنة وأساقفة ليخدموا ويرئسوا هذه الجماعة وينظّموها، بدعوة خاصة من لَدُنِه.

أمّا من جهة هؤلاء الناس المدعوين، وقد كانت للجماعة المسيحية يدٌ في اختيارهم وانتخابهم وترؤسهم الجماعة نفسها فقط، كان الكثيرون منهم جهابذة وعباقرة فكراً وقداسةً وإدارة وتنظيماً وقدوة في السيرة الحسنة. وكم ذهب منهم ضحية جرأتهم وقداستهم وتدبيرهم وتوجيههم، بسبب ما أقام الأشرار والشرير عليهم من أبناء عالم الظلمة والشر والطغيان، الذين حاكوا ضدهم الدسائس والحيل والمكايد... ولقد قاوموا هؤلاء العظماء حتى الدم. من أذكر منهم: أأغناطيوس الأنطاكي و إيريناوس ويوحنا فم الذهب وغريغوريوس المنوِّر وغريغوريوس النازيانزي واغسطينوس وأفرام السرياني وباصيليوس الكبير ويوحنا الدمشقي ... والآلاف منهم. وفي عصرنا هذا لا يزال العظماء والجهابذة ينوّرون وجه الكنيسة بالإرشاد والحكمة والقدوة الحسنة، يكفينا فخراً أن نذكر واحداً منهم فقط هو قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني الذي ملأ الكنيسة شجاعة وفرحاً وتجدداً، لم يترك باباً إلا و ولجه ولا دولة إلا وزارها مرة ومرات، ولا مؤسسة إلا ووجّه إليها كتاباً بل كُتباً. حاضَرَ ووعظ بجرأة نادرة، واستقبل البشر استقبال الأب العطوف... طبعاً لا أدّعي أننا نحن الذين دعاهم الرب لاتّباعه في الكهنوت، كهنة وأساقفة، لا أدّعي أننا جميعنا مثل أفرام أو أوغسطينوس أو يوحنا بولس الثاني، بل ربما أكثرنا يمشي إزاء الجدران ويقول: يا رب سترك. ولكن مع ذلك فإن الرب دعانا وبواسطة الجماعة إلى الإرشاد والتوجيه والخدمة الكنسية والاجتماعية، فنقوم على قدر ما أوتينا من مواهب بالخدمة أو الخدمات الموكولة إلينا. وكم بذلنا من نفوسنا ووقتنا وصحتنا في الصمت أو العلانية من أجل إنجاح مشاريع الرعية والكنيسة، فهنا قداس بل قداديس للجماعة، وهنا شبيبة تطلب كاهناً مرشداً، وهناك عائلات تلجأ اليه، وهناك مدارس ولجان ومؤسسات بحاجة إليه، وهناك مريض يحتضر فيطلب من الكاهن الاسراع إليه ومسحه بالزيت، وهناك محاكم كنسية يقام فيها الكاهن قاضياً ومرشداً، وهنا أموال وافرة تدخل الصناديق فيجب أن تصرف بحكمة واتزان في سبيل النفع العام، والكاهن مؤتمن عليها. الجميع بحاجة الى الكاهن وهو بحاجة للجميع. ألم يُقِمْهُ الشعب عليه راعياً ؟ ألا يدعونه (أبونا)؟ وهو وإن لم يتزوج ولم ينجب بحسب الجسد إلاّ أنه يُسَرُّ أن يُدعى بهذا الأسم. حتى أن بعضهم لا يعرفون اسمه وكنيته، يكفيه فخراً أنه الـ (أبونا)، يأتيه حتى الغرباء والذين لم يتعرفوا إليه بعد. (نريد أن نرى ال أبونا) يأتونه لكل مشكلة ولكل حاجة. نعم إنه لم يُنجِب بحسب الجسد كما قلت إلاّ أنه أصبح أباً لشعب كامل. أليس هو الذي وَلَدَهم لله وللكنيسة؟ أليس هو الذي يُطعِمهم (كالأب الجسدي) جسد الرب ويسقيهم دمه الطاهر؟ أليس هو الذي يداويهم حين تجرحهم الخطيئة، بسر الاعتراف والنصيحة الهادية؟ أليس هو الذي يزور مرضاهم ويصلي عليهم ويمسحهم بالزيت المقدس؟ أليس هو الذي كرّس قلبه لخدمة الأطفال والشبيبة في التعليم المسيحي والمدارس والأخويات والمنظمات؟ أليس هو الذي يجمع القلبين المتحابين في سر الزواج؟ يهيئهما أولاً ثم يفرح لزواجهما وعليه أن يزورهما في عائلتهما الجديدة ويبارك منزلهما ويهنئهما في ولادة الأبناء؟ إنه صديق العائلة يعرف الكبير منهم والصغير؟ وإذا وقعوا في عُسْرٍ أو شدة أليس إليه يلتجئون؟ إنه (الأبونا) بكل معنى الكلمة ... وإذا تقاعس عن تأدية هذا الواجب المقدس ينهال عليه العِتاب والمطالبة، وقد ينتقدونه بمرارة وألم لأن الشعب يقدّس الكهنوت، ويقدّس الكاهن ويريده أنموذجاً للإنسان بل صورة عن المسيح؟ أليس هو مسيحاً آخر؟

