جمعية التعليم المسيحي في حلب - موضوعات دينية ولاهوتية - آباء الكنيسة - الآباء المدافعون للأب بسام آشجي
     

آباء الكنيسة

" الآباء المدافعون"

الأب بسّام آشجي

مقدمة

واجهت الكنيسة إبّان انطلاقتها في القرون الأولى تحديّات عنيفة، دمويّة وفكريّة. فبالإضافة للاضطهاد الدموي الذي كانت تمارسه سلطة الإمبراطوريّة الرومانيّة، تصدّت الجماعة المسيحيّة أيضاً، لتحديّات التيارات الفكرية والعقائدية المختلفة.

فحوض البحر الأبيض المتوسط كان، ولا يزال، تربة خصبة لتقبل التيارات الفلسفية والدينيّة، مهما كان اتجاهها.

يمكننا حصر هذه التحديّات في الأمور التاليّة:

1) الديانة اليهودية، التي رفضت بشكل عنيف نشوء الديانة المسيحية .

2) الديانات الوثنية، التي لم تستطع أن تفهم العقيدة المسيحية.

3) الفلسفة اليونانية، خصوصاً الأفلاطونيّة.

4) الهرطقات المتأثرة باليهوديّة أو الوثنيّة أو الفلسفة.

5) سلطة الإمبراطورية الرومانية.

لقد وجدت المسيحية نفسها في مأزق حرج، فالخطر كبير، والتيارات كثيرة، بيد أن القيّمين عليها لم ييأسوا، فراحوا يدافعون عن إيمانهم الجديد بشتى الطرق والوسائل (أنظر دفاع استفانُس أول الشهداء: رسل7، ودفاع بولس في معبد أريوباغس الوثني: رسل 17).

أصبح الدفاع عن المسيحيّة ينتهج "نوعاً أدبيّاً خاصاً" (1) في القرن الثاني، ما شجّع الباحثين على تسمية آبائه بـ"الآباء المدافعين" Apologistes. ولقد استعان هؤلاء بالفلسفة والعلوم الإنسانيّة المعاصرة لهم بالإضافة إلى الكتاب المقدّس في "دفاعاتهم". واستعملوا عموماً أسلوب "الحوار" أو "الجدال"، لذلك سمّوا أحياناً بـ"الجدليّين".

 ونستطيع أن نميّز أربعة أنواع من "الحوار" في مصنفاتهم: الدفاعي واللاهوتي والفلسفي والسيَري.

إن نصف الكتابات الدفاعيّة التي لنا علم بوجودها مفقودة أو لم يصل إلينا إلا من خلال بعض الاستشهادات ورد أكثرها في "التاريخ الكنسي" لأوسابيوس (2) . ولدينا مخطوطة أساسيّة تحمل اسم "المخطوطة الباريسيّة 450 gr"، تعود إلى سنة 914، تجمع معظم هذه الكتابات.

سندرس في هذه المقدمة، إضافة لخصائص هذه الحقبة، أهم التيّارات الفكريّة والهرطقات التي كانت السبب في نشوء هذا النوع من "اللاهوت الدفاعي". ثم نكتفي بدراسة من بين هؤلاء الآباء المدافعين، الواردة أسماءهم في المدخل العام، ثلاثة هم: القديس يوستينينوس الفيلسوف (Justin)، والقديس إيريناوس أسقف ليون (Irénée)، وندرس أيضاً ترتليانوس القرطاجي، وهو الأنموذج الأول للكتابة باللاتينيّة خلافاً لمن سبق إذ كتبوا باليونانيّة.

خصائص الآباء المدافعين

1. الدفاع عن مبدأ "الحريّة الدينيّة" في الامبرطوريّة الرومانيّة الواسعة الانتشار والمتعدّدة الثقافات والأديان والمذاهب (يمكن تسمية ذلك بـ "عولمة" ذلك العصر).

2. الردّ على التهجمات والافتراءات التي تتهم المسيحيّة الناشئة.

3. إظهار الوجه الأساسي للمسيحيّة وهو "المحبّة" بالاعتماد على البرهان الأخلاقي.

4. إظهار المسيحيّة الناشئة كدعوة إيمانيّة لا كحركة سياسيّة.

5. إظهار بطلان الديانات الوثنيّة، باستخدام المنطق والعقل. وبطلان اليهوديّة، فالعهد القديم لا يجد معناه الحقيقي دون العهد الجديد.

6. "إنثقاف" التعبير اللاهوتي في الاستعمال الحرّ للفلسفة والعلوم الإنسانيّة.

7. ظهور مقالات لاهوتيّة عميقة ومنهجيّة.

8. تطوّر تنظيم الممارسات الطقسيّة والرتب الكنسيّة والعقائد.

9. مواجهة الهرطقات وتفنيد انحرافاتها.

القديس الشهيد يوستينوس الفيلسوف

 

1 -  حياته :

ولد يوستينوس (يمكن تفسير اسمه في العربيّة "عادل") في مدينة نابلس (Neo-polis) في أوائل القرن الثاني من أبوين وثنيّين ربّياه على مبادئ الديانة الوثنية السائدة آنذاك. وكان منذ صغره يميل إلى حب الفلسفة، ليس من باب الفضول الفكري فحسب، بل من أجل البلوغ إلى حقيقة ثابتة تفضي به إلى معرفة الله، يقول: "القلب مليء من الرغبة في سماع ما هي الفلسفة الحقة والحسنة التي تقودنا وحدها إلى الله... إن فهم الأشياء غير الماديّة قد أسرني أسراً قويّاً..".

تتلمذ يوستينوس لأحد الفلاسفة الرواقيين، ولكنّه سرعان ما تركه، لأنه لم يلقّنه شيئاً جديداً عن الحقيقة، فانتقل إلى مدرسة أحد المشّائيين، علّه يجد مراده، فخاب ظنّه بعد بضعة دروس، لانغماس هذا الأخير بالأمور المادية والمالية. إلاّ أنه لم ييأس في تفتيشه عن الحقيقة، فالتحق بأحد الفيثاغوريين، فلم يتمكن كذلك من الصمود طويلاً، لأنّ معلمه فرض عليه دروساً موسيقية وفلكية وهندسية لا تمتّ بصلة إلى تطلّعاته. وفي أثناء دراسته الفلسفة الأفلاطونية، شعر في داخله بارتياح لا يوصف، ولقد أُخذ بنظرية "عالم المثل" حتى إنّه انقطع عن العالم في ضواحي قيصرية فلسطين لكي يتسنّى له التأمّل في تلك الحقيقة الجديدة. وهناك اهتدى إلى الإيمان المسيحي على يد أحد الشيوخ المسيحيين الذي أطلعه على عجز الفلسفة، حتى الأفلاطونية، عن إيجاد ما يصبو إليه. وبإيعاز من الشيخ، قرأ يوستينوس الأنبياء والإنجيل، فاقتنع أنّ الفلسفة المسيحية هي الفلسفة الثابتة والأكيدة التي يجد فيها الإنسان معنى لحياته ووجوده، يقول: "اُخذت بحبٍّ للأنبياء ولجميع هؤلاء الناس أصدقاء المسيح، ورددّت في نفسي جميع هذه الكلمات وعلمت أنها الفلسفة الوحيدة الأكيدة والنافعة.. لقد درست بالتتابع جميع التعاليم وانتهيت إلى اعتناق التعليم الحقيقي الذي هو تعليم المسيحيين".

وبعد أن نال يوستينوس سرّ العماد سنة 130، أخذ على عاتقه الدفاع عن الفلسفة الجديدة (المسيحية)، فإنّ، كما يقول، "جميع الذين يقدرون على قول الحقيقة ولا يقولونها سوف يدينهم الله" (حوار83،3).

حصل بينه وبين تريفون خلال إقامته في أفسس جدال حول اعتناقه المسيحية. وتريفون هو حاخام يهوديّ وعالم في الكتاب المقدّس، دوّن هذا الحوار تحت عنوان "حوار مع تريفون". امتاز فيه بشجاعة فائقة، يقول: "لا أبالي بشيء إلا بقول الحقيقة، أقولها ولا أهاب أحداً، ولو كنتم ستقطعونني في الحال إرباً أرباً" (3) .

