جمعية التعليم المسيحي في حلب - موضوعات دينية ولاهوتية - الإنسان العربي بين الدين والمجتمع للشماس فادي نجار
     

الإنسان العربي بين الدين والمجتمع

الشماس فادي نجار 

كثُرت الآراء على مدى التاريخ حول ماهية الإنسان وكيانه. فهناك من راح يقول بأنّ نتيجة العصيان الذي ارتكبه الإنسان الأول أمام خالقه، يوجِب عليه طاعته والبقاء تحت سيطرته، وذلك لعجزه عن مقاومة الحياة بمفرده، فلا بدّ إذاً من أن يقضي حياته في العناء الدائم. والبعض الآخر راحوا يرفعون كثيراً من شأنه لأنه يفوق كل الكائنات الأرضية، فهو مخلوق على صورة الله. وأخيراً، هناك من استفرد بالتحدث عنه وعن كرامته وحقه بعيداً عن أي علاقة تربطه مع خالقه، فالعلم والتكنولوجيا كفيلان بتحقيق الآمال وتلبية حاجات الإنسان...

لا يمكننا أن نتحدث اليوم، في عالمنا العربي، عن صورة واحدة تُعرّف الإنسان وحريته وحقوقه، بل هناك إمكانيات تصوّر لطريقة كيانه، وحدود تفكيره وعمله تتناقض إحداها مع الأخرى، أو ربما وجِدت الواحدة إلى جانب الأخرى دون أي مناقشة أو حوار...

هل نكتفي اليوم بالصورة التي تقدمها لنا الأديان، وبالتالي من لا ينتمي إلى أي عقيدة أو دين لا يستطيع أن يفهم معنى الإنسان؟ أم أنّ هناك علاقة أعمق من ذلك، وهي أنّ صورة الإنسان في الإطار الفلسفي تبقى ناقصة ما دامت النظرة الدينية غير متواجدة. ما هو دورنا اليوم ككنيسة عربية مبشِّرة إزاء حقوق الإنسان وكرامته وتطوره؟

الديانات الإبراهيمية تتكلم...

علاقة العهد الجوهرية التي أعلنها الله مع الإنسان في العهد القديم كانت وما تزال علاقة بين
"الأنا" و " الأنت". يقول الله للإنسان في كتاب أشعيا ، الفصل43: "لا تخف فإني دعوتك باسمك". كذلك الأمر في المزمور الثامن الذي يسلط الضوء على هذه العلاقة فيقول: " ما الإنسان حتى تذكره؟ بالمجد والكرامة كللته وأخضعت كل شيء تحت قدميه". من هذا المنطلق توجه الله إلى الإنسان بالتفاتة مطلقة وخصّه بالخلود والقدرة، ودعاه ليكون صديقاً دائماً له، فالله منذ البدء أراد خلاصه محترماً حريته في تلبية حسن البادرة بحسن أو سوء اللافتة.

يرى القديس توما الأكويني في الجزء الأول من كتاب " الخلاصة اللاهوتية" أنّ الكائن المخلوق لا يصير إنساناً إلاّ إذا امتلك القدرة على المعرفة والإرادة، أي أنه يستطيع الوصول إلى الحقيقة والحرية. وكون أنّ الإنسان مخلوق على صورة خالقه (كو1/15) و"مثاله" ، أي أنّ صورته حاضرة في كل إنسان، لذلك فهو يملك الكرامة، وتتفوق كرامته على سائر مخلوقات الأرض. لقد تخطى عتبة الكائن ليدخل في عالم الإنسان" الشخص Persona". تقول رسالة البابا يوحنا الثالث والعشرين (سلام على الأرض Pacem In Terri) في أحد مقاطعها: " ... إنّ كل إنسان هو شخص أي إنه بطبيعته قد منح عقلاً وإرادة حرة..."

تجد المسيحية نفسها في صلب هذا التراث البيبلي في اهتمامها بالفقير والجائع والمسكين. هؤلاء هم صورة الله. في المسيح الفادي والمخلص، أعيدت الصورة الإلهية التي شُوّهت في الإنسان بالخطيئة الأولى، إلى جمالها الأول وشُرّفت بمعرفة الله. لقد جاء المسيح ليدعو إلى البرِّ والرفق بالآخر : " طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى، لأنهم يُعزّون ..." ( متى 5). الله الذي أخذ صورة إنسان وتجسد في شخص المسيح، قدّس الخليقة الإنسانية وشاركها بإلوهيته.

وفي الديانة الإسلامية، كثيرة الآيات في القرآن التي ترفع من قدر الإنسان معتبرةً إيّاه مخلوقاً مكرّماً من الله. خُلِق في أحسن تقويم ومُنح العلم والحكمة. وفُضِّل بالعقل على سائر المخلوقات، وقد جعل من الحرية أمراً فطرياً تولد مع ولادة الإنسان، وبالتالي حياته حقّ إلهي ثابت. تقول كتب التفسير عن سورة السجدة 32: 9: " إنّ الله خلق آدم من روحه أي جعله حيّاً حساساّ بعد أن كان جماداً وذلك بأن جعله يسمع ويبصر ويعقل".