والكاهن الذي كرّس حياته في عز شبابه لله وللبشر سعيد جداً بهذه الأُبّوة الروحية وبتلك التسمية ويحاول أن يعطي ذاته للخدمة بحب لا حدود له. وهذا الحب اللاّمحدود يملؤه نجاحاً (عادة) وسعادة، لأنه يلمس لمس اليد تحقيق كلمة المسيح: كل من ترك أباً أو أماً أو إخوة أو أخوات ... من أجل اسمي، يرث مئات من الإخوة والأخوات والأباء والأمهات والحياة الأبدية رغم الآلام والمحن، إنه يشعر بسعادة العطاء المجاني. فالجميع، إجمالاً، يحبونه لأنه يحب الجميع ويحاول ان يخدمهم على قدر المستطاع. وتظهر محبة الناس له في مدِّ يد المساعدة على جميع الأصعدة: مادياً واجتماعياًُ وروحياً. وهو على قيد الحياة وأيضاً بعد وفاته.

في كتابي الأخير (حب بلا حدود) انطلقت في كتابة تأملاتي من مشاهدة الناس حول جثمان أخي المرحوم الأب حكمت، جاؤوا بالمئات يودّعونه ويُقِرّون بعرفان جميل نالوه منه. فهذا يذكر كم مرة جاءه يطلب مشورة أو نصيحة، وذاك كم مرة زار ذويه في منزلهم لكي يعود جَدَّه المريضَ طريح الفراش، ورأيت محموداً ذاك المعاق عقلياً إذ أصبح إنساناً سوياً بفضل محبته له وتأسيس مركز للمعاقين الخ ... وتتابعت الفكرة وتعمّقت حين انتقلنا بعد أربعة عشر يوماً إلى كنيسة اللاتين لنودِّع أخاً في الكهنوت آخر كان محبوباً جداً هو الأب رفول خوري، وجاء الشعب يشهد لتقواه ومحبته للعذراء مريم وعيشه الفقر الفرنسيسكاني ... وترعرعت فكرة الكتاب والتأملات حين انتقلنا بعد ثلاثة أيام إلى كنيسة النبي الياس للروم الأرثوذكس لنصلي على جثمان أخ ثالث في الكهنوت هو الأب جورج شحوارو وقد امتلأت الكنيسة بالشبيبة والكهول، جاؤوا يعبِّرون عن محبتهم لذاك الكاهن الشاب الذي أعطاهم الكثير الكثير ... للمرة الثالثة قلت في نفسي: الله! كم يُحَبُّ الكاهنُ حين يعيش كهنوته! وإذا انفجر حب هؤلاء المئات من المؤمنين حين جاؤوا يودِّعون كهنتهم الثلاثة فما ذلك إلاّ لأنهم كانوا يقدِّرونهم ويحبونهم ويعترفون لهم بالجميل حين كانوا أحياء فيما بينهم.
فكانت تأملاتي تلك صورة عن كهنة وأساقفة وراهبات يعيشون حياة التكريس والعطاء الكامل، فَوَصفْتُ حياة كهنة وراهبات لا على التعيين، كما وصفْتُ بعض الأشخاص بأسمائهم ويعرفهم الجميع، منهم حلبيون ومنهم من خارج حلب، ولكن كانت مع جميعهم معرفة شخصية ومعاشرة وبالتالي إعجاب وتقدير.

أحببت أن أكتب هذه التأملات كي أصِف للناس قدسية الكهنوت وعظمة الكاهن. ولكي أقول لهم يكفينا تململاً من الكهنة ونقداً لهم، فهم أيضاً من لحم ودم. فإذا رأوا فيهم النقص والتقاعس عن المهمة المقدسة هل يتبرّؤون منهم مثل بلاطس من دم المسيح، أم عليهم أن يساندوهم ويتعاطفوا معهم إذا زَلّتْ منهم القدم. فالكاهن أيضاً قد يقع في مرض أو خطأ وتتبدل تصرفاته التي عوّد الشعب عليها، وإمكانياته محدودة: الصحية والفكرية والثقافية والمالية والاجتماعية، فلا تتطلّبوا منه أكثر من اللازم، إنه لا يستطيع أن يلبي كل الحاجات، ساعدوه، ساندوه، تعاونوا معه، كونوا صريحين وشفافين معه، تَرَوِه حينئذ يضاعف الجهد والعطاء.

الكهنوت قداسةٌ وعطاءٌ بحبٍ لا محدود، أليس الكاهن مسيحاً آخر ؟ ساعدونا أن نكون ذلك وأن نستمر طيلة العمر على ذلك. بالصلاة من أجلنا وبالتعاون معنا وبصداقتكم النزيهة والمُحِبة . وشكراً.

 

للعودة إلى رأس الصفحة

 

Designed by Mounir Kwefati