نجد شجاعته أيضاً تدعوه أن يوجّه سنة 152 كتاباً إلى الإمبراطور، مستعملاً فنّ الخطاب الدفاعي، فيطلب فيه وقف الحملات العدائية على المسيحيين في روما، يقول في مطلعه: "إلى الإمبراطور... أنطونيوس بيوس، إلى فريسيموس (مارك أوريل) ولده الفيلسوف ... إلى مجلس الشيوخ المقدّس وإلى كل الشعب الروماني، إكراماً للبشر الذين يضطهدون بدون سبب، مهما اختلفت أعراقهم، يوجّه يوستينوس بن بريسكوس، الذي هو واحد منهم، هذا الخطاب وهذا الطلب" (4) . ولكي يدعم موقفه، عمد إلى وضع بعض الكتب الدفاعية أشار فيها إلى تعسّف والي روما أوربيكوس، وإلى وشايات الفيلسوف كرسان بالمسيحيين.

وُشي به، أخيراً، مع ستة من المسيحيين، فماتوا بحدّ السيف سنة 166 على الأرجح، وهو "فخور بأن يكون تلميذ المسيح" (5) .

1 -  كتاباته :

ترك لنا القدّيس يوستينوس مؤلّفات كثيرة، إلاّ أنّ معظمها قد اندثر ولم يبقَ منها إلاّ النذر اليسير، وهي: "الحوار مع تريفون"، وكتابان "في الدفاع عن المسيحية"، و"مقتطفات حول القيامة".

 

أ - الحوار مع تريفون :

 

يُعتبر هذا المؤلَّف من أقدم النصوص الدفاعية التي نملكها أمام اليهود، فمنذ أن أعتنق المسيحية، وعى يوستينوس خطر الديانة اليهودية الداهم على المسيحية، فجرّد كل طاقاته العقلية والفكرية، مفنداً تعاليمها واحداً واحداً، ومقارناً إيّاها بتعاليم المسيح الجديدة.

إنّ الفكرة الرئيسة التي يشدّد عليها يوستينوس في كتابه، فضلاً عن المقدّمة التي يعرض فيها ارتداده، هي بطلان العهد القديم وكلّ تعاليمه. ففي عرفه أنّ الشريعة الموسوية بقيت مفيدة وضرورية للشعب حتى مجيء المسيح، على ما قال بولس الرسول: "قبل أن يأتي الإيمان كنّا محفوظين تحت الناموس، مغلقاً علينا، في انتظار الإيمان الذي سيعلن. فالناموس إذن كان مؤدّبنا يرشدنا إلى المسيح، لكي نبرّر بالإيمان. فبعد إذ جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدّب" (غلاطية 3: 23 – 25).

هناك فكرة ثانية تظهر جليّاً في الحوار مع تريفون، ولا تقلّ أهميّة عن الأولى، ألا وهي "الوجود السابق للمسيح". فالكلمة هو الذي ظهر للآباء قديماً، ثمّ تكلّم بواسطة الأنبياء، وأخيراً تجسّد من مريم العذراء. والجدير بالذكر أنّ يوستينوس هو الكاتب المسيحي الوحيد الذي يسترسل في شرح هذه الفكرة. فهو يعزو كلّ عمل في الكون إلى الكلمة، حتى في العهد القديم، داعماً رأيه ببراهين فلسفية من رواقية وهيراقليطية وغيرها. إنّ اللوغس (الكلمة) في نظر هؤلاء هو المنظّم الوحيد للعالم، لذلك استعار يوستينوس هذه الفكرة وطبّقها على المسيح جاعلاً منه الوسيط الوحيد بين الله والبشر حتى في الفترة التي سبقت تجسّده.

أخيراً نرى يوستينوس يستطرد في سياق حديثه، منتقلاً من فكرة إلى أخرى من دون ترابط، فيتهجّم تارة على خبث اليهود (فصل 16–17)، وطوراً على المسيحيين المزيّفين (35 – 36)، وحيناً على الذين يسمحون لأنفسهم أن يسقطوا بضعة أجزاء من الكتاب المقدّس.

 

ب - كتاب الدفاع الأوّل :

 

إنّ الغاية الرئيسة من وضع الكتب الدفاعية هي تبرئة المسيحيين من التّهم التي كانت تحاك ضدهم وتدفع السلطات إلى اضطهادهم. لذلك رأى يوستينوس أن يرسل كتابه الأوّل إلى الإمبراطور نفسه فيتولّى المدافعة عن المسيحيين الأبرياء.

سخَّر يوستينوس معارفه كافة لخدمة الإيمان، فلم يوفّر حتى "اللغويّة" منها! فأظهر مثلاً أنّ اسم "مسيحي" مرادف للقب شريف، حيث أن لفظة christianos اليونانية، التي تعني "مسيحي"، مشتقة من christos أي المسيح، المطابقة للفظة chrystosالتي تعني "شريف"، فالمسيحيّ إنسان شريف!..

يؤكد يوستينوس أنّ المسيحيين ليسوا ملحدين، كما يعتقد البعض، وأنّ المسيح وحده الإله الحقيقي، وأنّ "النبوءات الماسوية تبرهن بطريقة ما على ألوهيّته" (6) .

يقارن يوستينوس، في القسم الثاني من الكتاب، المسيحية بالوثنية، مبيَّناً تفوّق الأولى على الثانية، إذ أنّ الألاعيب الوثنية والسحر وغيرها من العادات التي يقبح حتى ذكرها، تجعل الوثنيين في مرتبة أدنى من المسيحيين. ثمّ يحثّ الوثنيين على اعتناق المسيحية والتخلّي عن عبادة الأصنام الصمّاء معلناً: "أنّ الفلاسفة الوثنيين، حتى أفلاطون، قد استمدّوا من الكتاب المقدّس والأنبياء أفضل ما عندهم" (7) .

إن أهم ما يتحدّث عنه في هذا الكتاب هو فكرة وجود الحقيقة (اللوغوس) عند غير المسيحيين "كبذور" تحتاج إلى نموّ وازدهار.

يوجّه يوستينوس، في نهاية الكتاب، إلى الإمبراطور تأنيباً صارماً مطلعه: "نعلمك بأنك لن تنجو في المستقبل من دينونة الله، إذا ما استمرّيت في الظلم. أمّا نحن (المسيحيين) فنصرخ: لتكن مشيئة الله" (8) .

 

ج - كتاب الدفاع الثاني :

 

يشنّ يوستينوس، في الكتاب الثاني، حملة على تصرّفات الوالي أوربيكوس الذي أعدم ثلاثة من المسيحيين لاعترافهم بإيمانهم. ويردّ أيضاً على اعتراض ساخر وجّهه إليه الوثنيون بقولهم: "لماذا لا يقتل المسيحيون أنفسهم، فيذهبوا إلى ملاقاة ربّهم؟"، فيُجيب: "أن نفعل ذلك فأمرٌ يخالف إرادة الله. إنّ الانتحار جريمة كبرى، لأنّها هروب من الواقع..." (9) .

3 -  تعاليمه :

جمع يوستينوس في حياته الفكرية بين أمرين: حكمة الفلاسفة وعمق اللاهوتيين. ولقد صبّ اهتمامه على الفلسفة، خصوصاً بعد ارتداده، ليبرهن للعالم أنّ الديانة المسيحية، وقد أحاط بأسرارها، هي الفلسفة الحقيقية التي تعطي معنى لتطلّعات الإنسان الوجوديّة.

أما أفكاره فتتلّخص كما يلي:

 

أ ‌- تسامي الله :

 

تأثّر يوستينوس، على غرار الغنوصيين وآباء القرن الثاني، بـ "اللاهوت التنزيهي"، أو "اللاهوت السلبي" (Théologie Apophatique) الذي يدعو ألا نصف الله أو نسميّه لكي لا نحدّه بوصفنا أو بالاسم الذي نُطلقه عليه مستعيضين عن ذلك بالقول ما ليس هو الله فنعرّف عنه سلباً بما لا يكونه. بيّن يوسيتينوس بدوره تسامي الله وتعاليه. يقول: "إنّ أبا الجميع الذي لم يولد لم يُعطَ اسماً، لأنّه مهما كان الاسم الذي يدعى به يظل المسمّى أكبر من التسمية. والألفاظ أب وإله وخالق وسيّد ليست أسماء وإنّما هي ألقاب مأخوذة من أعماله الخيّرة ومهمّاته. واللقب "الله" ليس اسماً بل رأي غرس في طبيعة البشر عن الشيء الذي لا يفسّر" (10) .

وخلاصة القول أنّ يوستينوس لم يكن غريباً عن الفكر الهلّيني السائد في أيّامه، فقد تشرّب الرواقية والأفلاطونية، فبان تأثيرهما في كتاباته جليّاً، على الرغم من اجتهاده في مسحنة (11) بعض تعابيرهما.