بناءً على هذا الارتباط بين الله والإنسان، كلُّ إهانة للشخص البشري هي في الوقت عينه إهانة إلى الله لأن لا حياة في الإنسان دون الله، من ينابيعه يرتوي ومن تعاليمه يعيش. الإنسان مخلوق على صورة الله أي إنّ أصله إلهي، وهو مدعو إلى بحثٍ دائم عن أصوله، يقول القديس أوغسطينوس : " سوف يبقى قلبنا قلقاً مضطرباً حتى يرتاح فيك يا الله"

المفهوم الفلسفي الاجتماعي يتكلم...

لا يمكننا النكران بأنّ الديانات الثلاث الإبراهيمية ترتبط ارتباطاً هاماً إلى حدٍّ ما بالمفهوم الفلسفي الاجتماعي للإنسان. فمنذ حمورابي ( توفي عام 1686 ق.م) الذي قَونَنَ جميع الأعراف والتقاليد في مجموعة تشريعية تُعرف بشريعة حمورابي، لم تكن إلا مظهراً آخراً للحياة الاجتماعية وقوانين العائلة. والرواقيون الذين اعتبروا جميع الناس، بصرف النظر عن جنسهم أو عرقهم ، إخوة ينحدرون من أب واحد.

وفي القرون الوسطى، نجد الفيلسوف توما الأكويني ( 1225 – 1274) وقد تحدث في الكثير من مؤلفاته عن أهمية العدل والمساواة بين الناس، وعلى ضرورة احترام الحاكم لحقوق الإنسان الطبيعية. ولقد كان للفلاسفة أيضاً الدور في قيام مجتمعات يعيش فيها العمال بسعادة وكرامة يفتقدانها في ظل وسائل الإنتاج القائمة على الاستغلال والملكية الخاصة، والإيمان بالتضامن الاجتماعي كصفة من صفات الإنسانية.

لقد أثّرت هذه الحركات على الكنيسة. ففي عام 1881 أصدر البابا لاون الثالث عشر رسالة رعائية حول العمّال (Rerum Novarum) نادت بحقهم في حياة كريمة، وإلغاء الملكية الخاصة وإحلال الملكية العامة مكانها.

إنّ التعابير التي أطلقتها كل من الديانات السماوية من خلال كتب الشريعة والإنجيل والقرآن والتي تُبرز أهمية كرامة الإنسان في المجتمع، هي دعوة اليوم لأن تكون الأساس في تغيير الواقع الاجتماعي إلى ما هو أفضل. اليوم، وفي عالمنا العربي خاصة، نحن مدعوون إلى العودة إلى جذورنا الدينية والاكتشاف من جديد قصد الله من الإنسان. إنّ عالمنا العربي بحاجة ماسّة إلى إصلاحٍ بروتستانتيٍّ جديد. فالكنيسة على مدى العديد من العصور أخطأت وتحولت إلى تيار اجتماعي سياسي داخل المجتمعات، وهذا أتى نتيجة الفهم الخاطئ للإنجيل والقيم المسيحية. فكيف هي حال سائر الديانات؟

كثيرةٌ هي المجتمعات التي ما يزال الدين فيها الهيكلية الوحيدة والصيغة الجوهرية والأساسية للوعي الاجتماعي. فشعوبها لا تستطيع أن تحقق آمالها ولا قضاياها الاجتماعية والسياسية إلاّ بما يتوافق مع أسس الدين الحاكم، بمعنى آخر " دين – دولة" جزء لا يتجزأ. وهذا ما نراه اليوم كيف أنّ البلدان التي تعيش انطلاقاً من مبدأ (دين – دولة جزء لا يتجزأ) لم تحقق تنمية أو نمواً جيداً ساعد في تحريك المجتمع، وبالتالي لم تساعد هذه الأنظمة في تطوير الإنسان.

انطلاقاً من هذا الواقع، ظهرت الحركات الأصولية في هذه المجتمعات، وراحت تدعو- باستخدام العنف- إلى الغوص مجدداً في الجذور الدينية من أجل مواجهة العولمة والتطور التكنولوجي . أي راحت تحاول أن تبني عالماً حديثاً بأدوات فكرية قديمة ترتكز على الفهم التقليدي للنص الديني، وهذا ما لا يمكن تحقيقه اليوم.

ظهرت اجتهادات تجديدية كالتي قام بها كل من حسن حنفي وعلي شريعتي، والتي بحثت عن قيم التحرير داخل النص الديني، لكنها توقفت مبكراً. نحن نعتقد أنّ الكنيسة العربية لها دور في مساعدة الإسلام في الوصول إلى ما كان يحلم به كل من هذين المفكرَّين . فيتحول الدين من أفيون للإنسان إلى فيتامينٍ له يقوّي قدرته في مواجهة العنف والفقر والاستغلال.

الإنسان العربي مدعو اليوم إلى التفكير مجدداً في كيفية حمل البشرى والسلام، والمساهمة في بناء مجتمع من مفكرين يعملون على ارتقاء البلاد. فنعزف معاً، مسيحيين ومسلمين، لحن إيمان لا ينتهي أبدا...

الشماس فادي نجار طالب ماجستير في العلوم اللاهوتية والكنسية

 

Designed by Mounir Kwefati