جمعية التعليم المسيحي في حلب-قصص ذات مغزى
     

العناية الإلهية

 

هبّت عاصفة هوجاء على سفينة بعيدًا عن السواحل. فغرق كلّ من كان فيها عدا رجل واحد استطاع أن يجاهد ويكافح حتى وصل إلى جزيرة صغيرة مهجورة. بنى الرجل كوخًا صغيرًا وأسلم نفسه لعناية الله. كان يعيش من بعض الأعشاب التي كان يلتقطها هنا وهناك، لاسيما وأن الأمواج دفعت إلى الجزيرة بعضًا مما كان في السفنية الغارقة من طعام وشراب. كان يقضي الساعات فوق الصخور العالية في الجزيرة يلوّح بيده لعلّه يرى سفينة من بعيد تأتي لنجدته.

وفي يوم من أيّام الصيف الحارّة، صعد إلى الصخرة كعادته ينظر إلى الأفق البعيد، ولما تعب من النظر التفت وإذ بالنيران تلتهم كوخه الصغير ولا تُبقى فيه على شئ. قنط المسكين وأخذ يفكّر في قَدَره، لكنه في النهاية جدّد إيمانه بالله. وفي المساء، وصلت إلى الجزيرة سفينة كانت مسافرة وقال القبطان لصاحبنا: "لقد رأينا النار التي أضرمتها لتدلّنا على وجودك، وأتينا لنجدتك".

بركة الأخَويْن

 

ورث أخوان عن أبيهما قطعة أرض اقتسماها مناصفة. كان الأوّل غنيًا وبلا زوجة وأولاد، أما الثاني فكان فقيرًا، وكان متزوّجا وله أولاد كثيرون. ولمّا حان الحصاد جمع كل أخ منهما القمح في بيدره. وفي أثناء الليل، قال الأخ الغنيّ في نفسه: "أخي فقير وكثير الأولاد، وعليّ أن أزيد بيدره". وقام في الليل وحمل كمية من بيدره ووضعها على بيدر أخيه وعاد إلى النوم.

أما الأخ الفقير فقد قال هو أيضًا في نفسه: "أخي وحيدٌ ومسكين، والمال يفرح قلبه، عليّ أن أزيد بيدره". فقام من نومه وحمل كمية من بيدره ووضعها على بيدر أخيه وعاد إلى النوم.

وفي الصباح، اكتشف كلٌّ منهما أن البيدرين لم ينقُصا... فكرّرا العملية في الليلة الثانية والثالثة والرابعة. وفي الليلة الرابعة التقيا معًا على حدود الأرض وكل منها يحمل كمية من بيدره ليضعها فوق بيدر أخيه. فتعانقا وتعاهدا على المحبة إلى الأبد.

التضحية

 

كان الشاب الصيني "شانج شو" يقف فوق الهضبة العالية المشرفة على شاطئ المحيط، يستنشق الهواء النقي، ويتأمل حقول الأرز الممتدّة تحت قدميه، وقد قارب وقت الحصاد، بعد أن جفّت العيدان وانحنت تحت حملها الوفير.

امتلأ قلب شانج بالرضا، فها هو الآن يمسح تعب الشهور الطويلة التي قضاها في رعاية الحقل، وها هو يقترب من تحقيق حلمه الكبير بالزواج من خطيبته المحبوبة بعد أن يبيع محصوله الوفير.

غير أن شيئاً مباغتاً أفزع شانج، وأخرجه من أحلامه. فقد أحس ببوادر هزة أرضية ضعيفة، ونظر إلى شاطئ المحيط البعيد، فرأى الماء يتراجع إلى الوراء، فعرف من خبراته البيئية أن الكارثة على الأبواب! فالماء حين يتراجع إلى الوراء، إلى قلب المحيط، يشبه الوحش الذي يتراجع إلى الخلف، ليستجمع كلّ قواه كي ينقضّ على ضحيّته بضراوة وعنف.

ولكن لماذا يخاف شانج، وهو فوق الهضبة؟ يتمثّل خوف شانج في إدراكه لحجم الكارثة التي ستتعرض لها القرية الصغيرة الراقدة في سفح الجبل، والتي يسكنها فلاحون فقراء لا يملكون من الحياة سوى أكواخهم المتواضعة.

لم يكن الوقت كافياً للنـزول إلى السفح لتحذير الناس. فصاح من فوق الهضبة حتى كادت جنجرته تنفجر، فلم يسمعه أحد. وبعد لحظات من الحيرة والقلق، اتخذ شانج قرارًا حاسمًا، فأشعل النار في حقله الصغير، ليثير انتباه الفلاحين في الوادي الآمن عند السفح.

ونجحت حيلة الشاب الصيني، فقد تدافع الجميع صاعدين إلى أعلى الهضبة لإنقاذ الحقول، بينما هبط هو ليلاقيهم في منتصف الطريق، ليعيدهم لالتقاط أطفالهم ونسائهم وحاجاتهم القليلة.