 

ب‌- المسيح "كلمة الله" (اللوغس):

 

إنّ مسألة سموّ الله تطرح سؤالاً خطيراً وتضع المؤمن في موقف مربك للغاية، إذ ماذا ينفعنا نحن البشر أن يكون الله متسامياً وبعيداً عن العالم الذي خلقه؟

لقد تنبّهت التيّارات الفلسفية لخطر هذه المسألة الشائكة، فأقامت بين الإله الأحد والكون وسيطاً يشرف على سيره، هو "اللوغس"، إلاّ أنّ هذا الوسيط بقي غامضاً ومجرّداً حتى بزوغ المسيحية.

ففي العهد الجديد، يرد ذكر "اللوغس" ستّ مرّات فقط، أربعاً في إنجيل يوحنا (راجع مقدّمة الإنجيل)، وواحدة في سفر الرؤيا (19: 13)، وأخرى في رسالة القدّيس يوحنا الأولى (1: 1). ويعلّم القدّيس يوحنا في مقدّمة إنجيله أنّ الكلمة – المسيح هو في الوقت نفسه إله ووسيط: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله ... والكلمة صار جسداً وسكن في ما بيننا". بهذا التصريح الفريد أضحى غير المنظور منظوراً.

وعلى خطى القدّيس يوحنا الإنجيلي، سار يوستينوس وراح يعلّم في كتاباته أنّ الإله المتعالي لم يبق قابعاً في عزلته، بل أرسل أبنه الوحيد، كلمته الأزلي، إلى العالم ليكون وسيطاً بينهما. إلاّ أنّ مفهومه للوغس يحمل طابعاً فلسفياً، ولا غرو، فإنّه كان فيلسوفاً قبل أن يكون لاهوتياً.

 

ت - "الكلمة" (اللوغس) "بذار" الحقيقة لغير المسيحيين:

 

الشيء الجديد الذي يتفرّد به يوستينوس فهو استعارته من الفلسفة الرواقية عبارة "اللوغس المخصب" أو "اللوغس بالبذار" Logos spermatikos، وتطبيقها على الديانة المسيحية.

إنّ اللوغس في رأي الرواقيين موجود في العالم على شكل بذور صغيرة متناثرة تغذّي كلّ كائن حيّ، وليس له كيان خاص به، لأنّه حالّ في الكون. ولا يغب عن بالنا أنّ الرواقية هي "فلسفة حلولية" لا تؤمن بالوجود المستقل للكلمة (اللوغوس)... يقول يوستينوس في هذه الاستعارة (الدفاع الثاني): "إنّ المسيح كلمة الله ينير العقول البشرية منذ البدء، فأخصبت بذوراً" sperma منه واهتدت إلى بعض الحقائق.. فكلّ ما قاله الفلاسفة والمشترعون وما اكتشفوه من جميل إنّما بلغوا إليه بفضل تأثير جزئي من الكلمة. ولمّا كانوا لم يعرفوا الكلمة بأكمله (لأنّه موجود بالبذار فقط) فقد أخطأوا أحياناً وناقض بعضهم بعضاً. فكل ما قيل من حقّ في كلّ زمن وفي الإنسانية جمعاء فهو ملكنا نحن المسيحيين" (12) .

لقد ميّز يوستينوس بين اللوغس الكامل الذي هو كلمة الله والمتغاير كليّاً عن العالم "وهو اللوغس المتجسّد في ملء الزمان"، وبين اللوغس بالبذار أو المخصب الموجود في العالم مستمدّاً قوّته من اللوغس الكامل. ولمّا كانت معرفة العالم بواسطة اللوغس بالبذار ناقصة، تجسّد اللوغس الكامل ليزيل الهوّة بين الله والإنسان. هذا ما علّمه القدّيس يوحنا في إنجيله، وما عبّر عنه القدّيس بولس بجلاء في رسالته الأولى إلى تيموثاوس بقوله: "إنّ الله واحد والوسيط بين الله والناس واحد، الإنسان يسوع المسيح الذي بذل نفسه فداء عن الجميع" (1تيم2/5– 6).

 

ث- أصحاب الحقيقة هم "مسيحيون على غير علم منهم":

 

هناك فكرة تنسجم مع فكرة "اللوغوس بالبذار" دأب يوستينوس في تردادها ليؤكد أن الحقيقة ليست حكراً على المسيحيين، فيرى في الفكر الفلسفي وجها "للكلمة" المسيح، يقول: "لقد حاول سقراط بوحي من الكلمة الإلهي، أن ينتزع شعبه من عبادة الأوثان ويوجهه إلى عبادة الإله الحق... والكلمة الإلهي لم يوحِ بهذه الحقائق لليونانيين على لسان سقراط وحسب، بل أيضاً أوحى بها للبرابرة، بطريقة محسوسة وظاهرة، في شخص المسيح الذي أصبح إنساناً" (13) .. إن كل الذين عاشوا بوحي الكلمة الإلهي، هم مسيحيون، حتى ولو حكم عليهم كملحدين وكفرة، مثل سقراط وهيراقليطس وأمثالهم عند اليونان، وكإبراهيم وحنانيا وعازاريا وإيليا وغيرهم عند البرابرة.. الذين عاشوا بوحي الكلمة، دون خوف ورهبة، فهم مسيحيون عن غير علمٍ منهم" (14) .

 

ج ‌- التألّه (Theosis) :

 

إنّ التوق إلى التألّه ليس أمراً جديداً في تاريخ البشرية. فمنذ أن برز وعي الإنسان، ولدت فكرة التألّه وراحت تراود فكره. ولكن، أنّى له الحصول عليه، والكائن الذي بيده الحل والربط قابع في عزلته لا يتحرّك قيد أنملة؟ ويجيب يوستينوس بقوله إنّ المستقبل زاهر ومشرق لأنّ الإله – الكلمة تجسّد وسكن في ما بيننا.

تجدّد الأمل في التأله بتجسّد الكلمة، فراح الإنسان يسعى من جديد إلى تتميم حلمه. ولا عجب إن وجدنا الآباء الشرقيين في القرون اللاحقة يصرّون على هذه الفكرة، فقناعتهم أنّ دعوة الإنسان هي نحو المطلق اللامتناهي. وهذا ما عبّر عنه يوستينوس في حواره مع تريفون فقال: "إنّ الله خلق الإنسان على مثاله حيّاً لا يموت، خالياً من العذاب، واشترط عليه أن يحفظ وصاياه ويثبت أهليّته أن يدعى أبناً له، ولكنّ الإنسان فَعَل فعْل آدم وحواء فجلب الموت على نفسه". وأضاف يوستينوس: "فسّر المزمور الحادي والثمانين كما تشاء فيظلّ هذا المزمور يشهد أنّ جميع الناس يستحقّون أن يكونوا آلهة..." (15) .

 

ح‌- مريم العذراء حوّاء الجديدة :

 

إن يوستينوس هو أول من أقام مقارنة بين حواء ومريم مفتتحاً "اللاهوت المريمي" بباب وسيع. فأظهر في "حواره مع تريفون"، الفرق بينهما، مثلما فعل بولس الرسول في مقارنته بين المسيح وآدم (رو5: 12–21). إنّ مريم العذراء أضحت بقبولها الأمومة الإلهيّة أمّاً للجميع بدل حواء القديمة: "لقد صار المسيح إنساناً بواسطة العذراء ليزهق العصيان الذي انبثق عن الحيّة بالطريقة نفسها. فحواء العذراء الطاهرة حملت كلمة الحيّة فولدت عصياناً وموتاً. أمّا مريم العذراء فإنّها آمنت وابتهجت عندما بشّرها الملاك جبرائيل بأنّ روح الله سيأتي عليها وأنّ قدرة العليّ ستظلّلها، لذلك فالقدّوس الذي يولد منها هو ابن الله. فأجابت ليكن لي بحسب قولك. وبواسطتها ولد من أثبتنا إشارة الأسفار إليه ومن يسحق الله به الحيّة والملائكة والبشر على شاكلتها" (16) .

 

خ ‌- المعمودية :

 

أفرد يوستينوس لسرّ المعمودية فصلاً كاملاً من كتاب الدفاع الأوّل، هو الفصل الحادي والستون. فبالمعمودية يغتسل المؤمن ويستحيل إنساناً مستنيراً وجديداً ومكرّساً على اسم الآب والابن والروح القدس. يقول: "وسأذكر كيف نكرِّس نفوسنا لله، بالتجدد بالمسيح. يُجمع الذين يقتنعون ويعتقدون أن ما نعمله ونقوله هو الحق. ويأخذون على أنفسهم السلوك بموجب ذلك. ويُعلَّمون كيف يصلون ويبتهلون إلى الله صائمين لمغفرة خطاياهم السابقة. ونحن نصوم ونصلي معهم. ثم نأخذهم إلى مكان فيه ماء ونجددهم بالطريقة نفسها التي تجددنا نحن فيها. إذ أنهم ينالون الغسل بالماء باسم الله الآب سيد الكون، وباسم مخلصنا يسوع المسيح، باسم الروح القدس. والسبب في ذلك تعلمناه من الرسل. فإنه لما كنا في ولادتنا الأولى، قد وُلدنا من أبوين بدون علمنا واختيارنا،.. (وربما) نشأنا نشأة شريرة، وتعودنا عادات سيئة، ولكي لا نبقى أبناء ظروفنا الاضطرارية، وجهلنا، ولكي نصبح أبناء بعملنا، وبملء اختيارنا، وننال بالماء غفران خطايانا السابقة، نُقاد إلى الغُسل. حيث يُطلب إلى الله سيد الكون لأجل من يختار أن يولدوا ثانية بعد التوبة عن الخطايا. ويُسمَّى هذا الغسل استنارة. لأن من يختار هذه الأمور يصبح مستنيراً بالروح.. ثم يُقاد المعتمد إلى الأخوة المجتمعين معاً، لكي نصلي مشتركين من كل قلوبنا لأجل أنفسنا ولأجل من نال الاستنارة، ولأجل جميع الآخرين في كل مكان، ولكي نكون بعد أن علمنا الحقيقة، وحفظنا الوصية، مواطنين لائقين بالملكوت، فننال الخلاص". (17)

 

د ‌- الإفخارستيا :

 

يتكلّم يوستينوس عن حفلة الإفخارستيا في كتاب الدفاع الأوّل (65 – 67) ليقدّم للأجيال اللاحقة الخطوات الأساسيّة للاحتفال بهذا السرّ ويُطلق أهم الخصائص اللاهوتيّة له.

"يجتمع في اليوم الذي يدعى نهار الشمس (نهار الأحد) في مكان واحد، كلّ سكّان المدن والريف، فتقرأ ذكريات الرسل أو مؤلّفات الأنبياء، بقدر ما يسمح الوقت بذلك. وعندما ينتهي القارئ، يخطب الرئيس فيهم، منبّهاً ومحرّضاً على اتّباع مثل هذه التعاليم الجميلة. وبعد ذلك، نقف جميعاً ونصلّي سوية بصوت عال. وعند الانتهاء من الصلاة، نقدّم الخبز والخمر والماء كما ذكرنا آنفاً. فالذي يترأس يبتهل إلى السماء مقدّماً الشكر حسب مقدوره، فيجيب الشعب بهتاف الفرح آمين. ثم يجري التوزيع، فيشترك كل واحد في الإفخارستيا، وينقل الشمامسة قسماً منه إلى الغائبين. والأغنياء الذين يحبّون العطاء يقدّمون ما يريدون. ثم يودع المال المجموع عند الرئيس ليوزّع على اليتامى والأرامل والمحتاجين، إمّا لمرض وإمّا لأي سبب آخر ... ونجتمع في يوم الأحد لأنه هو اليوم الذي غيّر فيه الله الظلام والمادة وصنع العالم، ولأنّه هو اليوم الذي فيه قام المسيح مخلّصنا من الموت" (18) .

يؤكد يوستينوس إلى أن الخبز والخمر يتحولان إلى جسد ودم المسيح، ويشير أن هذا التحوّل يتم "بلفظ الصلوات التي أخذناه منه" (19) ، أي من الرب يسوع نفسه، أي قوله: "خذوا فكلوا.. خذوا فاشربوا..." (20) . كما يؤكد أن الافخارستيا هي "تذكير بالآلام التي تحملها (يسوع) من أن يتطهّر البشر وتتخلّص نفوسهم" (21) . وأنّها عامل توحيد، تجمع المسيحيين حول شخص المسيح الواحد رأس كلّ الكنائس.

 

ذ ‌- يوستينوس والبدعة الألفية :

 

ما يلفت الانتباه، في كتابات يوستينوس، ويحمل على التساؤل، قبوله بالألفية، تلك البدعة كانت رائجة في القرون المسيحية الأولى، نظراً لتعاظم شأن رؤيا يوحنا والكتب الملحمية السائدة حينذاك. يقول: "أما أنا والمسيحيّون الأرثوذكسيّون الكاملون، فإنّا نعلم أنّ قيامة الجسد سوف تحدث بعد ألف سنة، فتضحي أورشليم رحبة متّسعة ومزيّنة" (22) . لكنّه يستدرك الأمر في موضع آخر فيعلن أنّ قسماً لا يستهان به من المسيحيين لا يشاطره هذا الرأي...

خاتمة :

إنّ الأمر الذي يسترعي الانتباه في مؤلّفات يوستينوس هو تفتيشه الدائب عن حقيقة ثابتة تضع حدّاً لتساؤلاته. وتحسن هنا الإشارة إلى أنّ الكتّاب المسيحيين في ذلك الزمان تأثّروا بالفكر الهلّيني السائد وأعطوا الفكر المسيحي بعداً فلسفياً جديداً بعيداً ولو بعض الشيء عن الخط الكتابي المألوف. وعلى منوال مفكّري عصره، لم يتخلَّ يوستينوس، بعد اعتناقه المسيحية، عن ثقافة العالم الوثني، فأدرج تعابير فلسفية، من رواقية وأفلاطونية، في الديانة المسيحية، مسهماً في دفع عجلة الفكر المسيحي شوطاً كبيراً إلى الأمام.

لقد كان يوستينوس نزيهاً في بحثه عن الحقيقة، مرَّ بالتجربة الفلسفية التي يمرّ بها كلّ فيلسوف، إلى أن اقتنع بصحّة التعاليم المسيحية، فأضحى مثالاً ورائداً يحتذى به في مسيرة البحث الفكري الطويلة.

القديس ايريناوس أسقف ليون

 

1 - مقدّمة :

ما إن فرغت الكنيسة من لملمة أشلائها في القرن الأوّل، بعد الاضطهاد المرير حتى توالت المصاعب متراكمة عليها من كل صوب، ومنها خصوصاً التيّارات الفكرية المناهضة كالغنوصية والمونتانية، التي أضحت قويّة وباتت تهدّدها في كلّ بقاع الإمبراطوريّة الرومانيّة، فكان لا بدّ من وقفة معاكسة تردأ الخطر الداهم وتعيد الثقة إلى قلوب المؤمنين. في هذا الجوّ المشحون بالتناقضات والفوضى الفكرية ظهر إيريناوس (تفسير اسمه في العربيّة "سلام") مدافعاً عن الكنيسة بكلّ ما أوتي من عزم وحكمة، فجاء من أهمّ اللاهوتيين المسيحيين في القرن الثاني على الإطلاق، إذ كان، في عرف الكثيرين، أوّل من نسّق العقيدة المسيحية ونظمها في قالب منطقي واضح، أو بالأحرى أول من أسس مناهج علم اللاهوت، قبل توما الأكويني ويوحنّا الدمشقي بقرون.

2 - حياته :

ولد إيريناوس في مدينة إزمير حوالي سنة 140، وكان منذ صغره يختلف إلى كنيسة المدينة ليستمع إلى إرشادات القدّيس بوليكاربوس تلميذ الرسول يوحنا. سيم كاهناً في عهد الإمبراطور مارك أوريل، ثمّ يمَّم شطر بلاد غالية (فرنسا) لأسباب نجهلها، واستقرّ في مدينة ليون.

غرف إيريناوس من بحر الكتاب المقدّس واسترفد ثقافة عصره فانثال الفكر على ريشته غزيراً فيّاضاً، ولا عجب، فإزمير، لؤلؤة بحر إيجه، كانت محطّ أنظار الجميع، تستقطب إليها المثقّفين من كل صوب ليعبّوا من معينها الفكري المفعم بروح الفلسفة الهلّينية والمسيحية.

صبَّ إيرويناوس في مدينة ليون، وفي المرحلة الأولى من حياته فيها، كلّ قواه على محاربة الفلسفة الغنوصية التي كانت قد سحرت المسيحيين وخلبت عقولهم، واجتاحت بلاد غالية وإيطاليا والشرق. نشر إيريناوس مصنّفاً لاهوتياً عرض فيه النواحي الإيجابية والسلبية من الغنوصية. ثمّ، وحرصاً منه على وحدة العقيدة، وضع مجلّداً آخر عنوانه " ضدّ الهراطقة ".

وفي المرحلة الثانية عكف إيرويناوس على نشر الديانة المسيحية في المقاطعات المجاورة لمدينة ليون، وبفضل الأسقف أضحت المدينة مركزاً للمسيحية في بلاد غالية كلّها.