لم يتزوج شانج في تلك السنة، ولم يجد حاجاته الضرورية، ولم يسد ديونه، ولم يشتر فستانًا لأخته الصغيرة، ولم يأخذ أمّه العجوز إلى المدينة للعلاج والاستشفاء من الآم الروماتزم! لكنه أنقذ حياة قرية كاملة، وأصبح عمدة القرية ونائبها، لأنّه أثبت أنه قادر على حمل المسؤولية.

القناعة

 

في حجرة صغيرة فوق سطح أحد المنازل عاشت الأرملة الفقيرة مع طفلها الصغير، حياة متواضعة، يأكلان الخبز الجاف، ويلبسان ما يستر جسديهما الضعيفين، ويفترشان بعض الخرق القديمة. ومع أن ظروف الحياة كانت صعبة، إلا أنّ هذه الأسرة الصغيرة كانت تتمتع بنعمة الرضا والقناعة.

ولكن أكثر ما كان يزعج الأمّ هو سقوط المطر في فصل الشتاء. فالغرفة تتكون من جدران أربعة وباب خشبي، لكنّها ليست مسقوفة بغطاء يحمي من المطر. وكان قد مرّ على الطفل أربع سنوات منذ ولادته، ولم تتعرّض المدينة إلا لزخّات مطر قليلة وضعيفة. أمّا هذه السنة فكانت تنبئ بمطر غزير.

وحين تجمعت الغيوم في الصباح، أدركت الأمّ أنها ستواجه مع وليدها الصغير ليلة لم يشهدها من قبل. ومع ساعات الليل الأولى، نزل المطر الشديد. نظر الولد إلى أمّه نظرة حائرة، واندسّ في حضنها، لكن جسمَ الأمّ كان مبلولاً. أسرعت الأمّ إلى باب الغرفة فخلعته، ووضعته مائلا على أحد الجدران، وخبأت طفلها وراء الباب لتحجب عنه سيول المطر.

ونظر الطفل إلى أمّه في سعادة بريئة، وقال: كان الله بعون الناس الفقراء الذين ليس عندهم باب يستطيعون وضعه فوق رؤوسهم حين يسقط المطر عليهم..!

 

زهرة البنفسج

 

دعني أحدثْك يا صديقي عن مرّة اكتشفت فيها كنزي..

يومَها أحسستُ بضيق وكرب شديدين، فأطلقت لقدميّ العنان، ونهبت الشوارع أطلب الهدوء والأمان، الأفكار في رأسي تتزاحم، والشجون في أعماقي تتعاظم، قادتني قدماي إلى حديقة غنّاء رائعة تذخر بالورود البهيّة.. هاجمت أنفي رائحة عطر ولا أذكى، طفقت أبحث عن مصدر الرائحة، رأيت وروداً صفراء كبيرة الحجم، شامخة، كصبية تترنح بزهوّ لتبهر العالمَ بجمالها الأخاذ، دنوت منها... ربّما هي التي تصدرُ تلك الرائحة الذكيّة... لا رائحة لها. قلت في نفسي ربّما عليّ أن أذهب إلى أبعد لأجد وردتي العطرية، وكلّما تغلغلت في عمق الحديقة شعرت بفوحانها أكثر.

صادفت مئات الزهور الكبيرة الرائعة الجمال ومن كلّ لون وصنف، أمّا وردتي فلمْ أجدْها... تُرى أين اختفت..؟

مرّ وقتٌ طويلٌ خلته دهراً وأنا أبحث عن وردتي المنشودة، فجأة لمحت في طرف الحديقة زهرةً صغيرة جداً، بتلاتها بنفسجيّة اللون، ساقها رفيعة جداً تميد مع كل نسمة خفيفة تداعب خدّها.

تلك هي الرائحة التي غمرت أنفي وحيّرت نفسي.. هي زهرة البنفسج، تتوارى عن الأنظار، لا تزهو ولا تفتخر، بل تبث في العالم أعطر وأذكى عطرٍ قد يداعب أنفك.

أنستني زهرتي المتواضعة كلّ همومي ومنحتني سلاماً وفرحاً غامرين.

في تلك اللحظة تذكرت أمي.. نعم إنها أمي.. هي زهرة البنفسج.

هي العطاء بصمت ودون كلل.. هي الصبر دون حدود.. هي الفرح.. هي الحب..

لستِ صغيرةً يا أمي وإن توارت عن الأنظار.. أنت أكبر من الكِبَر.. وأجمل من الجمال.. وأغلى من أغلى كنوز الأرض.. عطرك أبداً فواح.. وابتسامتك هي مصدر فرحي ولو بقيتِ العمر كله صامتة.

 
 

Designed by Mounir Kwefati