لمع في إيجاد اتفاق حول عيد الفصح بين الشرقيين والغربيين، ففي ذلك الوقت اتّسع الخرق بين كنيسة روما وكنائس آسيا حول مسألة عيد الفصح. فالشرقيون كانوا يعيّدون في الرابع عشر من نيسان والغربيون في الأحد الذي يليه، فتوسّط إيرويناوس بإيعاز من أسقفه لدى البابا اليتيروس لإعادة اللحمة بين الكنائس. ولقد ورد في مطلع الرسالة التي حملها من أسقفه إلى البابا: "لقد طلبنا إلى أخينا ورفيقنا إيريناوس أن يحمل إليكم هذه الرسالة، فنسألكم التجاوب إكرامه لغيرته على ميثاق المسيح " (23) . ولمّا عاد إلى ليون فوجئ باستشهاد اسقف المدينة فوطينوس، فنادى به الشعب بأسره خلفاً له.

توفي إيريناوس بين سنة 202 و 203 أيَّام الإمبراطور سبتيموس ساويرس، ولا يستبعد أن يكون من عداد الشهداء الذين قتلوا في مدينة ليون آنذاك.

- أيريناوس اللاهوتي.. ويوستينوس الفيلسوف

"إن ثقافة إيريناوس الفلسفيّة أدنى من ثقافة يوستينوس، المضطلّع من الفلسفة،.. ولكنّه متعلّق به تعلّقاً مباشراً" (24) . يقول بلتسار اللاهوتي المعاصر الشهير: "لم يكن باستطاعة ايرناوس الوصول إلى ما وصل إليه من رفعة خاصة بدون يوستينوس الذي يستخدم باستمرار كتاباته. يتصرّف إيرناوس بالنسبة إلى يوستينوس كالعبقري تجاه الموهبة... يفتقد يوستينوس إلى بعض اللمعان.. بخلاف ذلك يُشرق إيرناوس من كل جانب، وخطابه يصدر عن نظرة خلاّقة تغوص صميم الوسط الملتهب" (25) . لذلك يستعين إيرناوس بالكتاب المقدّس دون الفلسفة، يقول: المسيح هو الكنز المخفي في الكتب المقدّسة".

3 - مؤلّفاته :

إلى جانب الاهتمامات الرعوية والتبشيرية في مدينة ليون وجوارها، كرّس إيرويناوس قسطاً من وقته للكتابة والتأليف، وقد خلّف في هذا المضمار مؤلّفات جمّة فُقد معظمها ولم يبقَ إلاّ النزر اليسير. ففي "التاريخ الكنسي" يذكر أوسابيوس المؤرّخ مؤلّفين مهمّين وضعهما إيريناوس: "إيضاح التعليم الرسولي"، "كشف الغنوصية الباطلة والكاذبة ودحضها" أو "ضدّ الهراطقة" (26) .

 

أ - " إيضاح التعليم الرسولي" :

 

بقي هذا الكتاب مفقوداً لا يعرف عن فحواه شيء إلى أن أخرجه إلى النور العلاّمة الأرمني درمكردجيان سنة 1907، وهو يتضمّن تعاليم مختلفة عن عقيدة الثالوث الأقدس والمعمودية ومونارخية الله ... ويتطرّق فيه إيريناوس كذلك إلى مواضيع خريستولوجية منها: يسوع المسيح والرب وابن داود وابن الله وسموّ الصليب وملكوت الله ...

وعلى الرغم من عمق الكتاب ومنحاه النظري، فإنّ له أيضاً صبغة تعليمية إرشاديّة، ويتخلّله كثير من نبوءات العهد القديم استعان بها إيريناوس لدعم صحة الوحي المسيحي. يقول: "إذا كان الأنبياء قد تنبّأوا بظهور ابن الله على الأرض وبيّنوا مكان هذا الظهور وكيفيّته، وإذا كان السيّد قد أتمَّ كل ما قيل عنه، يكون إيماننا ثابتاً وكرازتنا صحيحة. لذا فشهادة الرسل الذين أرسلوا من قبل الرب وكرزوا في العالم أجمع أنّ ابن الله قد أتى ليحتمل العذاب والموت من أجل قيامتنا، هي حقيقية" (27) .

 
 

ب - " ضدّ الهراطقة " أو "كشف الغنوصية الباطلة الكذابة ودحضها" (28) :

   

لا جرم أنّ الحافز الذي حدا إيريناوس على وضع هذا المصنّف القيّم هو تفشّي البدعة الغنوصية في جسم الكنيسة اليافع الفتي. فقد ناشده أحد الأساقفة الغربيين أن يضع دراسة عن المذهب الغنوصي الفالنتيني (29) ، نظراً لتفاقم خطر تلك البدعة في أبرشيته، فهبَّ إيريناوس ملبَّياً طلب زميله وكتب مؤلَّفاً من خمسة أجزاء:

يعرّف إيريناوس في الجزء الأوّل بالمذهب الغنوصي الفالنتيني، ثمّ يسترسل في تفنيد تطوّر الغنوصيّة مبتدئاً بسيمون الساحر، ومارّاً بساتورنيل (30) ، وبازيلياد، وكيرنثوس (31) ، والأبيونيين، والنقولاويين، ومارسيون، وتاسيانوس السوري (32) ، والمعتدلين (33) ... وخاتماً بلمحة خاطفة عن عقيدة الكنيسة ومضمونها.

وفي الجزء الثاني لم يتورّع إيريناوس عن نسف الفالنتينيين والمرسيونيين، مستنداً إلى براهين عقلية وفلسفية.

وجاء في الجزء الثالث شرحاً مستفيضاً للعقيدة المسيحية، أظهر إيريناوس من خلاله تفوّق الإيمان وسموّه المذهب الغنوصي ذا النزعة العقلانية.

ولكي يدعم موقفه استشهد في الجزء الرابع بأقوال السيّد المسيح، موضحاً بجلاء تماسك العهدين القديم والجديد.

أمّا الجزء الخامس فهو عرض لكيفية قيامة المسيح بالجسد، التي ينكرها الغنوصيون.

وخلاصة القول أنّ هذا المصنّف اللاهوتي المتماسك الفكرة هو الأوّل من نوعه، خوّل صاحبه أنّ يكون أوّل لاهوتي، بمعنى الكلمة الحصري، في تاريخ الكنيسة

4 - تعاليمه :

 
 
 

أ‌ - الإيمان أم العقل!...

   

لم يهتمّ إيريناوس بالمسائل النظرية اهتماماً كبيراً شأن الغنوصيين وأتباعهم، بل آثر الخوض في أمور الإيمان والمحبة، لاقتناعه بأنّ إمكانيات العقل، مهما عظم شأنها، تبقى محدودة لا تفي بالمطلوب. ففي كتابه "كشف الغنوصية الباطلة الكاذبة ودحضها"، يصرّح: "من الأفضل أنّ لا يعرف المرء شيئاً البتة ... وأن يؤمن بالله ويستمرّ في المحبة، من أن ينتفخ بالمعرفة (gnosis) ويبتعد عن المحبة التي هي حياة الإنسان. ومن الأفضل ألاّ يفتّش عن حقيقة أخرى خارج يسوع المسيح ابن الله، الذي صلب لأجلنا، كي لا يخوض في درس المسائل الدقيقة باللجوء إلى المماحكة، فيقع في الكفر" (34) .

إلاّ أنّ ذلك لم يمنع إيريناوس من تقصّي حقائق المذاهب المعاصرة له والوقوف على دقائقها وخفاياها، كما يتَّضح لنا من خلال تعاليمه التي لم تترك باباً إلاَّ طرقته.

 
 

ب‌ - وحدانيّة الله :

   

يركّز إيرناوس على وحدانيّة الله، ردّاً على الثنائية الغنوصية، بأنّ خالق الكون واحد، فليس من "وسطاء" أو آلهة أخرى بينه وبين الخلق. ويرى أن مصدريّة الألوهية Monarchie) (تكمن في الآب، وما الابن والروح القدس سوى "يدي الله" على حد تعبيره، يقول في معرض حديثه عن الخلق: "لا ينبغي أن نبحث عن يدٍ لله غير التي من البداية حتى النهاية تصنعنا وتسويّنا من أجل الحياة، وهي حاضرة لما تصنعه، وتكمله على صورة الله ومثاله" (35) ، "إن آدم قد صنعته يد الله، أعني كلمة الله" (36) ، "لم يكن الله بحاجة ليصنع ما قرّر مسبقاً في ذاته أن يصنعه. كأن ليس له يدان! فقد كان له على الدوام الكلمة والحكمة، الابن والروح القدس. فبهما وفيهما صنع كل شيء، بحريّة وباستقلال تام، وإليهما يتوجّه الآب عندما يقول:"لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا" (تكوين1:26)" (37) . وفي معرض الحديث عن علاقة الآب بالابن يشدّد إيريناوس على الوحدة التي تجمع الشخصين معاً. يقول: "إذا سألنا أحد: إذن كيف انبثق الابن من الآب؟ نجيبه بأنّ هذه الولادة يعجز وصفها، لا يقدر أن يصفها أو يعرفها أحد... الآب وحده الذي ولد الابن يعرف ذلك. وبما أنّ هذه الولادة لا توصف (38) ، فالذين سوّلت لهم أنفسهم تفسيرها لا يمتلكون فكرهم، لأنّهم يتعاطون أموراً لا توصف . ويعلّم أيريناوس في كتابه "ضدّ الهراطقة" ما سمّاه بـ"الوجود المتبادل بين الأقانيم" (Peri-chorsis): "إنّ الله الآب عرف بالابن الذي هو في الآب والآب فيه" (39) .

 
 

ت‌ - المسيح يعرّف عن الله:

   

يرى إيرناوس، على غرار يوستينوس في لاهوته "التنزيهي" (Théologie Apophatique)، أننا "لا نستطيع أن نعرف الله في عظمته.. بل في محبته" (40) ، مؤكداً أن هذه المحبة ظهرت في شخص يسوع المسيح "كلمته"، فقد "صار إنساناً بين الناس، ليربط النهاية بالبداية، أي الإنسان بالله... لا شك أن الله، في عظمته ومجده الذي لا يوصف، "لا يراه إنسان ويبقى حيّاً" (خروج33/20) لأن الآب لا يمكن إداركه.. فالإنسان من تلقاء ذاته، لا يمكنه أن يرى الله؛ ولكنّ الله، إذا شاء، يمكنه أن يُري نفسه للناس، لمن يريدهم، متى شاء، وكيفما شاء. فالله يستطيع كلّ شيء: لقد رآه الأنبياء قديما بوساطة الروح القدس، ثمّ تمّت رؤيته بوساطة الابن بحسب التبنّي، وسوف يُرى أيضاً في ملكوت السماوات بحسب الأبوّة" (41) .

 
 

ث ‌- الأنثربولوجيّة المسيحيّة: تدبير، إصلاح، تألّه !..

   

 تميّزت المسيحيّة بنظرة فريدة، ليس عن الله وحسب، بل عن الإنسان أيضاً. فمنذ إيرناوس يظهر الإنسان هدف الله في الخلق والخلاص. "مجد الله هو الإنسان الحيّ" (42) . والإنسان بدوره لا يستطيع أن يتلقى "مجد الله" وبالتالي "الحياة" بدون اكتشافه وعيشه "المشابهة" معه، يتابع إيرناوس قائلاً: ".. وحياة الإنسان معاينة الله"(43) .

أمام الاحتقار الغنوصي للجسد، يدافع إيرناوس عن وحدة الإنسان، رغم تأثّره، كغيره من الآباء، بالأفلاطونيّة التي تجعل الإنسان يتألف من ثلاثة عناصر هي الجسد والنفس والروح. لقد خلق الإنسان "في صميم المادة.. فهو ليس روحاً سقط في جسد، بل هو جسد "مروحن" يسكنه الروح القدس فيضمن وحدته وعدم قابليته للفساد" (44) .

لعل أجمل ما فاضت به عبقرية إيريناوس وروحانيته في دنيا اللاهوت ثلاثة أمور:

1 - تدبير الله هو سعادة الإنسان:

لقد سعى إيرناوس أن يعطي قراءات لاهوتيّة للعديد من المفاهيم فنستطيع أن نقول أنه من ابتكر "لاهوت الزمن" و"لاهوت التربية" ولاهوت التدبير"، وفتح الأفق واسعاً لاستعمال تعبير "تاريخ الخلاص". يقول "إن الله كان يرسم كمهندس مخطط الخلاص.. وهكذا بطرق متنوّعة كان يُهيّئ الجنس البشري لسيمفونيّة الخلاص" (45) . إن هذا "التدبير" (Ico-nomiya باليونانيّة تعني "تدبير البيت") يجعل الله يعيّر أهميّة "للزمن" و"تدرّجه"، فالمحبوب يعيش في واقع يختلف عن المحب، فالله لا ينفكّ إلا ويراعي "بتربويّة" واقع "الزمن" عند الإنسان (46) ، "فكان عليه أن يُصنع أولاً، وبعد أن يُصنع ينمو، وبعد أن ينمو يصير بالغاً، وبعد أن يصير بالغاً يتكاثر، وبعد أن يتكاثر يقوى، وبعد أن يقوى يُمجَّد، وبعد أن يُمجَّد يعاين الله أخيراً" (47) .

2 - إصلاح كل شيء وإحيائه بالمسيح (48)  (Récapitulation) :

قبل أيريناوس سبق بولس فعلّم أنّ المسيح، بكر الخليقة الجديدة، قد أعاد إلى الإنسان جماله الأصلي الذي فقده. يقول: "بما أنّ الموت كان بإنسان، فبإنسان أيضاً قيامة الأموات. فكما أنّه في آدم يموت الجميع، كذلك أيضاً في المسيح سيحيا الجميع" (1 كور15: 21 - 22). وعلى غرار رسول الأمم راح إيريناوس يعلَّم أنّ المسيح قد أعاد الاعتبار إلى الخليقة وجدّدها: "لمّا تجسّد المسيح وصار إنساناً أصلح بذاته كلّ البشر، وأعطانا الخلاص مختصراً لنا الطريق بحيث إنّ كلّ ما فقدناه بآدم، أي أن نكون على صورة الله ومثاله، قد استرجعناه بالمسيح يسوع" (49) .

3 - التجسّد من أجل التأليه (Theosis):

يربط إيرناوس هذه الأنثربولوجية بالمفهوم عن المسيح، أي أننا لا نستطيع فهم ماهيّة الإنسان إلا بالنظر إلى يسوع "آدم الجديد"، لأنّ الإنسان كُوّن "حتى في جسده على صورة الابن "العتيدة ولادته" (50) . وما الغاية من التجسد سوى إعادة "المجد" للإنسان، "فالمسيح صار إنساناً، مرئياً وملموساً ليجعل الإنسان يشترك في حياة الله"(51) . وهكذا "صار الإله إنساناً ليصير الإنسان إلهاً" (52) . أي أنه في إنسانيّته المتشبهة بالمسيح، آدم الحقيقي، يختبر البنوّة لله. وهذا لا ينفي حريّة الإنسان بل على العكس يجعلها أكثر توّهجاً ولمعاناً ويجعلها "تنضج" (53) .

ونختم هذه الفكرة عن الأنثربولوجية الإيرناوسيّة بقوله: "إن كنت عمل الله فانتظر بصبر الذي يصنع كل شيء في الوقت المناسب، وأعني في الوقت الذي يناسبك أنت الذي صُنِع. فقدِّم له قلبناً ليناً وطيّعاً. واحفظ الصورة التي يُعطيك إياها الصانع، وليكن فيك الماء (الذي يرمز إلى الروح القدس) الذي يأتي منه، وبدونه تقسو، وبصمات أصابعه تزول عنك. بمحافظتك على الصورة، ترتقي إلى الكمال، فبالفن الهي، ينحجب الخزف الذي فيك. إن يده قد خلقت جوهرك، وهي التي ستكسوك بالذهب الخالص والفضة في الداخل والخارج (خروج 25/11)، وتزيّنك بحيث يصبو الملك نفسه إلى حسنك (مز44/12)" (54) .

 
 

ج ‌- مريم العذراء :

   

لقد وسمت فكرة "الإصلاح" تفكير إيريناوس فأضحت ملازمة له في كلّ طرقه، ولذا نجدها في حديثه عن العذراء. والجدير بالذكر أنّ القدّيس يوستينوس قد أشار قبله إلى علاقة العذراء، حوّاء الثانية، بحوّاء الأولى، لكنّ إيريناوس طوّر هذه الفكرة محمّلاً إيّاها أبعاداً عميقة. ومن جملة ما ورد في هذا الموضوع قوله: "نجد العذراء مريم مطيعة تقول: هاءنذا أمة الربّ، فليكن لي بحسب قولك. أمّا حوّاء امرأة آدم فكانت متمرّدة، خالفت أوامر الله وهي بعد عذراء. فإذا كانت حوّاء قد عصت الله فسبّبت الموت لها وللجنس البشري كافة، فإنّ مريم العذراء لبثت بتولاً، وأصبحت بطاعتها الله رمزاً لخلاص كلّ البشر" (55) .

 
 

ح ‌- الكنيسة مستودع الحقيقة:

   

إن المسيح هو رأس الكنيسة. والكنيسة بالنسبة لإيرناوس هي مستودع الحقيقة، يقول: "يجب ألا نبحث في موضع آخر عن الحقيقة التي يسهل أن نجدها في الكنيسة. فالرسل قد وضعوا فيها، كما في مستودع، الحقيقة كاملةً، حتى إن كلّ من يرغب يستقي منها شراب الحياة... يجب أن نحب محبة قصوى كلّ ما هو من الكنيسة وأن ندرك بقوّة تقليد الحقيقة" (56) . "إن كرازة الكنيسة هي نفسها في كلّ مكان وتبقى مساوية لذاتها ومستندة، كما بيّناه، إلى شهادة الأنبياء والرسل وجميع التلاميذ في البداية والوسط والنهاية، وبموجز الكلام، خلال كل التدبير الإلهي، خلال العمل الاعتيادي لله الذي يُجرى خلاص الإنسان ويُقيم في داخل إيماننا، هذا الإيمان الذي نلناه من الكنيسة ونحافظ عليه كشراب ثمين في إناء فاخر، والذي يعطيه روح الله أن يُنعش على الدوام ويُجدّد حتى الإناء الذي يحويه. إن عطيّة الله هذه قد عُهد فيها إلى الكنيسة كالنسمة إلى الخليقة، حتى إن جميع الأعضاء الذين يتقبلونها يحيون بها، وفي هذه العطيّة مشاركة المسيح، أعني الروح القدس" (57).

إن إيريناوس يؤكد على أهميّة الحفاظ على "التقليد" في الكنيسة الذي لا يتواصل إلا بفعل "الخلافة" الرسوليّة، فيقول: "في هذا النظام وهذه "الخلافة" وصل إلينا الذي تحويه الكنيسة منذ الرسل وكرازة الحقيقة. وهذا برهان كامل على أن الإيمان المحيي الذي حافظت عليه الكنيسة منذ الرسل حتى يومنا وانتقل في الحق هو واحد ولا تحوّل فيه" (58) . والجدير بالذكر، أن إيرناوس يُبرز مكانة أهميّة كنيسة روما، ربما لأنّها كنيسة العاصمة الأولى آنذاك، بحسب تعبيره: "إنها الكنيسة العظمى.. التي أسّسها وأقامها الرسولان المجيدان بطرس وبولس".. كما يدعو إلى "الوفاق معها، بسبب تأسيسها الأكثر قدرة (أو بسبب أصلها الأكثر امتيازاً)، هي التي حفظ فيها القادمون من كلّ مكان التقليد الآتي من الرسل" (59) ..

 
 

خ ‌- المعموديّة والإفخارستيا :

   

لم يضفْ إيريناوس شيئاً على يوستينوس فيما يتعلّق بلاهوت المعموديّة سوى تأكيده على أهميّة منحها للأطفال حيث كان الغنوصيون يرفضون ذلك، فيقول: "إن الأطفال كما الراشدين عليهم قبول هذا السرّ (أي العماد)، لأنّ المسيح أتى ليُخلّص جميع البشر، والأطفال لهم حق الخلاص" (60) . كما أنه لم يُضف جديداً على لاهوت الإفخارستيا سوى ما أشرنا إليه في حاشية سابقة، مكمّلاً لاهوت يوستينوس، بضرورة استدعاء الروح القدس على القرابين لتتميم السرّ، فيقول: "وعندما نستكمل الافخارستيا نستدعي الروح القدس حتى يظهر الخبر جسداً للمسيح، والكأس دماً للمسيح، حتى يحصل المتناولون منها على مغفرة الخطايا والحياة الأبدية" (61) .

خاتمة :

إن أنثروبولوجيّة إيرناوس هي نفسها خريستولوجيّته ومفهومه للخلاص ولعلاقة الله بالبشر، وبمعنى آخر لم يفهم إيرناوس "العقائد" المسيحيّة كنظريات مجرّدة. إنّ كلّ ما في "الإيمان المسيحي" يخص الإنسان وسعادته. وما استعمال الآباء بشكل عام لفكرة "تأليه الإنسان" سوى تأكيد على توهج إنسانيته بالانتماء العميق لله، بالبنوّة له. ما أخفق فيه آدم حققه يسوع آدم الجديد، والمسألة مسألة اختيار: البقاء في القديم أم الاتشاح بالمسيح.

ترتليانوس القرطاجيّ

 

1 - حياته :

يروي التقليد القديم أنّ المسيحيّة دخلت مدينة قرطاجة في زمن مبكّر، عبر مدينة روما، وكانت قرطاجة آنذاك عاصمة المقاطعة الرومانيّة في أرجاء أفريقيا الشماليّة كلّها (تقع قرطاج في تونس حاليّاً). ويذكر المؤرّخون أنّ المدينة دمّرت برمّتها على يد الرومانيين سنة 149 ق.م، لتعاظم شأنها في دنيا الملاحة والتجارة في حوض البحر الأبيض المتوسّط. ثمّ أعيد بناؤها سنة 42 بعد المسيح (62) ، فراحت منذ ذلك الحين تسعى إلى استعادة مكانتها المرموقة، فعادت الحركة تدبّ في شوارعها ومرافئها حتى سنة 689 عندما دخلها العرب (63) ، وانتشروا في جميع تخومها. لقد كانت عاصمة للعلم والمعرفة ذات الثقافة اللاتينيّة، يأتي إليها المفكّرون من كل حدب وصوب، كما تمكّنت من تبوّء مركز الصدارة في الكنيسة الغربيّة، فقدّمت لها ثُلّة من خيرة مفكّريها، أمثال ترتليانوس وكبريانوس وأوغسطينوس...

ولد ترتليانوس (تفسير اسمه في العربيّة "قرصان الله") بين سنتي 155 و160 على الأرجح. ودأب منذ طفولته على حب المعرفة، وقد تولاّه أبوه بعناية فائقة لما توسّم فيه من علائم النجابة والذكاء، فلقّنه منذ طراوة سنّه مبادئ اللغتين اللاتينيّة واليونانيّة، حاثّاً إيّاه ليقف أيضاً على مبادئ الفلسفة والطب، وتبحّر في دراسة القانون والحقوق بشكلٍ خاص. ثمّ يمّم شطر روما وهو بعد في زهو العمر، فأمضى فيها بضع سنين يعبّ من معاهدها وينهل من معينها النابض بالعلم والثقافة والمعرفة. فزاول فيها مهنة المحاماة التي ورثها عن أبيه مدّة من الزمن. ومال، كأبناء عصره، إلى اللهو والعبث في روما، فكان يتردد إلى دور الملاهي، يروي ظمأ ميوله وغرائزه بنهم لا يرتوي، إلى أن قفل راجعاً إلى قرطاجة سنة 195، فاعتنق الدين المسيحي بعد بحث وتفتيش طويلين. وقد أعجب بشجاعة المسيحيين وتعلّقهم الراسخ بديانتهم، على الرغم من حدّة الاضطهادات التي كانت تثار عليهم، فيقول: "كلّ واحدٍ إزاء ثبات (الشهداء) يشعر بنوع من القلق. ويرغب رغبةً شديدة في البحث عن السبب، وما إن يعرف الحقيقة حتى يعتنقها هو بنفسه" (64) .

يُروى أنّه في زمن ترتليانوس جرى حوار بين قنصل قرطاجة "بريزنس" وبعض المسيحيين ممّن اعترفوا بإيمانهم وقد قطعت هاماتهم شهادة للمسيح (65) .. كان لهذا الحوار الأثر العميق في حياة ترتليانوس فراح يدأب في حمل راية المسيح، مجنّداً كل طاقاته في خدمة الفكر والكلمة حتى آخر نفس في حياته ...

ويؤكّد إيرونيموس المؤرّخ، في كتابه "مشاهير الرجال"، أنّ ترتليانوس كان متزوّجاً، وأنّه نال الدرجة الكهنوتيّة بعد فترة يسيرة من ارتداده (66) ، وهذا ما نستشفّه من بعض كتبه: "في الصلاة"، "في المعموديّة" (67) ، و"في التوبة" (68).

إلاّ أنّ علاّمتنا ما عتّم أن انحاز إلى البدعة المونتانيّة المتشدّدة، فابتعد عن الكنيسة، إلى أن انفصل عنها كلّيّاً سنة 213. ومردّ ذلك أنّ الكنيسة كانت تجيز للمسيحيين في زمن الاضطهادات الهرب أو التخفّي، وأنّ بعض المسيحيين بالغوا في التراخي واللامبالاة، فحمل عليهم وأنشأ جمعيّة جديدة دعيت باسمه "الترتليانيّة".

"ترتليانُس هو أول من يُقرّ بأوهانه، ولاسيّما بوهنه الرئيسي: قلة الصبر. ليس من باب الصدف، أن يكتب مقالاً في الصبر، يشبّه نفسه بالمريض الذي يتكلّم على الصحة وهو يتوق إليها بألم" (69) .

توفي ترتليانوس في قرطاجة سنة 220 على الأرجح، وهو على خلاف مع الكنيسة...

2 - مؤلّفاته :

أطلق النقّاد على ترتليانوس لقب "مؤسّس اللغة اللاتينيّة الكنسيّة" (70) . فمنذ اعتناقه المسيحيّة شرع في سكب الفكر المسيحي في قالب لاهوتي ولغوي متين، مضاهياً كبار الأدباء، أمثال تاسيت وشيشرون وغيرهما. فأستحدث ألفاظاً لاتينيّة جديدة أدرجها في صلب الفكر المسيحي، ما برحت حتى اليوم متداولة على شفاه اللاهوتيين. وترك أكثر من ثلاثين مؤلّفاً تطرّق فيها إلى مواضيع شتّى، تنحصر كلّها في ثلاثة أمور:

أ‌- مؤلّفات دفاعيّة، وهي خمسة: رسالة إلى الأمم Ad nations، الدفاع Apologeticum، شهادة النفس De tesfimonio animae، رسالة إلى سكوبولا A Scopula، ضدّ اليهود Adversus Iudaeos

ب‌- مؤلّفات جدليّة، وهي عشرة: ضدّ الهراطقة De praescriptione haereticorum، ضدّ مرقيون Adversus Marcionem، ضدّ هرموجنيس Adversus Hermogenes، ضد فالنتنيانوس Adversus Valentinianos، حول المعموديّة De baptismo، ترياق العقرب Scorpiace، جسد المسيح De carne Christi، قيامة الجسد De resurrectione carnis، ضدّ براكسيان Adversus praxean، النفس De anima.

ت‌- مؤلّفات أدبيّة وأخلاقيّة، وهي ستة عشر: إلى الشهداء Ad martyras ، المشاهد De spectaculis، زينة النساء De cultre feminarum، في الصلاة De oratione، في الصبر De patientia، في التوبة De paenitentia، إلى امرأته Ad uxorem، تحريض على العفاف De exhortatione castitatis، في الاكتفاء بالزواج الواحد De monogamia، في تحجّب العذارى De virginibus velandis، الإكليل De corona، في الهرب من الاضطهاد De fuga in perscutione، في عبادة الأوثان De idololatria، في الصوم De ceiunio adversus psychioros، في الحشمة De pudicitia، في الجنة De pallio.

لقد اخترنا لهذه الدراسة بعض المؤلفات الرئيسيّة التي تحدّد فكر ترتليانوس ولاهوته:

 
 

أ ‌- الدفاع  Apologeticum:

   

يعتبر هذا المصنّف من أهمّ مؤلّفات ترتليانوس على الإطلاق. ففيه يعزو الكاتب الاضطهاد الذي يتعرّض له المسيحيون إلى جهل الأباطرة لحقيقة الديانة المسيحيّة الجديدة. يقول: "تفقه الحقيقة جيّداً أنّها غريبة في هذا العالم، وأنّه من السهل جدّاً أن تجد أعداء لها بين الغرباء، بيد أنّ لها عائلتها ومسكنها ورجاءها ونفوذها ومجدها في السماوات. رغبتها الوحيدة أن لا يُحكم عليها قبل أن تعرف..." (71) .

يطالب ترتليانوس، على ضوء ذلك، السلطات الرومانيّة بالحريّة الدينيّة لجميع المواطنين قائلاً: "كل مقاطعة وكل مدينة لها إلهها الخاص... أمّا نحن فيحظّرون علينا امتلاك ديانة خاصة بنا. نُتّهم بإهانة الرومانيين، فلا نعامل مثلهم، بحجة أنّ الإله الذي نعبده ليس إلهاً رومانياً" (72) ... ويذكر في رسالته إلى اسكابولا الدفاع نفسه مؤكداً على ضرورة الحريّة الدينيّة وأن لا أكراه في الدين: "إنه من حق الإنسان، ومن امتياز طبيعته، أن يعبد كلّ واحد بحسب قناعاته، فدين الواحد لا يضرّ بالآخر ولا يخدمه. وليس من خصائص الدين أن يُفرض بالإكراه" (73) .

ولكي يبرهن أنّ المسيحيين ليسوا أعداء الدولة، رسم ترتليانوس في الـApologeticum لوحة جميلة أظهر فيها جوهر الحياة المسيحيّة، جاء فيها: "نحن جسم واحد لشعورنا المشترك بالإيمان الواحد، والرجاء الواحد، إذ نؤلّف جماعة على غرار الكتائب المتضامنة كي نتعقّب الله بصلواتنا. إنّ هذا النوع من العنف لمستحبّ عنده. فنصلّي لأجل الإمبراطور ووزرائه، ولأجل الدولة الحاليّة، كما نصلي لأجل السلام في العالم..." (74) .

وفي ختام الكتاب، يصرّح ترتليانوس أنّ المسيحيّة ليست فلسفة جديدة فحسب، بل تتخطىّ النظريّة لكونها حقيقة سماويّة تجلّت بواسطة الله. فليس بمقدور أحد أن يهدمها. يقول: "إنّ قساوتكم المفرطة لا تجدي نفعاً، إذ تؤول بالنفع علينا. فكل مرّة تحصدوننا يزداد عددنا أضعافاً بفضل دم الشهداء.. إن الشهداء هم زرع الكنيسة" (75) .

 
 

ب ‌- الردّ على الهراطقة  De praescriptione haereticorum :

   

يطوّع ترتليانوس في هذا الكتاب معارفه الحقوقيّة، فلا يقاضي الهراطقة في استعمالهم مبدأ "الحريّة الدينيّة" ويشرح لفظة "هرطقة" اليونانيّة التي تعني "الاختيار"، ولكنّه لا يستبيح لهم استعمال الكتاب المقدّس معتبراً ذلك تعدي على ملكيّة الغير، فيقول: "بما أن الهراطقة يتسلّحون بالكتاب المقدّس، فيجب أن نرى بوضوح لمن ترجع مُلكيّة الكتاب المقدّس، بحيث لا يُسمح باستعماله لمن لا حقّ له بهذا الامتياز" (76) ... ويقول لهم: "ماذا تفعلون على ممتلكاتي إذا كنتم لا تخصونني؟ من أعطاك، يا مرقيون، الحقّ في أن تُحطّب في غابتي؟ وأنت، يا فالنتينوس، كيف تجرؤ على تحويل مجرى ينابيعي؟.. هذه الأرض هي لي، وأملكها قبلكم، وفي يديّ المستندات الحقيقيّة التي نلتها من أصحابها أنفسهم الذين يملكونها.. إني وريث الرسل" (77) .

 
 

ت‌- الردّ على مرقيون Adversus Marcionem :

   

"إنه أطول كتب ترتليانُس، وروعة كتب الجدل، يتميّز بقدرة الفكر وصفائه. يتهجّم بسخرية شرسة على الثنائية"(78) .. ويستوحي بالتأكيد كتاب إيرناوس "الردّ على الهرطقات". لذلك نجد فيه الأنثروبولوجيّة الإيرناوسيّة ولكن بلغة أخرى: "إنني أجد الإنسان الذي خلقه الله حرّاً وغير متعلّق إلا باختياره الحرّ وبسلطانه الخاص، وبهذا هو كائنٌ على صورة الله ومثاله، وليس بشكل قامته" (79) ...

يقرأ ترتليانوس سرّ الخلاص (Sotériologie) على الطريقة الإيرناوسيّة، فيقول في هذا الكتاب: "لم يقدر الله أن يأتي لملاقاة البشر بدون أن يقبل قسمات الإنسان وحوّاسه وأشكاله، التي بها يوحي لهم عظمة جلاله.. باتضاعٍ غير لائق به ولكن ضروري للإنسان، وبذلك جدير بالله، إذ ليس أكثر جدارة بالله من خلاص الإنسان... يصير الله صغيراً لكي يصير الإنسان كبيراً" (80) .